dimanche 23 septembre 2018

في انتظار الْفُلْكِ السياسي..

هل انتهى زمن الفتوة السياسية؟ فلا بطولات ولا أمجاد تكاد تذكر.. بعد انقشاع غبار الانتخابات العامة التي عرفتها البلاد خلال الأسبوعين الأولين من الشهر الجاري..

ها قد ظهرت بالتفصيل النتائج.. وطبيعي أن يفرح البعض أو يتحسر.. وربما امتعض آخرون.. لكن، لا شك بأن كل طرف بات يعرف في قرارة نفسه حدود إمكانياته الحقيقية.. وحجم التحديات الجدية التي يواجهها.. ولا حاجة بعد  اليوم لمزيد من العنتريات وتغذية الأوهام.. التي قد تشنج الموقف أكثر وترفع حالة القلق والترقب لدى الرأي العام الوطني.. إلى حدود قصوى..

أعتقد بأن الأهم هو أن تتمكن النخب من كل الأطياف في هذا البلد، من الخروج من قواقعها والتفكير جديا من أجل القيام بقراءة متأنية لنتائج هذه الانتخابات بأعين وعقول غير تلك التي كانت تدير بها الحملة وما رافقها من تشنج ونزق، ومسلكيات سلبية هي نقيض الروح الديمقراطية..
لدي شعور عميق بأن مؤشرات حدوث "تسونامي" سياسي جارف في هذا البلد قد بات وشيكا، بغض النظر عن ميزان القوة الجديد، ومقدار فوز أو خسارة هذا الطرف أو ذاك في الانتخابات الأخيرة..

أعتقد بأن ما حدث ويحدث أو قد يحدث بعد الآن، رغم كونه شيئا يبقى "مجهولا" لحد الساعة، لكنه كبير جدا وخطير جدا.. إنه شيء ضخم ينبغي أن لا تحجبه عنا آخر أنواء فصل الخريف ورياح "ألاوه" التي تهيمن هذه الأيام على مجال الرؤية وتحد منها على طول البلاد وعرضها..
فهذا الشيء "المجهول" يعنينا جميعا كموريتانيين في صميم وجودنا وكينونة بلادنا.. فهل سيقبل كل منا بأن يقف وقفة تأمل وتجرد وتفكير عميق، من أجل سلامة واستقرار واستمرار بلدنا في المستقبل المنظور؟
هل ستستطيع النخب في هذه البلاد بناء "سفينة نوح" من خلال تشكيل "براديغم" "paradigme" سياسي جديد يتسامى على الثنائية القطبية ويكون بمثابة فُلْكِ سياسي لإنقاذ البلاد؟ هل نستطيع الإمساك بالفرصة الأخيرة قبل الطوفان؟ أم سندعها تتفلت من بين أيدينا في غفلة، مجاملة أو غرورا ومكابرة أو طمعا في فتات؟

مرة أخرى، يتضح جزء من التحديات اللامتناهية التي تواجهها مشاريع التحول الديمقراطي في بلدان العالم النامي، خاصة في القارة الإفريقية والوطن العربي. و لعل من أغرب تلك التجارب و أجدرها بالدراسة و التتبع - ضمن هذا السياق - هو مشهد التجربة الموريتانية، التي يمكن اختصارها في مغامرة تشييد صرح ديمقراطي فوق رمال الصحراء المتحركة.

إنها حقا لحظة حاسمة ومفترق طرق دقيق بالنسبة لموريتانيا. هذه هي المرحلة "الانتقالية الحقيقية" التي يجب أن يحرص كل الشركاء في  السلطة كما في المعارضة بكل أطيافها، على عبورها  معا،  ليصلوا بالبلد إلى الضفة الأخرى بدون خسائر قد تعصف جديا بالسلم الاجتماعي والاستقرار السياسي في البلاد.

عند ذلك فقط، يمكن ترميم السفينة، وتصحيح الأخطاء و استكمال النواقص. أما إذا لم تحضر الحكمة والتعقل والتبصر والتجرد من الأهواء والمصالح والقدرة على مواجهة الضغوط والابتعاد عن الحسابات الآنية.. فإن "تسونامي" المجهول قادم لا محالة..

