Messages les plus consultés

lundi 4 juin 2012

موسم الهجرة إلى "أف.أم"

بعد طول احتكار الفضاء السمعي البصري في موريتانيا من طرف الإعلام العمومي أو ما يمكن أن يسمى الـ "مينستريم mainstream" المهيمن، فتحت الدولة أخيرا موجات الأثير أمام بعض الإذاعات المحلية الخصوصية. و كان التحضير لتلك الخطوة قد بدأ بالفعل منذ عدة سنوات بالسماح لبعض المحطات الإذاعية الأجنبية بالبث على الموجة الترددية "أف. أم" في نواكشوط، حيث حجز مؤخرا القسم العربي لإذاعة الصين مكانا له على الموجة الترددية بعد كل من قناة الجزيرة أف. أم، و القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية و إذاعة مونت كارلو العالمية، و إذاعة فرنسا الدولية.

و بما أن رحلة الألف ميل لا بد أن تبدأ بخطوة، فقد ظهر مؤخرا أول مولود إذاعي من خارج دائرة الإعلام الرسمي هو إذاعة "موريتانيد أف.أم" التي - رغم تميز أدائها المهني- إلا أنها تبقى مثيرة للجدل. و في ما يشبه موسما لهجرة مواقع الانترنت و الصحف الموريتانية إلى موجة أف. أم، يتوقع أن يتوالى ظهور بقية الإذاعات الأخرى المرخصة من طرف سلطة التنظيم و هي "صحراء أف أم" و"كوبني" و"التنوير" و"إذاعة نواكشوط".

لكن، هل نعيش حقا في موريتانيا لحظة تشكل إعلام مختلف؟ أم هل سيعيد  الـ "مينستريم mainstream" إنتاج نفسه من جديد من خلال إعادة انتشار تكتيكي عبر البث الترددي ليس إلا؟ هل بالإمكان تحقيق نقلة نوعية في مجال تحرير  و تطوير الإعلام السمعي البصري قبل البدء في إصلاح جدي يستهدف القطاع العمومي بشكل جاد ؟  كيف يستنبت إعلام مستقل و موضوعي وسط بركة راكدة  تتناثر حولها قواقع إعلام رسمي متحجر؟ كيف ستنتعش ثقافة الرأي و الرأي الآخر في ظل إعلام شمولي، أحادي الاتجاه، دوغمائي النزعة و ضحل المحتوى؟ لماذا لم تبادر السلطات في موريتانيا أولا إلى إعادة رسم الإستراتيجية الإعلامية للدولة بشكل يعيد تحديد الوظيفة التواصلية الجديدة لوسائل الإعلام العمومي في ظل سيادة الديمقراطية و الاحتكام  إلى القانون؟ بدلا من ترك الحابل على الغارب لكل مسؤول إعلامي عمومي يمارس أسلوبه الشخصي و يخدم أهدافه الضيقة على حساب المصلحة العامة للبلاد؟ و لماذا لا تسن قوانين مناسبة تشرع استراتيجية تواصلية وطنية حقيقية بدلا من التغاضي عن الفوضى الإعلامية أو تسويق التوظيف السياسي للإعلام؟


أعتقد بأن من المهم  بالنسبة لموريتانيا في الوقت الراهن أن تعيد الاعتبار - بدون مزايدات و لا مناورات- لقيم التواصل والإعلام الحر كفضائل أخلاقية و إنسانية و كضرورات حياتية لا غنى عنها من أجل نجاح التحول الديمقراطي و تحقيق التنمية المستدامة في البلاد.

من الناحية الموضوعية، لا يتوقع نجاح يذكر على الصعيد الإعلامي بمجرد هجرة الصحف المستقلة و المواقع الإلكترونية تقنيا إلى موجة أف. أم مع الإبقاء على نفس العقليات في التفكير و في التعامل.. و تكريس نفس الأيديولوجيا السائدة.. و استخدام نفس الطواقم البشرية.. و اتخاذ نفس التموقعات  السياسية و التخندقات المجتمعية .. و التعاطي مع نفس مراكز تداول و تدافع النفوذ من خلال نفس الشبكات الزبونية التي كانت موجودة قبل تحرير الفضاء السمعي البصري

لن تنفع الهجرة إلى أف. أم  بدون إعادة تأسيس و تنظيم القطاع الإعلامي الرسمي  أو الـ"مينستريم " بما يتماشى مع وضع دولة ديمقراطية تعددية، ترجع السيادة فيها للشعب والولاء لمؤسسات الجمهورية ويطبق فيها القانون والنظام على الجميع بمساواة وعدالة. و هو ما يقتضي إعادة توجيه الإعلام في خدمة ثقافة التواصل و البحث عن الحقيقة و  رصد اهتمامات المواطن و مناقشة قضايا التنمية المستدامة.  و يقتضي هذا الإصلاح حتما إعادة  هيكلة وزارة الإعلام  أو "الإتصال" و كذا إصلاح و تفعيل السلطة العليا للصحافة و السمعيات البصرية كسلطة تنظيم حقيقة للإعلام لا مجرد فندق من فئة الخمسة نجوم لتعاطي البيروقراطية.
  
و تبعا لهذا المنطق، يتوجب على المؤسسات الإعلامية العمومية أن تحدث قطيعة نهائية مع تلك الخلفية الديماغوجية المبطنة للخطاب الإعلامي الرسمي الذي تعود - طيلة عشرات السنين و تحت كل الأنظمة السياسية المتعاقبة- على احتقار المتلقي والاستخفاف بعقله و وجدانه. بل و النظر إليه كمجرد "مجال" محتكر تمارس عليه دوما عملية اتصال تسلطي، أحادي الاتجاه من أعلى إلى أسفل.

خلال أكثر من خمسين سنة  كرس الإعلام الرسمي عشرات الصور النمطية التي تظهر الحكومة كنصف آلهة أسطورية تخاطب قطيعا بشريا من القاصرين و العجزة.. تتكرم عليهم بكل ما تقوم به.. و تتطاول على كرامتهم ازدراء و استخفافا بدون حساب.. فالحكومة هي دائما صاحبة اليد العليا ، تعطي و تمن، تزجر و توبخ.. تحتفل و تنتشي.. تعرض نفسها و تستعرض أنشطتها و قدراتها بشكل مبالغ فيه أمام جمهور من المستمعين و المشاهدين غالبا ما يصورهم الإعلام الرسمي كأناس معتوهين.. مثيرين للشفقة..

لقد أظهرت دراسة حديثة قام بها باحثون موريتانيون حول الإعلام و التحولات الكبرى للمجتمع بأن خمسين سنة من هيمنة الـ "مينستريم mainstream" قد كرست ظهور المواطن الموريتاني دوما في صور نمطية ذات إيحاءات بالغة السلبية أنتجها إعلام رسمي متغول. 

فالمواطن الموريتاني في وسائل الإعلام العمومي إما شاهد زور يلقن ما سيقوله، أو مهرج يطبل بكل غباء، أو "شحات" يستدر العطف و المساعدة،  أو خصم مخالف في الرأي يستحق التوبيخ و السب و الشتم، أو هو ضال تلتمس له الهداية، أو أعرابي لا يفقه شيئا عن المدنية، أو كسول لا يريد العمل و الإنتاج، أو خارج على القانون تنبغي معاقبته، أو مخبر فاشل لا يحسن الإبلاغ، أو إرهابي يتوجب التنكيل به.

هذه باختصار بعض من تلك الصور النمطية السلبية التي يتوجب على الإعلام العمومي - من الآن فصاعدا- الإقلاع عنها و استبدالها بصور إيجابية تكرس المواطنة و تحترم الرأي و الرأي الآخر، و تخدم التنمية المستدامة.. بعيدا عن لعبة الاستخدام "السياسوي" المزدوج في التطبيل و التزمير و السب و القدح .. و تغليب التمصلح..و التزلف و النفاق و إتباع الأهواء و الأمزجة.

أما السلطة العليا للصحافة و السمعيات البصرية فلا بد من إرادة جمهورية حقيقة و جادة لتفعيلها و إعادة تأهيلها لتشب عن الطوق ..و تتجاوز مرحلة الديكور و المحاكاة و تصبح مستقلة تماما  و قادرة على ممارسة  كامل صلاحياتها التحكيمية في مجال تنظيم السمعيات البصرية كمؤسسة جمهورية سيادية كاملة السلطة. القوانين مهمة.. و السياسات مهمة.. لكن يبقى الأهم هو التطبيق السليم.. و الصبر على النقد الذاتي و التقييم الموضوعي والتطوير.

في الأخير، أتمنى لكل المبادرات الإعلامية السمعية البصرية الخصوصية -التي بدأت ترى النور- النجاح والتوفيق.. لكنني أذكر أصحابها بأن "كل مولود يولد على الفطرة ..." كما أنني أحث صانعي القرار ضمن الثلاثي المتحكم (الدولة والسوق النخبة) على تسهيل عملية تحرير العقول أولا.. قبل تحرير الإعلام، لكي يتسنى للقائمين على المؤسسات الإعلامية الوليدة انتهاج أسلوب مهني في الطرح الموضوعي و المعالجة الجريئة و المتوازنة.. بعيدا عن كل الإغراءات و الضغوط و الممارسات الزبونية المخلة بشرف تعاطي مهنة الإعلام و التواصل المفيد.. و لكي لا يكون الأمر مجرد موسم للهجرة إلى أف. أم، على الجميع السهر على ضمان احترام اختيارات ومواقف واستقلالية كل المحطات الإذاعية والقنوات التلفزيونية الجديدة عندما يكتمل قوس قزح الإعلامي الجديد في سماء موريتانيا الممكنة.


محمد السالك ولد ابراهيم
medsaleck@gmail.com
انواكشوط -  3 يونيو 2012