Messages les plus consultés

lundi 17 janvier 2011

تونس: هل بدأ عصر الجماهير الرقمية؟

كيف استطاعت ثورة تونس الأبية أن تطيح بنظام حكم تسلطي عتيد عمر أكثر من عقدين من الزمان؟ سام خلالهما البلاد و العباد صنوف العذاب و الخسف و الفساد.. فأرعد و أزبد.. و استبد و عبد..  هدد و ببد.. سجن و شرد.. استكبر و فجر.. ذبح و كسر.. طغى و بغى.... و لم يبق له إلا إن يقول "أنا ربكم الأعلى".. و لكن الله سلم.. استنهضت البلاد همم الشباب للخروج على طبائع الاستبداد.. و استحضر الشعب التونسي تمرد الشابي، و عبقرية ابن خلدون، و سرعة الإنترنت و رحابة الفيسبوك..و بساطة يوتوب.. و جرأة ويكيلكس.. و عزم فرحات حشاد.. وعنفوان محجوب العياري.. وغضب محمد البوعزيزي.. فكانت الملحمة الخالدة.. حضرت الثورة .. فغاب الشيطان..

هكذا، ستبقى ثورة تونس بكل المعايير تجربة فريدة حقا تستحق الكثير من الدراسة و التحليل. و هي بلا شك ستظل لأجيال  قادمة مصدر إلهام و إغناء لكثير من شعوب العالم في مواجهة الإستبداد و الظلم و التعسف. و حالما ينجلي غبار الميدان و تهدأ الأمور في ذلك البلد الجميل بطبيعته الخلابة و أهله الطيبين و عظمائه من الرواد و المصلحين الأوائل و الشعراء العباقرة، ستعكف كبريات معاهد الأبحاث الدولية و مختبرات الأفكار المعروفة بـ "الثينك تانك" على فحص و تشريح هذه الثورة ليس فقط لمعرفة أبعادها و نتائجها و انعكاساتها المختلفة على المنطقة و العالم فحسب، بل للتعرف قبل كل شيء على الطبيعة الخاصة لهؤلاء الثوار الجدد و آلياتهم المبتكرة و الفعالة.

و إلى أن تتأتى الظروف الموضوعية المناسبة لدراسة التجربة التونسية بكل أبعادها و حيثياتها و تفاصيلها في المستقبل القريب، سيظل التساؤل قائما حول حقيقة ما نشهده حاليا من تنامي الحراك الاجتماعي و التوتر في أرجاء كثيرة من العالم، بشكل يقترب يوما بعد يوم من الفوران و العصيان المدني و الثورة. هل هو مجرد امتداد لتراكمات إحتجاجية سابقة كانت مطمورة منذ عشرات السنين؟ أم هو ظاهرة جديدة كليا؟ و هل ما نشهده الآن، و نحن على أعتاب  العشرية الثانية من الألفية الثالثة، هو حقا بداية "عصر الجماهير الرقمية" و قد انطلقت شرارتها من تونس؟

 أجل، يبدو أن إخواننا التونسيين قد حزموا أمرهم و دشنوا ما يمكن تسميته بـ "عصر الجماهير الرقمية"،  فقدموا بذلك للعالم نموذجهم الجديد في الثورة على طريقة البرمجيات المفتوحة المصدر(Open Source)  في مجال علوم الكومبيوتر. إن ثورة تونس هي بمثابة تلك التقنية الجديدة التي توفر النص المصدري للبرنامج بكوداته و أيقوناته المختلفة، و تمنح حرية توزيعه  و تطويره من خلال إنتاج برمجيات أخرى مشتقة أو معدلة من البرنامج الأصلي مع حرية توزيعها أيضا. إنه جيل جديد من الثورات الاجتماعية تختلف جيناته الوراثية و خارطة حمضه النوويDNA  عن كل ما سبق. جاءت ثورة تونس على طريقة البث المباشر "أونلاين Online"، يغذيها سحر الإنترنت التواصلي الرهيب و تؤجج نارها فضائح ويكيليكس المجلجلة، و تنضجها أزمات البطالة و الغلاء المعيشي، و معاناة الفقر و التهميش و القهر؟

 و لعل أهم ما يميز عصر الجماهير الرقمية هو "الواقعية الافتراضية" للثورات الجديدة، فهي لا يقودها تنظيم سري و لا معارضة سياسية لا داخلية ولا خارجية، ولا تعبئ لها دعاية صحافة كلاسيكية وطنية أو دولية. بل هي ثورات  من صنع آليات أخرى جديدة كليا تتمثل في تكنولوجيات الاتصال الحديثة و تطبيقاتها التواصلية المختلفة مثل اليوتوب و الفيسبوك و تويتر و الديليموشن، و غيرها! إذ ما كان لهذه الثورة أن تنتصر، و ما كان للعالم أن يعرف شيئا عنها أو يتابع أخبارها على مدار الساعة لولا وجود شبكة الإنترنت والهواتف الجوالة المزودة بالكاميرات وآلات التصوير الرقمية و الويب كام، و غيرها من تلك الأدوات الإلكترونية الصغيرة و العجيبة.