لذا، ينبغي أن يدرك الجميع في الوقت المناسب، بأنها مسؤولية وطنية لا يمكن أن تتساهل الأغلبية ولا المعارضة - خصوصا ضمن هذه المرحلة الحرجة – في حسن تقديرها والتعامل معها. 
فإما أن تختار الأطراف التي يمكن أن تشارك في تشكيل "البراديغم" أو الْفُلْكِ السياسي الجديد-القديم، سواء في السلطة أو في المعارضة- الاستمرار في مناورات تكتيكية لكسب بعض النقاط  في الوقت بدل الضائع ضمن لعبة التجاذب والصراع المستطير على السلطة وتقاسم الامتيازات والمنافع، قد تصمد لبعض الوقت... و إما أن يقرروا  معا - بجرأة و بحكمة-  الدخول في خيارات إستراتيجية إصلاحية شاملة، تعيد بناء جسور الثقة، وتعمق التجربة الديمقراطية، وتضمن للبلاد استقرارها السياسي، وتعيد فتح الآفاق أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة، بما يخفف من المعاناة اليومية للمواطنين من مختلف الطبقات و البيئات الحضرية و الريفية، ويسهم في نزع فتيل الطابع الصراعي للعلاقات المجتمعية والاقتصادية، ويعيد ضبط و توجيه "عنفها" نحو مجال التنافس السلمي و المدني الايجابي.

فهل ستستطيع تلك الأطراف السياسية أن تحول "فوز" كل منها بجزء من أصوات الموريتانيين والموريتانيات إلى شيء أكبر من مجرد نصر انتخابي..  أي إلى نجاح سياسي استراتيجي برسم البلد وشعبه و مصالحه العليا؟

أم هل ستدخل الديمقراطية الموريتانية- في ظل ديناميكية التجاذبات الجارية وتداعياتها المحتملة- مرحلة من الارتداد والنكوص ربما تؤدي إلى تراجع وتقهقر التجربة نفسها في مناخ الصحراء المعروف بتقلباته المفاجئة؟
وهل يتوقع نجاح تجربة ديمقراطية بدون ديمقراطيين؟

نواكشوط، 20 سبتمبر 2018
محمد السالك ولد إبراهيم
باحث/ مدير المركز الموريتاني لأبحاث التنمية والمستقبل


لماذا تعطل قطار الإعلام في التواجيل؟


"لحظة من فضلكم جميعا.. هل تعرفون أين تقع قرية التواجيل؟ ربما على المريخ بالنسبة لمن لا يعرف الجغرافيا.. ما أغرب هذه البلاد التي تتعرض أجزاء واسعة منها لكوارث طبيعية قاتلة بسبب الأمطار والسيول الجارفة، ويموت فيها عدد من المواطنين منذ أكثر من 12 ساعة ولا يتحرك فيها ساكن؟
حتى خبر الكارثة في القرية المنكوبة لم ينشر رسميا حتى الآن.. ولم نرصد أي تصريحات رسمية لحد الساعة..
أين الحكومة؟ أين السلطات الإدارية؟ أين الإعلام الرسمي؟
استمعت قبل قليل لموجز 12 زوالا على إذاعة موريتانيا.. ولا ذكر للخبر؟ طالعت موقع الوكالة الموريتانية للأنباء.. لا حس ولا خبر؟"
أثارت اهتمامي كثيرا التعليقات المختلفة التي وردت إلى صفحتي على الفيسبوك بعد نشر التدوينة أعلاه ظهر اليوم. وقد استوقفني تعليق طريف يحاول تفسير ظاهرة العجز التواصلي والتعتيم الإعلامي الذي تعاني منه أجهزة الإعلام الرسمي التي أصبحت منذ فترة، تحبذ أن تلقب بـ "إعلام الخدمة العمومية" دون أدنى وعي للمتطلبات الحقيقية لمثل هذه التسمية الواعدة..

