Messages les plus consultés

lundi 28 février 2011

الثورة الموريتانية: حلم أم كابوس؟

 لعل أهم ما يميز عصر الجماهير الرقمية هو "الواقعية الافتراضية" للثورات الجديدة، التي لا يقودها تنظيم سري و لا معارضة سياسية لا داخلية ولا خارجية، ولا تعبئ لها دعاية صحافة كلاسيكية وطنية أو دولية. هذه ثورات  من صنع آليات أخرى جديدة كليا تتمثل في تكنولوجيات الاتصال الحديثة و تطبيقاتها التواصلية المختلفة مثل اليوتوب و الفيسبوك و تويتر و الديليموشن، و غيرها! و ما كان لهذه الثورات أن تنتصر، و ما كان للعالم أن يعرف عنها شيئا أو يتابع أخبارها على مدار الساعة لولا وجود شبكة الإنترنت والهواتف الجوالة المزودة بالكاميرات وآلات التصوير الرقمية و الويب كام، و غيرها من تلك الأدوات الإلكترونية الصغيرة و العجيبة. بل إن الثورات الجديدة تتم على طريقة البرمجيات المفتوحة المصدر(OPEN SOURCE)  في مجال علوم الكومبيوتر. وهي تقنية جديدة توفر النص المصدري للبرنامج بكوداته و أيقوناته المختلفة، و تمنح حرية توزيعه  و تطويره من خلال إنتاج برمجيات أخرى مشتقة أو معدلة من البرنامج الأصلي مع حرية توزيعها أيضا. إنه جيل جديد من الثورات الاجتماعية تختلف جيناته الوراثية و خارطة حمضه النوويDNA  عن كل ما سبق.

و إذا كانت الثورات - كظاهرة ثقافية وكشكل من أشكال التعبير الإنساني- قد ظلت على مر العصور تتشابه لكن دون أن تتماهى، و تتناسل دون أن تستنسخ صناعيا على طريقة النعجة "دولي"، فماذا سيكون مصير إرهاصات الثورة الموريتانية التي تبشر بها الآن الحركات الشبابية على الفيسبوك، خاصة بعد إطلاق أولى شرارات الاحتجاج هذا الأسبوع من خلال المظاهرة التي نظمها شباب 25 فبراير في ساحة "ابلوكات" وسط  العاصمة انواكشوط.  طبعا، لا أحد يستطيع قراءة الغيب و لا التنبؤ بمستقبل هذه الاحتجاجات لأن الوقت ما يزال مبكرا! و لأن هذه المحاولات التي و إن اتسمت بالجرأة، فهي لا تزال في المهد تبحث عن ذاتها و تتلمس طريقها بين الركام وسط العواصف الرملية لصيف حارق بدأ قبل أوانه.

 و رغم أن مصير مشروع الثورة الموريتانية تحكمه نفس المعطيات محليا و إقليميا و دوليا، التي ظلت تحكم مختلف مناحي الحياة و الصيرورة السياسية و المجتمعية في هذا القطر الهامشي من الوطن العربي عموما و المغرب العربي (المركز و المحيط) و دول إفريقيا الغربية الفرنسية سابقا و لاحقا، منذ عهد الاستقلال و حتى الآن،  فيمكنا، دون مجازفة، أن نتصور مسارين مختلفين لخط تطور الحركة الاحتجاجية الحالية على نحو ما. و مع فرضية استبعاد قمع الحركة الاحتجاجية في حالة تعاظمها، هناك احتمالان لتطورها في ما يمكن استقراؤه موضوعيا حسب المعطيات المتوفرة حتى الآن.

فإما أن تنطفئ جذوة الحماس بعد أيام قليلة دون بلوغ الزخم المنشود للحركة الاحتجاجية وسط تجاهل غالبية الموريتانيين المنشغلين بأمور حياتهم اليومية، و في ظل قسوة الظروف المناخية السائدة حاليا في العاصمة.. و إما أن الظروف النفسية و المجتمعية للتغيير السياسي المدني قد نضجت في موريتانيا.. و عندها، ستنجح ثورة 25 فبراير في النهاية كطبعة محلية لمسلسل الثورات العربية الجارية حاليا.. و بالتالي، لن تستطيع أي قوة في الوجود أن توقف مسار التاريخ و المجتمعات... إذا نضجت ظروف التغيير.