فهل يكون مفعول هذه الخلطة الثورية السحرية قد بدأ فعليا من تونس لكي تجر قاطرتها القوية بقية البلدان العربية التي تشترك معها في نفس الأوضاع و خاصة في المغرب العربي و الشرق الأوسط؟  و هل ستصدق أخيرا نبوءات المفكرين الاشتراكيين الأوائل حول التراكم الرأسمالي للاقتصاد الذي حقق في تونس نسبة نمو بلغت 4.6 %، رافقها تطور في حجم الإستثمارات بنسبة 14.8 % ليصل إلى حدود 24.9 % من إجمالي الناتج المحلي الخام؟ وها هي "الثورة الطبقية الرقمية" تتفجر في الحلقة الأقوى من سلسلة الرأسمالية في البلدان المغاربية ؟ بعد أن سجلت الإستثمارات الأجنبية في تونس رقما قياسيا،  حيث ارتفع حجمها بحوالي 64 % ليبلغ 3.400 مليار دينار تونسي أي قرابة 2.59 مليار دولار أمريكي في السنة الماضية.


كل شيء جائز الآن..  و كل الاحتمالات واردة.. لكن، لن يضير ثورة الكرامة في تونس هذا الوجوم  و الصمت المطبق الذي يواجهها به النظام العربي الرسمي المتجهم، و قد فاجأته التطورات و تجاوزته الأحداث،  وهو لما يستفق بعد من هول الصدمة و الذهول. و لعل "التخريفات" المثيرة   للسخط التي طلع بها الزعيم القذافي أخيرا على الملأ في تعليقه على الموضوع، لأفصح تعبير عن انهيار النظام العربي الرسمي الذي دقت ثورة تونس آخر مسمار في نعشه المتهرئ، بعد أن أضحى تماما خارج حدود الزمن و المنطق.

كما لن تضير ثورة تونس تلك الأعمال الإجرامية التي تقوم بها حاليا بعض الفلول اليائسة لنظام قمعي بات في عداد الآفلين، بعد أن فقد توازنه بسبب الاختفاء المفاجئ لرأسه المدبر. بل، لعل في ذلك دروسا و عبرا تستحق الذكر. الآن فقط، و بعد أن سقط النظام التسلطي في تونس، بدأت فضيحة الأجهزة الأمنية في ظل شمولية النظام العربي الرسمي تتكشف على شاشات التلفزيون أمام العالم كله، حيث ظل همها المطلق هو حماية الأحكام السياسية المتعاقبة و التنكيل بأفراد الشعب العاديين. و ها هي بقايا النواة الصلبة للبنية التحية لترسانة إرهاب الدولة في تونس، التي كان النظام يصرف على تطويرها من خيرات تونس ليقمع بها أبناء الشعب في أقبية السجون المظلمة و في الشوارع و ساحات الجامعات، هاهي تلك الخفافيش تخرج الآن من جحورها لترهب الأهالي في بيوتهم الآمنة و تكرس الانفلات الأمني و تسرق فرحة الشعب بثورته التي تحققت بالدم و العرق و الصبر. و مرة أخرى تظهر من جديد المخططات السرية لمنظمات الكلاديو في تونس و هي تحاول إنقاذ نظام فاسد، آل إلى زوال بعد أن أعيته المراوغات و الحيل و الوعود الكاذبة و تخلص منه شعبه.

و لعل الطريف و المفيد في هذه الحالة رغم سلبيتها و بشاعتها، هو كونها تنعي إفلاس المفهوم البالي لعقيدة الأمن الوطني في ظل النظام العربي الرسمي، التي تنحصر فقط في تأمين السلطة الحاكمة على حساب أمن البشر والناس العاديين الذين هم المواطنون في دولة القانون. لقد قادت تلك العقيدة الأمنية العتيقة، و الجامدة والغامضة، و السلبية إلى شتى صنوف التجاوزات و التعسف، و خلفت سمعة سيئة في المخيال الجماعي لدى الأهالي. و هو ما أدى إلى أن تظل هياكل و وظائف الدولة المتصلة بالقطاع الأمني في البلاد العربية مختزلة في نواتها القمعية البشعة، بعيدا عن تنمية قدرات و خبرات أمنية وطنية حقيقة يستفيد منها الوطن و يضمن بها استقراره و يصون بها كرامة مواطنيه بين الشعوب و الأمم.  

و لكن، حتى على هذا المستوى أيضا، ستقدم تونس النموذج للآخرين.. فالبشائر سارة و التوقعات متفائلة. و في هذا السياق،  يبقى أهم شيء هو أن الجيش التونسي لم يقع في إغراء الانقلابات كعادة العسكر في البلاد العربية، و لم تخرج الجماهير إلى الشارع لتؤيد انقلابا و تهتف بحياة "الرجل القوي" الجديد، لتدخل البلاد في دوامة الانقلابات و الانقلابات المضادة.. في تونس لم يقرأ أحد من المهووسين البيان رقم واحد الشهير في التلفزيون و الإذاعة. بل إن الجيش في تونس امتنع تماما أن يحشر نفسه في شؤون السياسة و الحكم.. و اقتصر تدخله فقط على حفظ النظام و السلم الأهلي و حماية المواطنين من بطش بقايا المنظومة الأمنية المتهالكة لنظام للرئيس المخلوع.

و قد رأيت بأم عيني في التلفزيون مشهدين معبرين سأظل أتفاءل بهما دائما. كان المشهد الأول هو صورة ذلك الجندي التونسي الذي يعانق بحرارة و عفوية أحد المواطنين المتظاهرين في الساحة العامة أمام وزارة الداخلية يوم سقوط الطاغية.. أما المشهد الثاني، فهو باقة ورد جميلة رأيتها اليوم، و قد وضعها أحد المواطنين على مقدمة عربة عسكرية مدرعة تقف قرب تمثال ابن خلدون في ساحة الاستقلال، لا شك أن أحدهم ابتاعها للتو من دكاكين الورد القريبة على شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة تونس، هدية منه لذلك التلاحم بين المدنيين و العسكريين في هذه الثورة المدشة. فهناك.. من تلك الربوع الطيبة.. انبثقت أحلام و آمال الشعب التونسي..  من رحم المعاناة.. و هناك سجل التونسيون بطولاتهم و أمجادهم في أسفار الخالدين.. و من هناك.. سيبدأ عهد جديد.. و روح حديد.. و حلم جديد..  يعمل على تحقيق الإصلاح و التغيير و يفجر المفهوم السائد للأمن الوطني المقتصر على أمن الحاكم و أسرته و حاشيته و رموزه و زبانيته، ليصبح تركيز السياسات الأمنية الجديدة في البلاد العربية منصبا على التفكير و العمل الجاد على تحقيق أمن المواطن و تأمين احتياجاته أولا و قبل كل شيء، و لتجعل من حفظ كرامته و احترام حقوقه و تحقيق طموحاته في التنمية المستدامة و رعاية مصالحه الحيوية المشروعة نقطة مرجعية لرسم السياسات العمومية في مجال الأمن و الدفاع.

لن ينتزع أحد بعد الآن الحلم الرائع من شباب تونس و طلابها.. وشغيلتها و محاميها و صحفييها و مزارعيها..  عبق ورود ساحة الإستقلال.. و هيبة تمثال بن خلدون.. و ابتسامة ذلك الجندي الشاب.. و هدير الجماهير المتوثبة.. معالم لوحة الثورة و قد اتضحت ملامحها.. مضرجة بالدم الطاهر..و الياسمين.. إنها ثورة الشباب و ثورة الطلاب و ثورة الشارع أولا و أخيرا.. فهؤلاء هم من كانوا في مقصورة الدرجة الأولى، أما بقية الملتحقين بالقطار بعد أن بدأ يتحرك بقوة دفعه الذاتي، فهم العمال و المحامون.. و الصحفيون.. والمجتمع الأهلي.. و أخيرا... هرول السياسيون و الأحزاب نحو العربات الخلفية لقطار الثورة المندفع نحو رصيف الحرية و الكرامة و الخبز و "الهريسة"..

لوحة الثورة قد نضجت و اكتملت..و لم تعد قابلة للمحو و  الزوال.. خلدها الإعلام المرئي قبل المسموع.. و احتضن أبطالها المجتمع الافتراضي على الفيسبوك .. و شدا بألحانها اليوتوب.. و هاهي أرواح الشهداء الذين روت دماؤهم عطش الشعب للحرية.. تنبلج شموسها الوضاءة فوق بساط أحمر مطرز بالياسمين.. وها هي طيورهم الجميلة الخضراء ترفرف حارسة ساحة الاستقلال المضمخة بجراح الحرية.. فمن لحن أغنيتها ستطلعُ كــرْمــةّ و سيحـطُّ فــوق جـبـيـنـها حبــقّ وتُــــوتُ.. لتهمس بأحلام مستقبل واعد.. لشعب أراد الحياة..

تصبحون على خير..

محمد السالك ولد إبراهيم
15 يناير 2011


2 commentaires:

  1. The blog is very good!
    Congratulations!
    http://nelsonsouzza.blogspot.com

    RépondreSupprimer
  2. رائع ما دونته لك اعجابي الشديد اخي الكريم واسال الله لكم ولنا الخلاص والعيش الامن والاستفرار
    ولكافة البلاد العربية ايضا بحيث كلنا تحت وطأة الطغاة المأجورين من الصهيوامريكية لا محال
    فآن الاوان ان تنهض الشعوب من ثباتها وتستعيد كرامتها وامجادها
    اشكرك لاتاحة الفرصة للتعليق لديك
    معك روزانا من
    الموقع: http://elsoumoudelcharif.mescops.com
    اتمنى تشريفك لنا بكل محبة اخي الفاضل

    RépondreSupprimer