أوضح المعلق السيد الشيخ التراد، بأنه في دولة ممركزة لا تجرؤ وسائل الإعلام الرسمية على وضع أي خبر حتى تجد التعليمات لذلك، معتبرا بأن المعضلة تتمثل في  أن الحكومة لا ترغب في ذكر أخبار الكوارث الطبيعية في بلادنا حتى يكون مصحوبا بذكر ما قامت به الحكومة كردة فعل.  وبما أن تحرك الحكومة يطبعه عادة البطء إذا ما تحركت فعلا، فعلينا أن لا ننتظر منها أي ذكر لخبر الكارثة مهما كانت جسامتها.. إلا بعد أن تكون الحكومة جاهزة للتدخل ولو بعد أسبوع.. عند ذلك لن يكون الخبر عن الكارثة ولا عن تأثيرها المأساوي على حياة المواطنين، بل سيكون خبرا عن الزيارة الرسمية للمسؤول الفلاني.. وبالتالي، فالمواطن ليس أهلا لأن يكون مادة إخبارية إلا إذا كان ذلك ضمن مهمة رسمية يتقاضى أصحابها بدل أتعاب وتعويضات وترصد لها ميزانية، إلخ..

إذن، من هنا نفهم جيدا لماذا كتب على هذه البلاد أن تبقى عاجزة من الناحية التواصلية حتى بعد سنوات من تحرير الإعلام السمعي البصري ومن إعادة هيكلة القطاع الإعلامي الرسمي أو "المينستريم "..

إن ما تحتاجه البلاد ليس إعادة هيكلة بل إعادة تأسيس لملف الإعلام والاتصال بما يتماشى مع وضع دولة ديمقراطية تعددية، ترجع السيادة فيها للشعب وللمواطنين، والولاء لمؤسسات الجمهورية، ويطبق فيها القانون والنظام على الجميع بمساواة وعدالة. وهو ما يقتضي إعادة توجيه الإعلام في خدمة ثقافة التواصل و البحث عن الحقيقة و رصد اهتمامات المواطن المشروعة و مناقشة قضايا التنمية المستدامة.

وتبعا لهذا المنطق، يتوجب على المؤسسات الإعلامية العمومية أن تحدث قطيعة نهائية مع تلك الخلفية الديماغوجية المبطنة للخطاب الإعلامي الرسمي الذي تعود - طيلة عشرات السنين وتحت كل الأنظمة السياسية المتعاقبة- على احتقار المتلقي والاستخفاف بعقله و وجدانه. بل و النظر إليه كمجرد "مجال" محتكر تمارس عليه دوما عملية اتصال تسلطي، أحادي الاتجاه من أعلى إلى أسفل.

لكن، هل بالإمكان تحقيق نقلة نوعية في مجال تحرير و تطوير الإعلام السمعي البصري قبل البدء في إصلاح حقيقي يستهدف القطاع العمومي بشكل جاد؟
 كيف تستنبت "خدمة إعلام عمومي" موضوعي وسط بركة راكدة تتناثر حولها قواقع إعلام رسمي متحجر؟
كيف يمكن أن تنتعش ثقافة الرأي و الرأي الآخر في ظل إعلام شمولي، أحادي الاتجاه، دوغمائي النزعة و ضحل المحتوى؟
 لماذا لم تبادر السلطات في موريتانيا حتى الآن إلى إعادة رسم الإستراتيجية الإعلامية للدولة بشكل يعيد تحديد الوظيفة التواصلية الجديدة لوسائل الإعلام العمومي في ظل سيادة الديمقراطية و الاحتكام إلى القانون؟
و لماذا لا تسن قوانين ملائمة تشرع إستراتيجية تواصلية وطنية حقيقية بدلا من التغاضي عن الفوضى الإعلامية أو الركون إلى تسويق التوظيف السياسي للإعلام؟

أعتقد بأن من المهم بالنسبة لموريتانيا في الوقت الراهن أن تعيد الاعتبار - بدون مزايدات ولا مناورات- لقيم التواصل والإعلام الحر كفضائل أخلاقية و إنسانية و كضرورات حياتية لا غنى عنها من أجل نجاح التحول الديمقراطي ومواكبة التنمية المستدامة في البلاد.

خلال أكثر من خمسين سنة كرس الإعلام الرسمي عشرات الصور النمطية السلبية التي تظهر الحكومة كنصف آلهة أسطورية تخاطب قطيعا بشريا من القاصرين و العجزة.. تتصدق وتتكرم عليهم في كل ما تقوم به.. و تتطاول على كرامتهم ازدراء و استخفافا بدون حساب.. فالحكومة هي دائما صاحبة اليد العليا ، تعطي و تمن، تزجر و توبخ.. تحتفل و تنتشي.. تعرض نفسها و تستعرض أنشطتها و قدراتها بشكل مبالغ فيه أمام جمهور من المستمعين و المشاهدين غالبا ما يصورهم الإعلام الرسمي كأناس معتوهين.. مثيرين للشفقة..

لقد أظهرت دراسة حديثة قام بها باحثون موريتانيون حول الإعلام و التحولات الكبرى للمجتمع بأن خمسين سنة من هيمنة الـ "مينستريم mainstream" قد كرست ظهور المواطن الموريتاني دوما في صور نمطية ذات إيحاءات بالغة السلبية أنتجها إعلام رسمي متغول.

فالمواطن الموريتاني في وسائل الإعلام العمومي إما شاهد زور يلقن ما سيقوله، أو مهرج يطبل بكل غباء، أو "شحات" يستدر العطف و المساعدة، أو خصم مخالف في الرأي يستحق التوبيخ و السب و الشتم، أو هو ضال تلتمس له الهداية، أو أعرابي لا يفقه شيئا عن المدنية، أو كسول لا يريد العمل و الإنتاج، أو خارج على القانون تنبغي معاقبته، أو مخبر فاشل لا يحسن الإبلاغ، أو إرهابي يتوجب التنكيل به.

هذه باختصار بعض من تلك الصور النمطية السلبية التي يتوجب على الإعلام العمومي - من الآن فصاعدا- الإقلاع عنها و استبدالها بصور إيجابية تكرس المواطنة و تحترم الرأي و الرأي الآخر، و تخدم التنمية المستدامة.. بعيدا عن لعبة الاستخدام "السياسوي" المزدوج في التطبيل و التزمير و السب و القدح .. و تغليب التمصلح..و التزلف و النفاق و إتباع الأهواء و الأمزجة.

أما السلطة العليا للصحافة و السمعيات البصرية فلا بد من إرادة جمهورية حقيقة و جادة لتفعيلها و إعادة تأهيلها لتشب عن الطوق ..و تتجاوز مرحلة الديكور و المحاكاة و تصبح مستقلة تماما و قادرة على ممارسة كامل صلاحياتها التحكيمية في مجال تنظيم السمعيات البصرية كمؤسسة جمهورية سيادية كاملة السلطة. القوانين مهمة.. و السياسات مهمة.. لكن يبقى الأهم هو التطبيق السليم.. و الصبر على النقد الذاتي و التقييم الموضوعي والتطوير.

لا بد للثلاثي المتحكم (الحكومة والسوق والنخبة) من تسهيل عملية تحرير العقول أولا.. قبل تحرير الإعلام من أجل إعطاء مضمون حقيقي لشعار "خدمة الإعلام العمومي"، لكي يتسنى للقائمين على المؤسسات الإعلامية انتهاج أسلوب مهني في الطرح الموضوعي و المعالجة الجريئة و المتوازنة.. بعيدا عن كل الإغراءات و الضغوط و الممارسات الزبونية المخلة بشرف تعاطي مهنة الإعلام و التواصل المفيد في هذا البلد الذي لا شك بأن الجميع يكنون له الحب والوفاء.. لكن كثيرين منهم- للأسف- يسيئون إليه بقصد أو بغير قصد.

نواكشوط، 19 سبتمبر 2018
محمد السالك ولد إبراهيم
باحث/ مدير المركز الموريتاني لأبحاث التنمية والمستقبل


سيدي محمد ولد بوبكر: قراءة في طموح سياسي مثير؟

حتى وإن بَدَا متأخرًا ذلك الطموح السياسي الذي أبانَ عنه الوزير الأول الأسبق السيد سيدي محمد ولد بوبكر، من خلال الإعلان عن ترشحه للمنصب...