هناك عدة مؤشرات لا بد من أخذها بعين الاعتبار عند تحليل الحالة الموريتانية مثل وجود جو عام من "المد ثوري" يسود المنطقة، بالإضافة إلى الشرعية التي يولدها و التأثير السيكولوجي الذي يخلقه خاصة في الأوساط الشبابية المندمجة كليا في التعاطي مع الثورات التي تحققت حتى الآن في بعض الأقطار العربية، و هي أمور تستفيد منها بلا شك الحالة الموريتانية.  لكن، في الحقيقة ما يزال هذا المناخ متغيرا و معقدا كما نرى في مصر، أو مضطربا و مشوشا كما في تونس، أو هو في وضعية تراجيديا كارثية غير محسومة كما في ليبيا.   و بشكل عام، هناك ما يسمى بمفعول"الدومينو" الذي بدأ يسري في المنطقة العربية منذ نجاح الثورة التونسية عندما أسقط الشارع أول رئيس في العالم العربي قبل حوالي شهر ونصف.


لكن حالة موريتانيا، التي التحقت متأخرة بالركب، بعد كل من اليمن و البحرين والأردن و الجزائر و المغرب، التي قطعت فيها الاحتجاجات أشواطا معتبرة، تفتقد إلى العديد من "المزايا التنافسية" التي قد تسهم في بقائها على هامش "الثورات العربية" الجارية حاليا، أو لنقل، ستبقى موريتانيا مستوردا أو مستهلكا للثورة أكثر من كونها "ثائرة" . و رغم أن موريتانيا هي أحوج ما تكون الآن إلى وقفة تأملية صادقة من  أجل تفعيل إصلاح حقيقي للمسار الديمقراطي بين ومع مختلف الفاعلين السياسيين في الساحة وخارجها وتبني مبادرة إعادة بناء أيديولوجيا وطنية عصرية تتعالى على الثنائية الكلاسيكية لـ "السلطة والمعارضة" و تقوم على أسس جديدة وجدية تتركز حول قضايا: (أ) مصلحة و(ب) أمن و(ج) استقرار و(د) تنمية الجمهورية الإسلامية الموريتانية، فمن المتوقع أن تظل منفعلة بالثورة العربية أكثر من كونها فاعلا محوريا في تجسيدها على أرض الواقع.

 أما المزايا النسبية التي قد تجعل موريتانيا في الوقت الراهن أقل "استعدادا" من غيرها للثورة، فهي عديدة نذكر منها: كونها البلد العربي الأكثر تقدما في مجال التنظيم الدستوري و الديمقراطية التعددية ومستوى المشاركة السياسية لقوى المعارضة التقليدية و كذا مستوى شفافية الانتخابات و حرية التنظيم و التعبير بالمقارنة مع بقية البلدان العربية. فموريتانيا رغم "هامشيتها"  المحرجة تبقى حالة عربية متقدمة من حيث ممارسة الديمقراطية التعددية، رغم جميع المساوئ و التعثرات. لكن، لا بد أن نذكر بالمقابل بأن الحالة الموريتانية تتميز كذلك بخصائص مناخ الصحراء وتقلباته المفاجئة و ما ينتج عن ذلك من انعدام للاستقرار السياسي و كثرة الانقلابات العسكرية، واستشراء الديمقراطيات الانتقالية. كما تصطدم قابلية الحالة الموريتانية للثورة بالكثير من المعوقات البنيوية "غير المفكر" في مخاطرها مثل احتمالات مواجهة المشاكل الأمنية كانفلات الأمني الداخلي، و انتشار العنف المسلح و الإرهاب أو مثل انفراط عقد الوحدة الوطنية، و نشوب الفوضى و الحروب الأهلية، و هي اعتبارات كلها واردة موضوعيا، و لا شك أنها قد ترفع التكلفة المجتمعية و الإستراتيجية للتغيير المدني إلى حدود قياسية، و تلقي بظلال من الشك على عقلانية و جدوائية مشروع الثورة في موريتانيا، و هو لا يزال في المهد يبحث عن ذاته و يتلمس طريقه وسط ركام "ابلوكات".

و إذا كانت العوامل السياسية مثل أزمات الثقة داخل آليات مؤسسات السلطة و المعارضة في موريتانيا و كذا تعرقل المسار الديمقراطي و انحسار المشاركة و تنامي الصراع على الحكم، بالإضافة إلى العوامل  المجتمعية والاقتصادية التي تغذي أكثر نوازع الثورة، مثل تعثر خطط الإصلاحات الاقتصادية و فشل برامج مكافحة الفقر وتخلف الغطاء الصحي والضمان الاجتماعي واتساع دائرة التهميش و استفحال البطالة، و  تراكم الإحباط والتوتر، و الغلاء المعيشي، إلا أننا نجد إلى جانبها عوامل أخرى لا تساعد على الثورة و لا تخدم آفاقها في الوقت الراهن على الأقل كما ذكرنا.

 و عموما، لا يمكن لأحد أن يتوقع موضوعيا أن تبقى موريتانيا لفترة طويلة بعيدا عما يجري في بقية بلدان المنطقة العربية، فالتغيير قادم لا محالة، و لو من باب المحاكاة و التأثر و التأثير المتبادل بين المركز و المحيط.   كما لا يمكن لأحد في الوقت الراهن التكهن بمستوى أو درجة أو طبيعته أو محتوى التغيير الذي قد تأتي به ثورة الشباب إذا نجحت يوما ما في موريتانيا. و ليس من باب تثبيط الهمم و لا ذر الرماد في العيون أن نقول بأن الثورة القادمة في موريتانيا بقدر ما هي تمثل حلما جميلا يصلح أن تتغنى به الجماهير و تعلق عليه الكثير من آمالها، فإنها كذلك  قد تكون كابوسا مرعبا، يجدر بالموريتانيين أن يفكروا جديا في آثاره و تداعياته المختلفة قبل الإقدام عليه، كما يتوجب عليهم كذلك تدقيق حسابات الربح و الخسارة، فالقيام بثورة هو دائما عمل بطولي، لكنه يبقى مسؤولية كبيرة يعتد فيها بالنتائج على الأرض و ليس بحسن النية فقط.
 و لعل الكثيرين يدركون الآن، أنه من بين  نماذج أو"كاتالوجات" الثورات العربية الجارية حاليا، تبقى الحالية الموريتانية  أقرب من الناحية السوسيولوجية و التاريخية إلى السيناريو الليبي منها إلى الحالتين التونسية و المصرية. فالتركيبة المجتمعية القبلية و الإثنية للمجتمع في بلادنا ما تزال قوية، و مستوى الاندماج الطبقي للفئات المسحوقة و المهشمة و معالجة قضايا الفقر و الرق ما تزال ضعيفة، هذا بالإضافة إلى هشاشة مرتكزات و هياكل الدولة الوطنية التي  تعجز حتى الآن عن منافسة الأطر المجتمعية التقليدية، و كذا انتشار الفساد و الزبونية والمحسوبية. و كلها معطيات تجعل موريتانيا أقرب في هذه الناحية  من حالات ليبيا و اليمن، ولو أنها من حيث مستوى التحديث المؤسساتي و التنظيم الإداري للدولة تبقى أقرب إلى حالات تونس و مصر.

و على كل حال، لا شك أن الأنظار التي تتجه الآن إلى مصير الثورة الليبية، فهو الذي سيضع مستقبل الثورات العربية كلها سواء في موريتانيا أو في غيرها من البلدان على المحك. فكل ثورة ناجحة  في البلاد العربية ستغري الشباب بالمزيد من الثورات، لكن ثورة واحدة بالتكلفة الإنسانية الرهيبة و بحجم المخاطر الإجتماعية و الإقتصادية و الإستراتيجية  الهائلة، كما هو حاصل الآن في ليبيا و عمق الهزات التي تهدد كيان هذا البلد، لن تكون - بكل تأكيد - عاملا  محفزا على الاستمرار في هذا النهج و لو في الوقت الراهن على الأقل. فهل سيتضح قريبا الخيط الأبيض من الخيط الأسود من فجر الثورة الموريتانية؟ و هل سيرتفع برجها في سماء ساحة "ابلوكات" قبل بقية الأبراج الموعودة؟

28 فبراير 2011
محمد السالك ولد إبراهيم
medsaleck@gmail.com

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire