vendredi 3 janvier 2014

المجتمع المدني و الديمقراطية في العالم العربي

توطئة:
انعقدت في انواكشوط في شهر ابريل 2013، ورشة تفكيرية حول " تبادل خبرات منظمات المجتمع المدني في العالم العربي"، بالتعاون بين المركز المغاربي للدراسات الإستراتيجية و شبكة الديمقراطيين في العالم العربي NDAW. و قد شارك في أعمال تلك الورشة أكثر من 50 منظمة و هيأة و شبكة من المجتمع المدني في موريتانيا، بينما تولى الإنعاش و تقديم العروض خبراء من شبكة الديمقراطيين في العالم العربي هم: فادية قاسمي من تونس، و  فوزي جوليد من أمريكا، والمختار بن عبد اللاوي من المغرب. أما مهمة تسيير الجلسات فقد أسندت لشخصيات أكاديمية و باحثين و خبراء استشاريين في مجالات المجتمع المدني و الانتقال الديمقراطي، من موريتانيا هم: ديدي ولد السالك، و أم كلثوم بنت حامدينو/ المركز المغاربي للدراسات الإستراتيجية،  محمد ولد سيد احمد فال الوداني/المركز الموريتاني للدراسات و البحوث الإنسانية، محمد الأمين ولد الكتاب/ نادي المثقفين الموريتانيين، محمدو لد محمد المختار/أكاديمي، و محمد السالك ولد ابراهيم/ المركز الموريتاني لأبحاث التنمية و المستقبل. 

حررت الورقة التفكيرية التي بين أيدينا تعقيبا و تعميقا لأعمال تلك الورشة  المذكورة، و محاولة لاستثمار المناخ الفكري و المعرفي و التطبيقي الإيجابي الذي رسخته أعمالها. و تبقى الوثيقة في النهاية مجرد رأي كاتبها و لا تلزم غيره. و هو سيكون ممتنا لكل الزملاء الذين سيسمح وقتهم بموافاته بأية ملاحظات، أو نقد أو إثراء للأفكار التي تناولتها الوثيقة.

المجتمع المدني: إشكالية المفهوم و السياق
يشير مفهوم المجتمع المدني في الأدبيات العامة إلى كيان مستقل عن الدولة (منظمات غير حكومية) من جهة، و عن السوق (منظمات لا تهدف للربح) من جهة أخرى. لكن الحقيقةً هي أنّ العلاقات بين هذه الأطراف جد متداخلة و مشوشة في العالم العربي. و بينما يشكل المجتمع المدني اليوم منبرا فعالا لمجابهة و تحدي رؤى مختلفة و مشاريع كونية متصارعة، إلا أنه يظل في الوقت ذاته موضوعا للتحدي و ساحة للصراع و المجابهة بين أطراف عديدة. 

من الناحية النظرية، شكل مفهوم مدرسة الممولين حول المجتمع المدني، الذي يستند أساسا على البعد السوسيولوجي،  مرجعية طالما سيطرت على أذهان كثيرين، تعتبر المجتمع المدني شكلا مجتمعيا منظما لفضاءٍ بيني وسيط، لا هو كالسوق فهو غير ربحي، و لا هو كالدولة فهو غير تسلطي. و هنا يتخذ الفصل المفاهيمي للمجتمع المدني عن الدولة أهمية بالغة ليس لأنه يعبر بدقة، و لو نظريا، عن واقعٍ قانوني و مؤسسي، بل لأنه يجعل من الممكن حماية هذا الفضاء في وجه قمع الدولة.  بينما طمس الجانب الأخر للمفهوم الذي يتعلق بالتناقض بين المجتمع المدني و السوق، رغم أن دور المجتمع المدني يستند إلى فرضية أن مهمته هي قبل شيء أن يكون صمام أمان لكبح جماح و جموح الدولة و السوق كليهما تجاه الهيمنة على المصالح الحيوية للمجتمع.

استحوذت الإمكانية الديمقراطية للمجتمع المدني على تصورات الممولين في ظل وضع دولي بدأ يتجه نحو أحادية قطبية طاغية، منتشية بإرهاصات انحسار المد الاشتراكي عبر العالم. فتم افتراض صحة علاقة غير مبرهن عليها بين الديمقراطية و المجتمع المدني. و في المقابل، أُعير اهتمام أقل لتحليل طبيعة العلاقة بين المجتمع المدني و السوق.

و مع صعود نجم الليبرالية المتوحشة من خلال نموذجي "الريغانية" و "التاتشرية" و تقهقر الثنائية القطبية، نجح مناهضو الدولة  الذين هيمنوا على نقاشات المجتمع المدني خلال حقبة الثمانينيات و بداية التسعينيات من القرن الماضي، في تغذية و تلميع صورة أسطورية حول المجتمع المدني رغم هشاشته البنيوية و ضحالته المعرفية و ضعف فاعليته في أغلب بلدان العالم النامي. فصورت "مدرسة الممولين" - التي ينظر لها البنك الدولي و الهيئات الغربية المانحة- المجتمع المدني كجبهة منسجمة لأناس طيبين يناضلون من أجل الحريات و حقوق الإنسان المهدورة ضد استبداد الدولة. و هكذا، أظهر المجتمع المدني على أنه المكان "الجيد" الوحيد في مواجهة الدولة "السيئة" برمتها. و هو ما أدى إلى بروز المجتمع المدني داخل بلدان العالم النامي "كبؤرة" مقلقة، أصبحت توظف بصورة مزدوجة لتشجيع الضغطً الخارجي على الدولة لتمرير أجندات الإصلاح و التغيير، كما أنها تستخدم داخليا لدواع سياسية حزبية أو لأغراض أمنية تقف الدولة وراءها من خلال عمليات الاختراق العديدة لهذا القطاع الذي ظل يشكل الحلقة الأضعف في النموذج الثلاثي للتنمية، الذي تشكل أضلاعه كل من الدولة و السوق و المجتمع المدني.  

لكن المنظمات الأهلية استطاعت إفشال قمة التجارة العالمية في "سياتل" بالولايات المتحدة الأمريكية في ديسمبر سنة 1999. تلك المنظمات الأهلية التي أصبحت الآن تقود المفاوضات حول القضايا الدولية الكبرى (الكفاح من اجل السلام العالمي، مناهضة الحروب، الحفاظ على البيئة و مكافحة التلوث، معارضة الآثار السلبية للعولمة، الخ…) نيابة عن الحكومات أو بموازاة معها. و قد كان ذلك المشهد برمته طريقة جديدة في التعبير عن الاستياء العام من عواقب الرأسمالية الجامحة التي يؤيدها الليبراليون الجدد في الغرب وعن خيبة الأمل من قيادة الدولة المستبدة لعمليات التنمية في البلدان النامية. لقد كان ذلك جزء من تحول معياري حيال نموذج الدولة والمجتمع المدني و السوق داخل المجتمع الغربي و نخبه الفكرية التقدمية سواءً بالنسبة للاقتصاديين "الكينزيين" أو لتنويعات الاشتراكيين الآخرين. 

و قد مكن نضج و تطور المجتمع المدني من تكوين قاعدة احتجاج عريضة لمقاومة طغيان رأس المال العالمي و تحميل الشركات المتعددة الجنسيات مسؤولياتها تجاه العواقب البيئية و الاجتماعية والاقتصادية الوخيمة لأنشطتها التجارية، كجزء من عملية الضغط المتنامي من أجل تحسين نظام الحكم الديمقراطي و تأكيد احترام كرامة الإنسان وحقوقه و الحرص على سلامة بيئته عبر العالم. 

و بنما اجتهد منظرو المجتمع المدني من الأمريكيين في حشد الدلائل المختلفة على صحة العلاقة بين المجتمع المدني و الديمقراطية، و ساقوا العديد من الحجج المقنعة على مساهمة المنظمات و الفعاليات المدنية النشطة في سياسة نشر و توطين الديمقراطية في بلدان العالم النامي، و ما سيؤدي إليه ذلك من تقدم و ازدهار لشعوب تلك البلدان، برزت بإلحاح إشكالية "الاستثناء" العربي، فهل حقا يمثل العالم العربي الإسلامي "استثناء" من الديمقراطية؟

المجتمع المدني .. و النموذج الثلاثي للتنمية
تطرح إشكالية المجتمع المدني و الديمقراطية في العالم العربي من الأسئلة أكثر مما تعطي من الأجوبة. فبينما يفترض أن دور المجتمع المدني هو قبل شيء أن يكون صمام أمان لكبح جماح الدولة و جموح السوق كليهما عن الهيمنة على المصالح الحيوية للمجتمع ضمن النموذج الثلاثي للتنمية الذي تشكل أضلاعه الدولة و السوق و المجتمع المدني، نجده ظل يشكل دوما الحلقة الأضعف في ذلك النموذج. و بينما يشير مفهوم المجتمع المدني إلى كيان مستقل عن الدولة و عن السوق، نجد في الحقيقةً أنّ العلاقات بين تلك الأطراف هي جد متداخلة و مشوشة في العالم العربي. و بينما يشكل المجتمع المدني منبرا فعالا لمجابهة و تحدي رؤى مختلفة و مشاريع كونية متصارعة، نجده في الوقت ذاته موضوعا للتحدي و ساحة للصراع و المجابهة بين أطراف عديدة.

قبل سنوات، افترضت مدرسة الممولين صحة علاقة غير مبرهن عليها أصلا بين الديمقراطية و المجتمع المدني، بينما أُعير اهتمام أقل لتحليل طبيعة العلاقة بين المجتمع المدني و السوق. و اتجه الخطاب إلى إضاءة التوترات القائمة بين المجتمع المدني و الدولة من جهة وبين السوق و الدولة من جهةٍ أخرى، بينما فُهِمَت ضمنياً العلاقة بين المجتمع المدني و السوق على أنها منسجمة بل و متكاملة إلى أن استيقظ العالم على وقع حركة "البروليتاريا الجديدة" المضادة للعولمة  (Alter mondialisme) التي استطاعت إفشال قمة التجارة العالمية في "سياتل" بالولايات المتحدة الأمريكية في ديسمبر سنة 1999 ، فقرر الإتحاد الأوروبي - و لأول مرة في تاريخ التعاون الدولي المتعدد الأطراف- أن يفرض الاعتراف بالمجتمع المدني – الذي سماه بالفاعلين غير الحكوميين- كشريك فاعل في التنمية من خلال اتفاق "كوتونو" للشراكة(Cotonou Accord de partenariat de) ، الموقع سنة 2000 بين دول مجموعة الـ 77 (دول إفريقيا والبحر الكاريبي والمحيط الهادئ) والاتحاد الأوروبي.

في العالم العربي، سعى الغرب و هيآته الممولة بشكل خاص إلى دعم إنشاء و تفعيل هيآت المجتمع المدني أساسا في منطقة الشرق الأوسط و دول شمال إفريقيا إلى حد ما، كرافعة لنشر قيم الديمقراطية و حقوق الإنسان، من خلال التركيز على أجندات خاصة غالبا ما كانت مثيرة للجدل. لكن الغرب و هيآته الممولة تحاشت منطقة الخليج العربي – الغنية بموارد الطاقة- من هذا البرنامج لأسباب غير واضحة تماما.

اليوم يعود الحديث عن الديمقراطية و عن دور المجتمع العربي في "الانتقال" أو "التحول" إلى الديمقراطية بعد أن عصف الربيع بالمنطقة من خلال الاحتجاجات و الثورات في بلدان عديدة شملت الشرق الأوسط و شمال إفريقيا و منطقة الخليج العربي لأول مرة.

الديمقراطية: وهم أم خدعة؟
يقول آرسطو في كتابه "في السياسة" "De la politique" بأن من مزايا الديمقراطية أن يكون الفقراء ملوكا في بلدانهم لكونهم الأكثر عددا، حيث أن إرادة العدد الأكبر من الناس لها قوة القانون. لكن فقراء العالم العربي لم يستطيعوا حتى الاستفادة من هذه المزية النظرية المزعومة لتغيير واقع الاستبداد و لتحسين ظروف المشاركة السياسية في ممارسة الحكم و دمقرطة الحياة السياسية في غالبية بلدانهم. 

منذ الانطلاقة الأولى للديمقراطية من مدينة أثينا اليونانية (507 قبل الميلاد) و مرورا بالفاشية و النازية ، ثم صولا إلى سجون جوانتانامو(2001) و أبو غريب (2004) و فضائحهما اللااخلاقية و انتهاء بالرحلات السرية لطائرات وكالة الاستخبارات الأمريكية و اعتقالاتها التعسفية لبعض المواطنين الغربيين من أصول عربية وإسلامية، وحروب التدخل الأمريكي و الطائرات بدون طيار. عبر هذه المسيرة:
-         ما هو الشيء الجوهري في الديمقراطية المشترك بين الشعوب؟
-         هل يمكن اعتبار المسيرة التاريخية الطويلة للديمقراطية الغربية إرثا حضاريا إنسانيا مشتركا بين جميع شعوب العالم؟
-          لماذا يشكل العالم العربي الإسلامي استثناء بقي حتى الآن مستعصيا على التفاعل ايجابيا مع هذا الإرث العام المشترك؟!
ما هي العوامل الداخلية و الخارجية التي ميزت هذه المجتمعات و طبعت تطور ممارسة السلطة فيها على النحو الذي ما فتئ يسمح بإعادة إنتاج و تكريس طبائع الاستبداد في أنظمة الحكم مقابل استعداد الشعوب لتقبل القهر و الابتعاد عن روح التحرر و العصيان و الثورة في سبيل تغيير تلك العلاقات التسلطية؟
 
-         هل يوجد لدى هذه المجتمعات العربية الاسلامية نخب و مثقفون يؤمنون أصلا بالمجتمع المدني و يسعون لنشر القيم المدنية في نفوس المواطنين بكل ما أوتوا من قوة من خلال نشاط ثقافي وعلمي وسياسي و مهني منتظم؟
-         هل توجد نخب و مثقفون كرسوا جهدهم فقط من أجل الوصول إلى السلطة والمناصب العليا خدمة لمصالح فئوية ضيقة؟

في العالم العربي، نرى كل نخبة تصل إلى السلطة في هذه المنطقة من العالم، يكون همها الأول تقوية بنيتها السلطوية الذاتية (حزب، حركة، جماعة، حلف، الخ...) عبر توزيع المهام والسلطات و المنافع على أساس الزبونية و علاقات الولاء الضيقة، عوض الإلتفات إلى عامة الشعب و العمل على تنويره من خلال بناء المجتمع المدني الذي يمثل الدعامة الحقيقية لارتكاز العملية الإصلاحية و نشر و تثبيت ثقافة وقيم الحرية وحقوق الإنسان والعدالة و التضامن و التعاون والشراكة. 

كل ذلك أدى إلى تقويض أسس المجتمع المدني ودوره في تدبير المجال العام. لقد تم التلاعب بمفاهيم محورية مثل المواطنة والمصلحة العامة و التسامح والحرية والتعددية ضمن سياقات تعبوية مؤدلجة من أجل خلق هويات دلالية لمشاريع سياسية تدعي الاصلاح، بينما هي ترمي في أهدافها المبيتة إلى الوصول إلى السلطة ليس إلا.

هذا الانفصام والخلط و الازدواجية التي تعاني منها هذه النخب في تحديد الأهداف و وسائل تحقيقها قد أوصل الوعي المدني الجمعوي في هذه البلدان إلى أزمة ثقة حقيقة في جدية أي مشروع إصلاحي. و بدلا أن يتفاعل الجميع من أجل البناء و التنمية من خلال الاستفادة من التنوعات والاختلافات والتعدد كعوامل غنى من اجل بناء مجتمع مدني يتمتع بالحرية و الحيوية الضرورية لتحقيق التنمية المستدامة و العيش الكريم، تم توظيف التباينات المجتمعية المختلفة لتفكيك لحمة المجتمع و تفتيته طبقيا و أيديولوجيا ليظل مجتمعا فئويا متخلفا و ضعيفا. 

 يبدو أن هذه اللعبة قد أغرت أغلبية النخب الثقافية و الفكرية و السياسية و المهنية في هذه البلدان من مختلف المشارب و الأطياف. ففي الوقت الذي لا يستغل الدين عادة إلا في الظروف الصعبة، حيث يفتي أصحاب العمائم واللحى الحاكم المستبد بما يريد وقت ما يريد، فإن أصحاب الشوارب السوداء و ربطات العنق الملونة، هم كذلك، لا يترددون في تبرير رأي الحاكم المتسلط بالحجج القانونية العلمانية بغية اقصاء منافسين سياسيين آخرين من العلمانيين أو من غيرهم وإبعادهم عن الكعكة المغرية للسلطة. 

و إذا كان استغلال الدين في لعبة الحكم و السلطة قد بات أمرا مألوفا بالنظر إلى التعقيد التاريخي و المنهجي الذي اكتنف الصراع الفكري و السياسي على السلطة في التاريخ العربي الإسلامي على الرغم من المجهود المتميز الذي بذل في فترة العهد الراشدي (632 - 661 م) لتأسيس دولة مجسده للعقيدة والشريعة الإسلامية. إلا أن عدم نشوء أو تكون مؤسسات ثابتة أو إرساء تقاليد و قواعد وإجراءات مقننة و متعارف عليها، تضطلع بتنظيم عملية التداول السلمي للسلطة من منظور إسلامي بحت، قد أسهم في إبقاء الممارسات السياسية في العالم العربي والإسلامي، عبر التاريخ، خاضعة لحسابات واقعية أدت إلى تغلب المصالح الدنيوية المختلفة في عملية صراعية تاريخية جد معقدة و حساسة، دأب فيها الخصوم السياسيون على استغلال الإطار الديني عبر استخدام ممنهج لآليات التأويل و التفسير المؤدلج للنصوص الدينية الرئيسية من القرآن و السنة من أجل التغلب و الانفراد بالسلطة و إقصاء الآخر. و هو ما أتاح نشوء مجموعة نماذج شديدة التباين من الدول الإسلامية منذ ظهور الدولة الأموية (661 م) وصولا إلى دولة الخلافة العثمانية التي انتهت عمليا في عام 1909.

فهل فشل، بذلك، مشروع دولة العقيدة والشريعة و نجحت دولة الواقع؟ لتبقى العقيدة والشريعة شعلة تنير الدروب ويبقى التشبث بتجسيد العقيدة والشريعة ضمن دولة ما، عبارة عن حلم مشروع ما يزال يراود مشاعر غالبية المسلمين إلى حد الآن؟ 

إن ما يثير الاستغراب حقا هو أن لعبة الاستغلال هذه لم تقتصر على توظيف الدين من اجل السياسة، بل كرست استغلال بعض النخب في العالم العربي الإسلامي للعلمانية بغية تحقيق مآرب سياسية و لتبرير رأي الحاكم المستبد بالحجج العقلانية و الأدلة القانونية.



و هو ما جعل أحد المفكرين العرب المعاصرين يتساءل ضمن مقارنة طريفة بين علمانيي الشرق و الغرب: لماذا يعامل العلمانيون في الغرب مؤمني شعوبهم بكل نواقصها كأشياء ثمينة رائعة، بينما يتعامل علمانيو الشرق مع المسلمين الذين يشكلون الغالبية الساحقة لشعوبهم كـ "شيء يمكن التخلص منه"؟ بل لماذا يجد علمانيو العالم العربي الإسلامي في إدارة بوش ممثلاً للعلمانية الغربية، علماً أنها تتكون أساسا من أشد المسيحيين المحافظين الجدد تطرفا.

فضلا عن ذلك، لماذا يترك العلمانيون في العالم العربي مهمتهم التاريخية التي يفترض أنها تقتضى المشاركة الجدية في تأسيس ديمقراطية لصالح شعوبهم احتذاءً بما فعل العلمانيون الآخرون لشعوبهم في الغرب و في الهند و الصين و غيرها؟ ديمقراطية تجد فيها هذه الشعوب مكاناً أيضا لمعتقداتها الدينية الإسلامية. ديمقراطية تكون قابلة للحياة في المجتمع أولا، و من ثم التطور باتجاه ديمقراطية متكاملة بقدر ما يسمح به تطور فكر تلك الشعوب العربية والإسلامية في تفسيرها لنصوص الإسلام وفي اطمئنانها إلى أن الديمقراطية ضمان لحرية الفكر والمعتقد للجميع بلا استثناء، وأن هذه الحرية صديق لها وليست عدوا عليها التصدي له.

إن أكثر الدول عراقة في الديمقراطية لا تخلو من وجود أحزاب مسيحية كبيرة أو صغيرة تشارك في الممارسة السياسية الديمقراطية كما أن عملية استصدار القوانين و التشريعات في أغلبية البلدان الغربية تتعرض لضغوط شديدة بغية إخضاعها لمعايير تقييم مسيحية مثل المواضيع المتعلقة إصلاح التعليم والاستنساخ و مناهضة الإجهاض و الزواج بين المثليين، الخ...

أمريكا و الديمقراطية: اشارات استفهام لا حدود لها
اتذكر دائما كتابا لا يفارقني .. لرجل امريكي، أعتبره أحد أساتذتي الكبار... إنه كتاب "  Deterring Democracy "إعاقة الديموقراطية " .. ذلك هو شيخ الفلاسفة نعوم تشومسكي.. أطال الله بقاءه (عمره الآن 85 سنة).. اعرف جيدا أنهم ينظرون إليه في أمريكا كمنظر لمدرسة الفوضويين الجدد... لكنه.. يمثل بالنسبة لنا هنا.. الوجه الآخر لأمريكا.. الأقرب إلى الحقيقة.. و الصدق..

على طرف نقيض، قرأت كتاب مادلين ألبرايت:  "الجبروت و الجبار - تأملات في أمريكا وفي الله و  الشؤون الدولية"-  The Mighty & The Al-Mighty تقول فيه بالحرف: "عندما غادرت الحكومة في سنة 2001، عدت إلى التدريس الجامعي، عشقي القديم. وفي جامعة جورج تاون، أعلّم مقرراً واحداً في الفصل يتقلّب بين طلبة الدراسات العليا والطلبة غير المتخرجين. وفي بداية كل مقرر، أوضح لطلابي الغاية الرئيسية للسياسة الخارجية هي إقناع البلدان الأخرى بأن تفعل تماما  ما نريده نحن".

عن القضية الفلسطينية، كتبت: " لم نطلب الكثير من العرب، الذين لديهم مدن مقدسة أخرى وكثير من الأرض، بإفساح متّسع لشعب إسرائيل الصغير في المكان الوحيد الذي كان لديهم وطن حقيقي فيه".

أقول دائما لأصدقائي الغربيين: كيف؟ أنتم تُعلمون الناس الديمقراطية، و"حماس" انتخبت بكل ديمقراطية، والآن أصبحت حركة إرهابية! كذلك احمدي نجاد، و من قبله الراحل تشافيز،...كلهم انتخبوا بكل ديمقراطية... و قبل ذلك سكت الغرب على إلغاء نتائج الانتخابات الديمقراطية في الجزائر 1991 .. و حدث ما حدث.. إنها كارثة... هل هو فشل مطلق في حسن تقدير الأمور أم هي تكتيكات "الكلاديو".

نكتة: أقترح أحدهم أن توجد منظمة تسمى NRI، National Respect Institute ، و أن يسعى متطوعون من العالم النامي من خلالها لتعليم الأمريكيين أن يحترموا خيارات الشعوب الأخرى!

تكتيكات تسويق الديمقراطية في العالم العربي:
التفكير الاستراتيجي الغربي- في ما يتعلق بتكتيكات تسويق الديمقراطية في العالم العربي الإسلامي- يتوزع بين ثلاث اتجاهات:

- الاحتواء المزدوج (تعزيز الأنظمة الاستبدادية الصديقة مع ابتزازها بالتقصير في تطبيق الديمقراطية عند الحاجة)؛
- الجرح النازف (تغذية الصراعات و التناقضات الداخلية في كل بلد وترك الأمور تتفاقم ليتم استغلالها في الوقت المناسب)؛
- إعادة الاستعمار (تدبير الانقلابات و التدخل الإنساني و العسكري المباشر و غير المباشر).

سنة 2004، قرأت في "لوموند ديبلوماتيك" مقالا لكاتب برتغالي يسار مشهور، و قد حائز على جائزة نوبل للآداب لسنة 1998، يدعى "خوسيه ساراماجو" ، يتساءل فيه حول الديمقراطية على النحو التالي:

-         هل دخلت الديمقراطية - في ظل التحولات العالمية الجارية - مرحلة متقدمة من الإرتداد والنكوص ربما تؤدي إلى تراجع و تقهقر المقولة نفسها؟
-         هل حقا يمكن تصور أو توقع نجاح تجربة ديمقراطية بدون ديمقراطيين؟
هل سيظل إدراك التجربة الديمقراطية في العالم العربي الإسلامي منحصرا في نوع من الوعي الشقي المترنح بين نوازع الاحتفاظ بالحكم و ضرورات التعامل الحذر مع مقتضيات التغيير و الإصلاح ضمن سياقات محلية، إقليمية و دولية يستعصي استقراء ملامحها أو التكهن باتجاهاتها؟
-         هل سيتغير الجوهر الاستبدادي لأنظمة الحكم في هذه المنطقة؟ أم سيظل الاهتمام بالديمقراطية من طرف مختلف الفاعلين مجرد معطى متغير الأهداف و الأبعاد و القيمة؟

لقد أثر في كثيرا ذلك الموقف النقدي المتوهج الذي بلوره  المفكر البرتغالي اليساري الحائز على جائزة نوبل للأداب "خوسيه ساراماجو" في ذلك المقال التحفة، متسائلا كل مرة: هل الديمقراطية كأيديولوجيا مهيمنة هي ابنة غير شرعية لعلاقات القوة الجائرة بين أقطاب متعددة أكثر مما هي تكريس مثالي لفكر الفلاسفة الغربيين الأوائل؟

ألهمني ذلك المقال في نفس السنة 2004، فكتبت مقالا مطولا باللغة الفرنسية تحت عنوان "بعد التدخل الغربي: ماذا تبقى من الديمقراطية؟" أعدت فيه صياغة الأسئلة التي طرحها زميلنا "خوسيه ساراماجو" لكن ضمن الساق العربي الإسلامي.

بعد ذلك، قام - مشكورا- أخي و صديقي د. ديدي ولد السالك، بتعريب مقالي المذكور  و نشر على موقع "الدرب" لأول مرة تحت عنوان "بين الإسلام و الغرب: تهافت الديمقراطية؟" قبل أن يعاد نشره في عدة مجلات فكرية محكمة.

خبا نجم الديمقراطية التي أثارت زوبعة في العالم النامي مع سقوط المعسكر الاشتراكي و تنامي وعي عالمي حول التناقضات الكثيرة التي تعكس الهوة السحيقة بين الخطاب السياسي و الإعلامي الغربي حول الديمقراطية و بين الممارسة العملية في مجال العلاقات الدولية و التعاون الدولي، قبل أن يستيقظ العالم على وقع الثورات العربية التي كان لا بد أن نتساءل هل تمثل حلما أم كابوسا؟

ضرورة بناء موقف معرفي نقدي من الثورات:
كرست الأدبيات الثورية لدى معظم شعوب العالم أن القيام بثورة ما هو دائما عمل بطولي من الناحية الإنسانية، نظرا لما ينطوي عليه من مجازفة و تضحية في سبيل تحقيق المبادئ و خدمة الآخرين. و هو تقدير صحيح إلى حد كبير. لكن الثورة تعني كذلك مسؤولية أخلاقية كبيرة، يعتد فيها بالتداعيات و النتائج و ليس فقط بحسن النوايا و المقاصد.

كيف نفهم الثورات العربية منهجيا و نقديا؟ لا بد من نوع من المجازفة المعرفية المحسوبة من أجل مقاربة معرفية موضوعية لظاهرة الثورات العربية. و لعل من أصعب المهام في الوقت الراهن، أن يلتمس الباحث الموضوعي بناء موقف معرفي نقدي من الأحداث الجارية في سيق الربيع العربي، يكون مختلفا جذريا عن المواقف الأيديولوجية الكلاسيكية سواء بمجرد تأييد الظاهرة أو رفضها بالمطلق.

نطمح إلي مقاربة تسمح لنا بالتعامل المرن مع ظاهرة الثورات العربية الجارية قصد ضرورة فهمها أولا.. و من ثم، متابعتها بأخذ مسافات موضوعية منها، و تحليلها بأدوات إجرائية  تستلهم منهجية التحليل النقدي المستندة إلى حقل "ابستيمولوجيا" العلوم الإنسانية.

لماذا الاستعصاء العربي الإسلامي على الديمقراطية في هذه المنطقة من العالم الممتدة من انواكشوط غربا إلى جاكارتا شرقا؟

نماذج أو"كاتالوجات" الثورات العربية الجارية حاليا:
- تبقى الحالة التونسية الأكثر مرجعية و الأكثر وضوحا في الرؤية المستقبلية لمسار تطورها. و مع أنها كانت الأكثر سلمية و الأقل دموية، إلا أن تصدر الإسلاميين للمشهد بعد الانتخابات و ما رافقه من تراجع لدور شباب الإنترنت و مجموعات المدونين الذين كانوا هم الأبطال الحقيقيين للثورة التونسية،  يطرح الكثير من التساؤلات حول المستقبل:
- الحالة المصرية جد معقدة و حساسة؛
- الحالة اليمنية دخلت مرحلة انتقالية غير واضحة المعالم و المستقبل؛
- في ليبيا، أخذت الثورة مسارا مختلفا جذريا.. لم تعد سلمية .. سلمية كما في السابق.. العنف ولد العنف المضاد.. حمل الشعب السلاح .. و أصبح التدخل العسكري الدولي سقفا جديدا للثورات العربية.. اختلت الموازين..
ارتفعت فاتورة التكلفة المجتمعية و الإستراتيجية للتغيير المدني عن طريق الثورة إلى حدود قياسية..



العالم العربي بين حالة الثورة و اللاثورة:
في أغلبية البلدان العربية تتعدد عوامل النزوع للثورة على المستوى المجتمعي، و السياسي  والاقتصادي:
- ضعف المشاركة السياسية،
- ترهل منظومات وآليات السلطة،
 - تنامي التوتر و أزمات الثقة بين الطبقات،
- الصراع على الحكم بين النخب،
- تأثيرات المناخ الدولي بفعل الأزمات الاقتصادية و المالية المتشابكة،
- ضعف مستويات التنمية،
- تعثر خطط الإصلاحات الاقتصادية،
- غلاء المعيشة،
- استفحال البطالة،
-اتساع دائرة التهميش،
-  تراكم الإحباط ...

بالمقابل، نجد أيضا عدة عوامل أخرى قد لا تساعد على الثورة و لا تخدم آفاقها في الوقت الراهن على الأقل:
- الخوف من الانفلات الأمني،
- نشوب الفوضى و أعمال التخريب و النهب،
- الحروب الأهلية و الويلات و المجاعة،
- الخوف من التداعيات الجيوبوليتيكية للثورات،
- انفراط عقد الوحدة الوطنية السكانية و الترابية لبعض البلدان،
- الخوف من تقسيم البلاد،
- ارتفاع التكلفة المجتمعية و الإستراتيجية للتغيير المدني عن طريق الثورات إلى حدود قياسية.

يوجد حاليا جو عام من "المد ثوري" يسود المنطقة لا يمكن تجاهله، إضافة إلى الشرعية التي يولدها و التأثير السيكولوجي الذي يخلقه ذلك المد، خاصة في الأوساط الشبابية المندمجة بشكل كبير في التعاطي مع الثورات التي تحققت حتى الآن في بعض الأقطار العربية، عن طريق الإنترنت و شبكات التواصل الاجتماعي و الإعلام الجديد.  لكن، في الحقيقة ما يزال هذا المناخ الثوري العربي محلا للتساؤل و الاستفهام.  فالأمور حتى بعد عتبة "إسقاط الرئيس" تبقى في مرحلة انتقالية حرجة كما في تونس، و هي جد معقدة و حساسة كما في مصر، كما أنها جد مشوشة و مفتوحة على المجهول في ليبيا و اليمن. أما في البلدان التي لم  تصل الثورات فيها بعد إلى تلك المرحلة، فهي تعيش وضعية تراجيديا كارثية بالغة التعقيد و الحساسية كما في سوريا و إلى حد ما في البحرين، حيث لا يوازي مأساوية استمرار شلال الدم النازف إلا تعقيد المواقف و الحسابات الجيوستراتيجية الإقليمية و الدولية إزاء مصير الحالة الثورية، خاصة في سوريا.

هاجس التخوف من المساعدات الخارجية:
إذا كنا متفقين على ضرورة التغيير السياسي في بلداننا العربية، لماذا إذا هذه النظرة المتوجسة للمساعدات الخارجية؟
هل نتوقع من المضطهدين، الذين يعيشون أوضاعاً مأساوية في بعض الدول العربية، غير الترحيب بالتدخلات والمبادرات؟

في ابريل سنة 2007: أصدرت في المركز وثيقة استشرافية تحت عنوان: "رؤية موريتانيا 2020 مشروع دراسة استشرافية"
كتبتها تحت شعار عريض: "اصنع مستقبلك بنفسك قبل أن يصنعه لك الآخرون"...
ركزت فيها هلى بلورة هناك ثلاث أفكار أساسية بدأت آنذاك تتسم بنوع من الإجماع حولها في العالم العربي و هي:

1.      أن التناوب السلمي على السلطة و إجراء التغيير و الإصلاح أمور ضرورية، و إذا ما أريد لها النجاح و الديمومة، فينبغي أن تتم من الداخل؛
2.      أن المجتمع المدني (بما في ذلك المنظمات غير الحكومية و الجمعيات الأهلية، و النقابات والأحزاب السياسية و هيآت المنتخبين و الصحافة الحرة، إلخ...) شريك فعال في تحقيق الأهداف الإستراتيجية للتغيير و الإصلاح المتمثلة حاليا في إنجاح التحول نحو الديمقراطية و تحقيق التنمية المستدامة و تأمين المستقبل. و المجتمع المدني بهذا المعنى ليس خصما أو بديلا عن الدولة و مؤسساتها الحكومية بل هو جزء من الدولة و شريك و مساعد فعال للحكومة؛
3.      أن الطريق الأمثل و الأكثر أمانا نحو التغيير و الإصلاح، يقتضي التركيز على بناء السياسات و البرامج و المشاريع الإصلاحية و التنموية العمومية على  أساس متين من المعطيات العلمية الموضوعية المتأتية من ثمار البحث العلمي الرصين بدلا عن مصادر إخبار أخرى  مشوشة بالخصومات السياسوية و صراعات المصالح و المضاربات المغرضة.

على كل واحد منا أن يسال نفسه كل مرة:
-         هل كلنا متفقون أساساً على ضرورة التغيير؟! هل أنا شخصياً واحد من المتفقين؟!
-         هل يمكن -إنطلاقا من وعي عميق بجدلية الترابط بين هذه الأفكار الأساسية الثلاث- أن نرصد تطور أخذ الوعي و تنامي الخبرات في هذا المجال لدى منظمات المجتمع المدني في العالم العربي و في موريتانيا في ما يخص الانتقال الديمقراطي؟

نموذج المعهد الديمقراطي القومي للشؤون الخارجية NDI :
هو احد اربعة مؤسسات تابعة لمنحة الديمقراطية ك NEDكمظلة جامعة. المنحة هي مؤسسة انشئت سنة 1983 و هي غير ربحية، هدفها دعم المؤسسات الديمقراطية حول العالم من خلال الجهود غير الحكومية . ويرأسها مجلس ادارة مستقل ، ويخصص لها الكونغرس تمويلا سنويا، تقوم هي بدورها بتقديمها بشكل منح لمجموعة من المؤسسات التي تعنى بنشر الديمقراطية .

المؤسسات الاخرى المشابهة هي :
-         المعهد الجمهوري الدولي IRI– ويعمل نفس عمل المعهد الديمقراطي لكن من منطلق رؤية  الحزب الجمهوري؛
-         مركز المشاريع الخاصة الدولية CIPE ويدعم الديمقراطية حول العالم بواسطة المشاريع الخاصة وإصلاحات السوق الحرة. ومجالات عمله الرئيسية هي مؤسسات مقاومة للفساد والشركات و ادارة الشركات و ادارة الديمقراطية والوصول الى المعلومات والقطاع غير الرسمي وحقوق الملكية والنساء والشباب؛
-         مركز التضامن Solidarity– وهي مؤسسة غير ربحية تساعد عمال العالم الذين يكافحون لبناء اتحادات ديمقراطية ومستقلة، حتى من خلال اضعاف الاتحادات القائمة وشقها وتقسيمها. يعمل مع الاتحادات والمجتمع المدني لتحقيق تطور ديمقراطي مستمر وعادل ولمساعدة الرجال والنساء على تحسين حياتهم ومعايير العمل.

بعد احتلال العراق، استلم المعهدان الديمقراطي و الجمهوري مبلغ 90 مليون دولار من مؤسسة المنحة القومية للديمقراطية NED لتعليم العراقيين كيف ومن ينتخبون . و لكل واحد منكم الحق في تقدير النتائج و الأثر الحاصل في العراق.. أنصحكم أن تستعينوا فقط بشهادة الميستر ألان اينشتاين، وهو أحد مؤسسي NED مع مطلع الثمانينات في فترة الرئيس ريغان، الذي أوضح سنة  1991 في مقابلة لواشنطون بوست: بأن الكثير من الأنشطة العلنية لـ NED  لا تختلف عن ما كانت تقوم به سرا وكالة المخابرات المركزية منذ 25 سنة .

المجتمع المدني و الديمقراطية:
اليوم أصبح المجتمع المدني يشكل فضاء متمددا أكثر فأكثر ليشمل مجموعات جد مختلفة و ذات أهداف متباينة. و بينما تستخدم الرأسمالية العالمية و المحلية المسيطرة على السوق بعض منظمات المجتمع المدني لتحمي مصالحها ليس فقط في وجه الدولة لكن أيضاً في وجه الحركات العمالية و أنصار البيئة و مناهضي الرأسمالية المتوحشة، تسعى منظمات غير حكومية أخرى لتأمين الرعاية الاجتماعية و النهوض بالتنمية المحلية لتأمين بعض الخدمات و تلبية بعض حاجاتٍ الفقراء و الضعفاء و المهمشين و المساهمة في تطوير الاستجابات للمشاكل الاجتماعية المطروحة على المجتمعات الحديثة.

كما أن جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان و الاتحادات المهنية و تكتلات المنتجين والنقابات والجمعيات النسوية و جمعيات الرفق بالحيوان و أنصار البيئة و علماء الدين، تريد جميعها من المجتمع المدني أن يواجه جبروت الرأسمال العالمي و أن يقدمَ تصوراً لطرق و حلول بديلة لتنظيم الحياة الاجتماعية و الاقتصادية أكثر ملائمة و أكثر أنسنة لهذا الواقع المتجهم الذي يعيشه العالم.

معيار غير الربحية الذي يميز المجتمع المدني كفضاء منفصل نظريا عن السوق هو نفسه ما يهبط به إلى قاع الأنشطة الاقتصادية. و هكذا فإنّ القطاع الربحي الذي هو السوقٌ و القطاع غير الربحي الذي هو المجتمع المدني، ليسا سوى وجهين لعملةٍ واحدة هي الاقتصاد. إنّ القطاع غير الربحي يعمل كفضاء لنشاطاتٍ اقتصادية مختلفة تولد نتائج مفيدة بأشكال متعددة مثل إنشاء و تسيير البني التحتية كالمدارس و الجامعات و المشافي، أو توفير خدمات فكرية مثل انجاز الاستشارات و الخبرات الضرورية لمواكبة و تأطير المجتمعات المحلية في إطار تنفيذ المشاريع و الأنشطة الصغيرة، إلخ...، و العملية برمتها تؤمن دخلاً و وظائف و تؤسس تجربة و تراكم خبرة و تخلق قيمة مضافة للناتج القومي الإجمالي لكل بلد كما تفيد المجتمع برمته. و تشير آخر دراسةٍ مقارنة نشرت حول القطاع غير الربحي في 22 بلداً أنه يمثل قوة اقتصادية كبيرة، حيث يوظف هذا القطاع 19 مليون عاملٍ بدوامٍ كامل، بما يعادل قرابة 70% من الوظائف المدفوعة في غرب أوروبا و 22% في أمريكا اللاتينية. 

إن إشكالية الاتصال أو الانفصال بين المجتمع المدني و السوق تستحق التأمل فيها جديا. ففيما يؤمن السوق قاعدته المالية من خلال ربحية التراكم الرأسمالي و تؤمن الدولة دخلها من الضرائب و من ريع ممتلكاتها، فإن المجتمع المدني ليس له مصدر ثروة واضح. فهو إن عُرّف على أنه غير حكومي يجب أن يكون مستقلاً مادياً عن الدولة و إن قيل بأنه غير ربحي فيجب أن لا يراكم رأسمال. 

إن اعتماد المجتمع المدني في البلاد النامية على المساعدة و على الخارج تؤدي إلى تشويه جداول أعمال المنظمات غير الحكومية المحلية، التي أصبحت تتنافس على التمويلات و تصوغ برامجها و نشاطاتها حسب أولويات الممولين. إنّ وصول الممولين مع تصوراتٍ مسبقة في حقائبهم عن ما يجب أن يفعله المجتمع المدني و عن ما يجب أن يكون عليه، في بلدان لا تزال منظماتها الأهلية في وضعية بالغة الهشاشة، سينتهي بإضعاف قدرة هذه المنظمات المحلية على تطوير رؤيتها الذاتية للمجتمع في بلدانها، و بالتالي، إضعاف مساهمتها في تصور كيفية إنجاز تغيير سياسي و اجتماعي و كذا في إيجاد الحلول المناسبة للمشاكل المطروحة على بلدانها. 

مفكرو التنمية الأوروبيون ـ و هم أصحاب خلفية تاريخٍية وثقافية مختلفة ـ فلهم تصور آخر حول الأدوار المنوطة بالدولة و بهيئات المجتمع المدني و علاقاتهما بالسوق. و هو تصور يأخذ بعين الاعتبار الدور السياسي التاريخي "للمانيفاكتورات" التجارية و الكنائس و الهيئات الخيرية في النضال من أجل الديمقراطية و إصلاح الدولة في أنحاء مختلفة من العالم. و يرى الممولون الأوروبيون في منظمات المجتمع المدني -و ما تقوم به من عمل سياسي لإصلاح الدولة من الداخل- إمكانية إعادة إنتاج الدور ذاته من جديد. 

في العالم النامي، أسهمت خلفية ميلاد مجتمع مدني مبني بشكل أساسي من الخارج و ليس من الداخل في استمرار الالتباس الذي يكتنف دقة هذا المفهوم من الناحية النظرية و كذا عدم وضوح الحدود الفاصلة بين مكونات النموذج الثلاثي للتنمية الذي يشكل المجتمع المدني أحد أضلاعه إلى جانب الدولة و السوق.

المجتمع المدني في العالم العربي؟
في 2007، و بمناسبة انعقاد أيام التشاور الوطني حول إصلاح المجتمع المدني في موريتانيا في 25- 27 دجمبر/كانون الأول سنة 2007،  كان السؤال الجوهري الذي طرح نفسه آنذاك على كل مراجعة نقدية للنموذج الثلاثي للتنمية الذي تشكله الدولة و المجتمع المدني و السوق ـ هو هل سيكون المجتمع المدني الناشئ ـ الذي هو أحد مرتكزات هذا النموذج في بلادنا ـ قادرا في المستقبل القريب على رفع التحديات الكبرى التي تواجهه ليصبح شريكا ايجابيا في إطار عملية شاملة للانتقال نحو الديمقراطية والتنمية المستدامة يتم التشاور حولها بين مختلف الفاعلين في الساحة الوطنية؟

أم على العكس من ذلك، سيظل قدر المجتمع المدني أن يبقى كيانا هامشيا و مهمشا، ضعيفا ـ بسبب أزمة هويته الذاتية و انعدام الرؤية الواضحة لدوره ـ و متشرذما بسبب الانقسامات الضيقة والصراعات الداخلية و معتمدا أكثر مما ينبغي على الحكومة و/ أو على الممولين؟ و بالتالي، يبقى عاجزا عن تحمل مسؤولياته بصورة مستقلة و فعالة تجاه المصالح الوطنية للمجتمع الموريتاني.

تاريخياً، كان ظهور المجتمع المدني في الغرب ردة فعل على انحلال الروابط التقليدية للتضامن الاجتماعي و بروز أشكال جديدة من الاندماج في سياق التحديث الرأسمالي للمجتمع و الدولة. أما في نهاية سبعينيات القرن العشرين فقد تطورت مطالب المجتمع المدني لتتزامن مع الضغوط الليبرالية المتزايدة للتحول من تخطيط الدولة إلى بدائل السوق الحرة، مبشرة بأن الحرية الاقتصادية و الحرية السياسية متلازمتان. و هكذا ظهر المجتمع المدني أولا من خلال منطق سياسي لا من خلال منطق السوق. 

أما في بلدان العالم النامي و دول أفريقيا جنوب الصحراء خاصة، فإن تضافر عوامل عديدة مثل هشاشة بنية الدولة الوطنية و اعتمادها الشديد على المساعدات المالية و الفنية الخارجية و ضعف البرجوازيات المحلية في العديد من هذه الأقطار، بالإضافة إلى انتشار الفقر و تدني دخل الفرد، قد أدى إلى تعاظم دور و تأثير الجهات المانحة أو الممولين في عملية إنشاء و تعهد قطاع المجتمع المدني في مراحل متأخرة بعد الاستقلال.

ولد المجتمع المدني في أغلبية هذه الدول عبر عملية قيصرية لينتشر كالفطريات فيما بعد، فتصبح المنظمات غير الحكومية تعتمد بشكلٍ كبير ـ تماما مثل الحكومات المحلية ـ على التمويل الخارجي لبرامجها و أنشطتها المختلفة. و في أحيان كثيرة، تتنافس الدولة مع الممولين على تشكيل المجتمع المدني و التحكم فيه متذرعة بأن المجتمع المدني قد يشكل معول هدم ضد الدولة أو أداة خفية لتعزيز السياسات التدخلية لجهات التمويل.

مقارباتٍ الديمقراطية وعلاقتها بالمجتمع المدني:
-         المقاربة الأمريكية ترى أن مهمة المجتمع المدني هي توطيد الاستقرار و بناء أو تقوية المؤسسات الديمقراطية التي تحمي قواعد القانون و شرعية المعارضة السلمية و حقها في التعبير بوسائل مقبولة. إنها مقاربة ترى بأن الاستقرار السياسي مهمٌ كالحرية السياسية و لكن الحماية من الدولة و تجاوزات الحكومة أهم. إنها مقاربة تحافظ على الحرية السلبية، فتدافع عن الفرد ضد الجماعة و تربط فيما بين مطالب و مصالح من الممكن الدفاع و التفاوض عليها، و هي تعتقد بأنها تحافظ ـ من هذا المنظور ـ على جوهر الثقافة المدنية. 

- المقاربة الأوروبية حول المجتمع المدني فهي تستند إلى تقليد ثقافي عريق ذي مضمون راديكالي يتميز عن المفهوم الأمريكي للديمقراطية و المجتمع المدني. إنها مقاربة تستند إلى ثلاثة مبادئ هي البحث عن "الخير الجماعي" و السعي وراء تحرر و انعتاق الإنسان و القدرة على توليد النقاش النقدي. إنها رؤية تجعل من المجتمع المدني ميدانا رحبا لنقاش و تحدي الأفكار السائدة عن التقدم و التطور عبر المشاركة الفعالة في مجالات سياسية غير رسمية لتقرير أي أشكال التقدم و التنمية يجب الأخذ به عندما يتجدد النقاش حول الطريقة التي تتفاعل بها الدولة و المجتمع و حول دور الدولة، و من هو الذي يحدد هذا الدور و كيف؟ و ضمن هذه المقاربة الأوروبية، يعالج المنظرون للمجتمع المدني حاليا الطريقة التي يصطدم فيها عدم المساواة الاجتماعية و السياسية مع الممارسة الكاملة للمواطنة، حيث تتمكن التعددية غالباً من المحافظة على مصالح معينةٍ على حساب المصلحة العامة أو المشتركة عندما تخفي مصدر القوة الحقيقي و تخلق أوهاماً حول المشاركة السياسية و دور الدولة.

-         الأدبيات الفكرية لليسار: تقلل من أهمية المجتمع المدني باعتباره ساحة "طبقية" تسيطر عليها المصالح الاقتصادية القوية و مجموعات الضغط المتنفذة. لكن في نهاية المطاف، تجاوز اليسار عموما سلبيته تجاه فكرة المجتمع المدني في نهاية القرن العشرين و تم الاعتراف بأهمية نشاط الجماعات المستقلة بوصفه يشكل بحق مساهمة نوعية في ديناميكية التغيير السياسي و الاجتماعي. لقد تكرس المجتمع المدني بصفته مصدراً ثريا لإعادة إنتاج فضاءٍ سياسيٍ حيوي يناقش المصلحة العامة بدون قمع للتعددية و الاختلاف، مشكلا بذلك آلية للتفكير البنّاء حول الدولة و التنمية و ملهما أساسيا في نقد نمط التنمية الرأسمالية المتوحشة وفظائع الآثار السلبية للعولمة الجامحة. 

حدود المقاربة الأمريكية:
تجاهل متعهدو  الديمقراطية الأمريكية، الذين بذلوا جهوداً مضنية لفهم المجتمع المدني في شروطه المعقدة ضمن المجتمعات التقليدية في أفريقيا و آسيا و الشرق الأوسط، بشكلٍ أساسي، المكونات المختلفة للأنسجة المجتمعية المكونة له في لتلك البلدان. تلك المكونات التي تتشكل أساسا من قبائل و طوائف و جمعياتٍ قروية و جماعاتٍ فلاحية و مهنية و منظمات دينية محلية و جمعيات أثنية، إلخ ... ، يصعب فهمها ضمن المقاربة الأمريكية لأنها ـ ببساطة ـ لا تنخرط مباشرةً في النشاط المؤيد لنشر الديمقراطية، بينما تهيمن على الصعيد الوطني حفنة من المنظمات غير الحكومية ـ المتشكلة على النمط الغربي ـ منتدبة نفسها للدفاع عن المصالح العامة في تلك البلدان. 

إن إدراك وجود مثل هذه الفوارق داخل قطاع المجتمع المدني ذاته، إضافة إلى تعدد الحواجز أمام كل داخل جديد إليه، يجعل من المجتمع المدني مجالا مغلقا تماماً مثل الدولة و مثل السوق (الاقتصاد). و في ظل انعدام عدالة ميزان القوى الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية، يتعذر ضمان المساواة في تكوين الجمعيات و المنظمات غير الحكومية و المشاركة في المجتمع المدني و النشاط السياسي. كيف يمكن للفقراء و المهمشين أن يجدوا أصواتا لهم في المجتمع المدني؟ و كيف يمكن تمويل الجمعيات و أنشطتها و حملاتها عندما تكون المصادر المالية المحلية شحيحة و غير شفافة؟ فالمصادر العمومية تسيطر عليها الدولة و المصادر الخصوصية تسيطر عليها رأسمالية الشركات و الجماعات الاجتماعية المتنفذة؟ عندها، لا يبقى أمام منظمات المجتمع المدني من خيار سوى التدافع أمام شبابيك هيآت التمويل الأجنبية لمنافسة الحكومة في الحصول على بعض المصادر الزهيدة التي تعمق الشرخ داخل جسم المجتمع المدني و تزيد من انقساماته الداخلية و تغذي الشعور بالإحباط بين مكوناته و هوامشه. 

و فيما حظيت استقلالية المجتمع المدني عن الدولة باهتمامٍ واسعٍ في أدبيات التنمية، فإنّ استقلاليته عن السوق من الناحيتين النظرية و التطبيقية كانت مفترضةً أكثر من كونها مبرهناً عليها، رغم استمرار النقاش فيما إذا كان من الأفضل إدخال السوق ضمن المجتمع المدني أو إخراجها منه. أو بمعنى آخر هل تشكل الشركات جزءً من المجتمع المدني أم لا؟

إن الواقع التجريبي يكشف بوضوح اعتماد المجتمع المدني ماليا ليس فقط على اشتراكات المنتسبين و رسوم الخدمات التي يؤديها و إنما على الدولة و بدرجةٍ أقل على الأعمال الخيرية. و بما أن القطاع غير الربحي هو فضاءٌ لنشاط اقتصادي يولد دخله من جهة، و هو من جهةٍ أخرى قاعدةٌ مادية مرتبطة بالدولة و بالسوق، فإنه عمليا يشوش مفهوم وضوح الحدود في النموذج الثلاثي للمجتمع المدني و السوق و الدولة. نظريا المجتمع المدني هو شيءٌ و عمليا هو شيءٌ آخر. المجتمع المدني كيان مستقلٌ لكونه يحمل منطقه الخاص، لكنه أيضاً مشتقٌ و تابع لغيره. إن حدة هذه الظاهرة تبرز بشكل خاص في سياق الدول الفقيرة ـ مثل بلادنا ـ التي تعتمد غالبا على المساعدات الخارجية، حيث توفر تمويلات الجهات المانحة دخلاً رئيسيا للناشطين في منظمات المجتمع المدني تماما كما تشكل مصدرا سخيا للمشاريع و الهيآت الحكومية في ذات الوقت. 

المجتمع المدني في موريتانيا:
في موريتانيا، تعتبر المجتمع المدني ناشئا، و هو يمر الآن بمرحلة حساسة في تاريخ تطوره، تجعله يقف على مفترق طرق حاسم. فبقدر ما تتيح له التحولات السياسية الجارية في البلاد و في المنطقة و العالم - مثل مقاربات الشراكة الجديدة في مجال نشر الديمقراطية و الحكم الرشيد وتفعيل التنمية التشاركية -  فرصا مؤاتية قد تسمح بإشراكه في اتخاذ القرارات لصياغة و تنفيذ التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للبلد، فإنها تطرح عليه ـ في الوقت ذاته ـ إكراهات إضافية و تطالبه بضرورة مباشرة إصلاح ذاته نحو إعادة تأسيس مجتمع مدني حقيقي كشرط مسبق لا غنى عنه لولوج مرحلة المشاركة الكاملة. 

و لأول مرة في تاريخ التعاون الدولي المتعدد الأطراف، نجح اتفاق "كوتونو" للشراكة(Cotonou Accord de partenariat de) ، الموقع سنة 2000 بين دول مجموعة الـ 77 (دول إفريقيا والبحر الكاريبي والمحيط الهادئ) ، من جهة والاتحاد الأوروبي من جهة ثانية، في إرساء مبدأ الشراكة ـ من الناحية القانونية ـ كحق ثابت بين الدولة من جهة و "الأطراف الفاعلة غير الدولتية" (acteurs non étatiques)، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني من جهة أخرى. 

و هكذا، نزل ذلك الاعتراف القانوني بحق مشاركة المجتمع المدني في المجال العمومي كجلمود صخر في بركة آسنة مليئة بالتوجس و التردد و الاستسلام للضغوط الداخلية والخارجية التي طالما طبعت المواقف الرسمية في البلدان النامية تجاه فكرة إعادة الاعتبار للمجتمع المدني، أحرى إشراكه في صياغة و تنفيذ و مراقبة السياسات العمومية. أما بعد اتفاق كوتونو، فقد شكل التزام الدول الموقعة عليه ـ بإشراك فعلي للمجتمع المدني داخل كل بلد، في عملية صنع القرار في السياسات الوطنية و الحوار السياسي والحكم الرشيد و كذا كل القضايا المتصلة بالتنمية المستدامة ـ تطورا نوعيا و مكسبا قانونيا ثمينا لا رجعة فيه. 

الدولة الموريتانية ـ التي سبق أن صادقت من قبل على اتفاق كوتونو بموجب القانون رقم 2001-02 بتاريخ25 يناير/كانون الثاني 2001 وبموجب المرسوم رقم 037-2001 بتاريخ 03 فبراير/ شباط 2001 ـ قامت من أجل الوفاء بتعهداتها بإدراج مكونة لدعم إصلاح المجتمع المدني وتعزيز قدراته تم تضمينها في البرنامج الإرشادي الوطني (PIN) 2001-2007 لموريتانيا في إطار التعاون مع اللجنة الأوروبية، بهدف توطيد الديمقراطية وسيادة القانون ومساعدة المجتمع المدني ليصبح شريكا حقيقيا في الحياة الوطنية والتنمية الاجتماعية الاقتصادية والسياسية للبلد. 

و بما أن اتفاق كوتونو يمثل ابتكارا جديدا، فهو يكتسي أهمية خاصة في مجال رصد استراتيجيات السياسات الإنمائية و تأثيراتها على التحولات الاجتماعية و السياسية في حقل الشراكة متعددة الأطراف، بالإضافة إلى كونه يمثل اجتهادا قانونيا و مؤسسيا ربما يكون مفيدا في تسريع عملية تكوين ونضج المجتمع المدني في هذا البلد و تمكينه من الاضطلاع بلعب دوره المطلوب عبر آليات و صيغ إجرائية عملية و شفافة لعله يكون في أمس الحاجة إليها في الوقت الراهن.

-         إلى أي حد يمكن للتوجه السياسي القوى لهذا الاتفاق أن يسهم ـ في ما يخص بلادنا ـ في تحقيق أهداف التنمية المستدامة بعد مرور 12 سنة على تاريخ توقيعه و المصادقة عليه من طرف بلادنا ؟
-         هل نجح الاتفاق فعليا في توسيع فضاء الشراكة من أجل التنمية في بلادنا بتشجيع الحوار والتعاون بين الدولة و الأطراف غير "الحكومية" كالمجتمع المدني و السوق بوصفها باحثة عن نفس الأهداف التنموية؟
-          و ما هي المعوقات التي تقف في طريق تنفيذه على أرض الواقع في موريتانيا؟ 
-         إذا كان اتفاق كوتونو يتخذ مقولة الحد من الفقر كهدف رئيسي، فإلى أي مدى تتيح أبعاده المختلفة ـ بما في ذلك موضوع الشراكات الاقتصادية و التجارية خاصة ـ فرصا جدية لتعزيز مكافحة الفقر وتحقيق الالتزامات الدولية الأخرى كالأهداف التنموية للألفية على وجه الخصوص؟ 
-         إلى أي مدى يمكن للإرادة السياسية في موريتانيا أن تواكب هذا النهج العالمي الساعي لإعادة الاعتبار للمجتمع المدني كشريك في صياغة وتنفيذ السياسات الوطنية بشأن القضايا الإنمائية الرئيسية: توطيد الاستقرار، محاربة الفقر، تحقيق الديمقراطية والحكم الرشيد، تعزيز حقوق الإنسان؟ 
-         كيف يمكن أن تترجم تلك الإرادة في عمل منهجي منظم و شفاف يسعى إلى إضفاء الطابع المؤسسي على شراكة بناءة و متوازنة بين الدولة و المجتمع المدني في موريتانيا؟ ويعمل على تجاوز السلبية المتبادلة و لعبة الاستخدام المزدوج السياسي و الإستخباراتي من طرف الدولة للمجتمع المدني كحلقة أضعف؟ 

لذلك، يجب التنويه إلى أن أي خطوة جدية في هذا الاتجاه لا بد أن تراعي الاعتبارات التالية: (ا) إعادة رسم و تحديد الأدوار بين الدولة والمجتمع المدني عبر إطار قانوني و مؤسسي واضح و منسجم، (ب) بناء الثقة على أسس واضحة تقوم على مبادئ العقلانية والقانون، (ج) منح المجتمع المدني مساحة من الحرية والاستقلالية الحقيقية كمجال حيوي واضح المعالم للحركة، (د) وضع آليات مؤسسية متماسكة للحوار والتعاون على مستويات مختلفة بين الدولة والمجتمع المدني، (هـ) التسليم بمبدأ دور المواطن في المتابعة و المساءلة (principe de suivi citoyen) كحق ثابت من حقوق المواطنة و تنظيم و تقنين الصيغ الإجرائية لممارسة هذا الحق تجاه النشاط العمومي للدولة. 

أما بالنسبة لموقف الجهات المانحة أو شركاء التنمية أو الممولين من موضوع إصلاح المجتمع المدني، فإن الأمر يتطلب جهدا نوعيا خاصا من طرفهم من أجل إعادة تقييم صحة و صلاحية (pertinence) التزامهم واستراتيجياتهم في التدخل، و طرق التحالف والتعاون المتبعة مع مختلف شرائح المجتمع المدني. إن عملية النقد والتقييم الذاتي من منظور الآخر هذه ينبغي أن تتم بصورة تشاركية و أن تستهدف تحقيق جملة من الأمور الضرورية : (ا) تجاوز المقاربات و المناهج الاختزالية التقليدية لمقولة "المساعدة الإنمائية" (l’aide au développement)، (ب) تسهيل ظهور و مواكبة و توطيد مجتمع مدني منظم و منفتح يتمتع بالمصداقية و قادر على الاضطلاع بكامل الأدوار الجديدة المنوطة به في عملية التحول الديمقراطي و تحقيق التنمية المستدامة، (ج) المساعدة في بناء نماذج لشراكة خلاقه، مبتكرة وفاعلة بين الدولة والمجتمع المدني مع احترام الأدوار والخصوصيات و المصالح المشروعة لكل من الأطراف المعنية. 

اتفاقية كوتونو للشراكة و إعادة تأهيل المجتمع المدني في موريتانيا:
يتنزل اتفاق كوتونو للشراكة، الذي صادقت عليه الحكومة الموريتانية منذ سنة 2001، في سياق دولي، إقيميو محلي متميز كما ذكر آنفا. و تأخذ خيارت دعم المجتمع المدني عدة أشكال تتضمن إنشاء برامج نوعية لتقوية المجتمع المدني تتعلق غالباً بموضوعات الديمقراطية و الحكم الرشيد و برامج تعزيز القدرات المؤسساتية و التنظيمية و الوظيفية لمنظمات المجتمع المدني، و كذا إطلاق شراكة بين منظمات المجتمع المدني و الحكومة و مؤسسات الأعمال بالإضافة إلى دعم الاستدامة المالية للمجتمع المدني عبر دعم مهنية منظماته المحلية. هذه المحاولات لتفعيل المجتمع المدني هي محاولات إبداعية تعد بفتح طرقٍ جديدة لإعادة التوازن ولإشراك مختلف الأصوات المهمشة من خلال تذليل التناقضات في العلاقة ما بين الدولة و المجتمع المدني و تشجيع أشكال تعاونية أكثر منها عدائية بين الطرفين تعزز خدمة المصلحة العامة. 

تجد النخب الموريتانية نفسها في أمس الحاجة للتفكير بصوت عالٍ حول إشكالية المجتمع المدني في بلادنا ليس باعتباره ذلك "الجنتلمان" أو الفتى الطيب في النموذج الثلاثي للتنمية، حيث انبثقت تلك الصورة أصلا من جدول أعمالٍ معادٍ لصميم فكرة الدولة، كما يتوجب أن يتجه النقاش نحو إضاءة مواضيع جوهرية مثل المجتمع المدني و قضايا الفقر و عدم المساواة في الصحة و التعليم و الشغل و تخلف الريف و تهيئة المجال الحضري و الأمن و السلم الاجتماعي، إلخ.... نحن بحاجة لتوسيع المناقشة ليس فقط ضمن محور المجتمع المدني مقابل الدولة فحسب، بل لنستكشف نقدياً و عن قرب طبيعة الروابط بين المجتمع المدني وقضايا النمو الرأسمالي اللامتكافئ في بلادنا و دور المجتمع المدني في تخفيض الفقر بشكل يتجاوز سطحية و غوغائية الملتقيات و الشعارات و اللافتات و صور التلفزيون في نشرة أنباء الثامنة مساء. 

و لا شك أن بلوغ مثل تلك الأهداف يتطلب إعادة النظر في دور الدولة في مجال التنمية وإعادة صياغة العلاقة فيما بين الدولة والمجتمع المدني في موريتانيا. و هنا بإمكان المجتمع المدني أن يوفر منهاجاً جديداً للتفكير في دولة التنمية. و ضمن هذا السياق الايجابي، لا يمكن إلا أن نتساءل كيف يمكن لجمهور واع و فعال يشارك في هذه الجلسات التفكيرية حول إصلاح المجتمع المدني أو يتابع أعمالها عن كثب إلا أن يدافع عن المواطنين في وجه الدولة و يشارك في التفكير و الجدال حول الصالح العام للمجتمع؟ لا بل، كيف يمكن للدولة الديمقراطية نفسها أن لا تلعب دوراً ايجابيا في هذه العملية؟ 

لا شك بأن تضافر الظروف الملائمة و الآليات المناسبة لإصلاح المجتمع المدني ينبغي أن يمر حتما بحصول نوع من التقارب و التفاهم العقلاني بين الأسر الثلاث التي تشكل الأطراف المعنية بملف الإصلاح و هي الحكومة والمجتمع المدني والشركاء في التنمية. و هي ظروف ما زالت ـ للأسف ـ تتسم بالضبابية و التوجس و التردد على الرغم من الجهود المبذولة حتى الآن. 

خاتمة: نحو تمكين المجتمع المدني
لا بد من أجل إصلاح و تمكين و استدامة المجتمع المدني الموريتاني من تعزيز استقلاليته كشرط أساسي لبناء شراكة جديدة مع الدولة و مع السوق. ويتطلب الأمر معالجة جذرية لخمس إشكاليات رئيسية هي : (ا) تحديد واضح لهوية المجتمع المدني في مقابل الآخر من خلال إصلاح الإطار القانوني و المؤسسي ، (ب) إعادة انتشار المجتمع المدني في مجاله الحيوي ضمن لامركزية حقيقية، (ج) التحرر من النزعة الأبوية للإدارة العمومية المهيمنة تقليديا على المجال المدني في البلاد، (د) توفير الحد الأدنى من الاستقلال المالي عبر آليات شفافة و متوازنة (هـ) اعتماد ميثاق شرف مدني و احترامه كمدونة أخلاقية لضبط السلوك المدني يجب التقيد بها من طرف جميع الفاعلين. 

وفي هذا الصدد، لا يزال من الضروري "إعادة هندسة" العلاقات و الروابط و الأدوار والمسؤوليات بين الدولة والمجتمع المدني و السوق على المستويات الهيكلية و التنظيمية و الوظيفية بغية ضمان التماسك و الانسجام و الفاعلية الضرورية لتحقيق الديمقراطية و التنمية المستدامة في موريتانيا و في العالم العربي. 

و سيكون من الجوهري ـ أولا و قبل كل شيء ـ أن يظل الفضاء الثقافي و الاجتماعي للمجتمع المدني مستقلا، حرا و مسؤولا، لكي يستطيع عامة الناس و خاصتهم في هذه البلاد أن يناقشوا بانفتاح و بروح نقدية الصالح العام و أن يجربوا البدائل الممكنة لتنظيم الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية دون خوف أو طمع. 

انواكشوط، 4 يناير 2014
محمد السالك ولد ابراهيم
باحث و خبير استشاري دولي،
مدير المركز الموريتاني لأبحاث التنمية و المستقبل

jeudi 7 février 2013

حرب نابليون في مالي : أفغانستان الجديدة؟

 "الفارق الجوهري بين رجل السياسة و رجل الدولة، هو أن الأول يفكر دائما في مصيره في الانتخابات القادمة، بينما يفكر الثاني دائما في مصير الأجيال القادمة"  جان فرانسوا ريفيل، فيلسوف و أكاديمي فرنسي (1924- 2006).

تسعى القوى الإقليمية والدولية المختلفة، منذ عدة سنوات، لوضع يدها على منطقة الساحل الإفريقي البالغة الأهمية الإستراتيجية، من أجل أن تكون لها الكلمة الفصل في تحديد مستقبل استقرار المنطقة و رفاهيتها الاقتصادية في السنوات العشرين القادمة، فضلا عن تأمين السيطرة على الطريق الغربي للنفط و على المواقع الجديدة لاحتياطيات الطاقة و المعادن النفيسة المكتشفة  مؤخرا في المنطقة.

لكن، هل ستتحول المواجهة - التي تتسم  حتى الآن بالكر و الفر - بين القوات الفرنسية و حلفائها و الجماعات الجهادية في شمال مالي إلى حرب شاملة مفتوحة، على ضوء التطورات العسكرية الجارية؟

إلى أين سيؤدي إشعال فتيل الحرب على الإرهاب في منطقة الساحل؟ هل المراد هو تدويل الملف و تبرير تدخل عسكري دولي كما حدث في أفغانستان قبل أكثر من عشر سنوات؟ كيف تتحالف القوى الغربية مع الجماعات الجهادية في سوريا لإسقاط النظام و تخريب البلد، بينما نجدها تحارب نفس الجماعات في شمال مالي؟ و ما هي التداعيات و المخاطر المستقبلية لهذا الوضع على أمن واستقرار موريتانيا  و منطقة  الساحل عموما؟ 

منذ فجر الاستقلال، ظلت موريتانيا دائما تبحث عن ذاتها، متأرجحة بين عملية بناء وطني داخلي بالغة التعقيد و سعي دؤوب لإيجاد صيغ ملائمة لمقتضيات التعامل مع هاجس التحدي الدولي و الإقليمي الساعي دائما للتدخل في شؤون البلاد. و لعل موريتانيا باتت أكثر دول المنطقة تأثرا بتقلبات موازين العلاقات الدولية نظرا لطبيعة موقعها الجغرافي السياسي الإستراتيجي المتميز تبعا لتحولاتها الجيوسياسية التاريخية منذ موريتانيا الرومانية القديمة، مرورا بمرحلة الأمبراطورية  الصنهاجية و دولة المرابطين مدة طويلة من الزمن، لتتحول في لحظة معينة إلى مجرد "فراغ" تسيره الإدارة الفرنسية للتحكم في مستعمراتها في الشمال والغرب الإفريقي، ثم لتكون بعد الإستقلال "همزة وصل" بين غرب و شمال مستعمرات إفريقيا الفرنسية،  قبل أن  تصبح البوابة الخطرة لمنطقة الساحل الأفريقي التي تمور حاليا بالعنف و الاضطرابات المختلفة.

في البدء، قررت السلطات الاستعمارية الفرنسية سنة 1899 إنشاء ما يسمى بموريتانيا الغربية لدواعي جيوستراتيجية قصد اختبار قدراتها في فن تسيير الفراغ على حد تعبير الضابط العسكري و الكاتب الفرنسي المخضرم " أرنست بيشاري" (1883- 1914) من أجل مراقبة المنطقة الوسطى السائبة الواقعة ما بين مستعمراتها في كل من إفريقيا الشمالية العربية وإفريقيا الغربية الفرنسية أو السودان الفرنسي.

لقد ولدت موريتانيا من رحم تلك الصدمة الأولى و قد ظل تطورها "الدولتي" على الدوام بالغ التأثر بتذبذب ميزان العلاقات الدولية و بالثقل الساحق للمعطيات "الجيوسياسية"  الخاصة بها و بالمنطقة عموما خلال الخمسين سنة الماضية من عمر الدولة الوطنية في موريتانيا.
  
من المهادنة إلى المواجهة
بعد  تنامي الخطر المحدق  للتنظيمات الجهادية مثل القاعدة و أخواتها في الساحل الإفريقي، و على مدى السنوات القليلة الماضية، حسمت الحكومة الموريتانية الحالية خياراتها في المواجهة العسكرية المحدودة من خلال أسلوب الضربات الإستباقية. لكن، ما هو تقييم تلك الخيارات من الناحية الإستراتيجية؟ و ما مدى حظوظها في النجاح و الفشل؟ 

إذا لم تكن العمليات التي قام بها الجيش الموريتاني مؤخرا ضد القاعدة  داخل الأراضي المالية، تندرج في إطار سيناريو سياسي-عسكري دولي على طريقة عمليات الـ "كلاديو" أو ][1]Stay-Behind[ ، يتم تدبيره  بعناية و سرية لخلط الأوراق و لتغيير الأولويات تنفيذا لأجندات داخلية و/أو خارجية لجعل موريتانيا تُقحم في تصفية حسابات ذات طابع إقليمي صرف لا علاقة لها بالحرب على الإرهاب،  فإن مما لا شك فيه بأن الجماعة السلفية للدعوة و القتال (GSPC)- التي تحولت في سبتمبر/ أيلول 2006 إلى فرع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي (BAQMI) بعد إعلان ولائها  لتنظيم القاعدة الأم - قد نجحت تماما في زرع خلايا نشطة من الجهاديين يتمتعون  بقدرات تسليحية و لوجستية نوعية تمكنهم من فتح جبهة جديدة في موريتانيا رغم وجود أعضاء بارزين من التنظيم المسمى بـ "أنصار الله المرابطون" في المعتقل منذ سنوات، و هو التنظيم الذي يعتقد على نطاق واسع بأنه بات يمثل الفرع الموريتاني للقاعدة. وقد تعززت تلك القدرات التسليحية و اللوجستية و تضاعفت بعد انفجار الأوضاع الأمنية في ليبيا و تسرب السلاح و المسلحين منها نحو الشمال المالي و تركزهما خاصة في إقليم آزاواد في مالي.

فهل تشهد صحراء الساحل الإفريقي- تلك المنطقة المسحوقة إيكولوجيا واقتصاديا و المهجورة سكانيا - طورا جديدا من تحولاتها اللامتناهية عبر الزمن؟ فبعد أن عاشت في الماضي فتوحات امبراطورية المرابطين الأوائل وإشعاعهم الثقافي و الروحي الأطلسي والمتوسطي، تحولت منذ سنوات إلى مسرح كبير للإرهاب و لأعمال العنف المختلفة وكذا لأنشطة الرصد والعمليات الخاصة  للاستخبارات الدولية  في منطقتي المغرب العربي ودول إفريقيا جنوب الصحراء. و ها هي هذه المنطقة تصبح من جديد ميدانا للكر و الفر يأوي مخيمات تجميع  و تدريب عناصر الجهاديين قبل إرسالهم إلى الجبهات في الشيشان و العراق و باكستان و الصومال و كذا لتنفيذ عمليات نوعية  مختارة  من قبل تنظيم القاعدة ضد أهداف تكتيكية أو استراتيجية في موريتانيا و دول المنطقة و ربما في بعض دول أوروبا كذلك، كما تشير توقعات التقارير الدولية.

فلا غرو إذن، أن تسعى القوى الإقليمية والدولية المختلفة لوضع يدها على منطقة الساحل الإفريقي الإستراتيجية، التي ستكون لها الكلمة الفصل في تحديد مستقبل استقرار المنطقة في السنوات العشرين القادمة و تأمين ضمان السيطرة على الطريق الغربي للنفط و على المواقع الجديدة لاحتياطيات الطاقة و المعادن النفيسة المكتشفة مؤخرا في المنطقة.

سيناريو التدويل في الساحل
تسعى قوى إقليمية و دولية عديدة منذ عدة سنوات لتدويل خطر القاعدة في منطقة الساحل ضمن إطار خطة عسكرية لعموم الساحل الإفريقي تسمى "مبادرة لمكافحة الإرهاب في الساحل". و هي تشكل نواة للذراع المسلحة الأمريكية في دول جنوب الصحراء و الغرب الإفريقي. و تدخل في ذلك الإطار المناورات العسكرية المسماة بـ "فلينتوكس" أو "مدفع الحجر" التي شارك فيها سنة 2005 أكثر من 1000 عسكري من القوات الأمريكية الخاصة إلى جانب قوات افريقية متعددة الجنسيات.

إن استقراء موضوعيا للمعطيات المتاحة يؤكد حصول عدة تغيرات جيوسياسية هامة حدثت في المنطقة و لا بد من أخذها بعين الاعتبار عند تقييم الموقف العام من الناحية الإستراتيجية. و تتعلق هذه المعطيات بتطور الفاعلين الإستراتيجيين المعنيين من جهة، و بتغير  طبيعة التهديدات الأمنية نفسها و كذا بتطور مفهوم الأمن و الدفاع من جهة أخرى.

-         أولا: عملت القاعدة منذ عدة سنوات و تحت تأثير الضغط عليها في المشرق  الإسلامي (أفغانستان، الجزيرة العربية، العراق، اليمن) على نقل ثقلها التعبوي و الميداني من منطقة الشرق نحو الغرب الإسلامي للبحث عن ملاذات آمنة في منطقة الساحل الإفريقي. و بالفعل،  كانت تلك المنطقة من العالم  المسحوقة و المنسية قد تحولت في العشرين سنة الماضية إلى مسرح كبير للإرهاب و لأعمال العنف المختلفة وكذا لأنشطة إستخباراتية دولية  للرصد والعمليات الخاصة في منطقتي المغرب العربي و دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. و يشكل الربع الخالي الذي هو بمثابة "وزيرستان" الساحل في أقصى الشمال والشمال الشرقي من موريتانيا وامتداداته وصولا إلى إقليم آزواد في شمال مالي- الذي يقع على حدود أربع دول هي موريتانيا والجزائر و مالي والنيجر - فضاء مثاليا لإخفاء الرهائن الغربيين الذين يتم اختطافهم لحين تحريرهم بعد الحصول على فديات مالية معتبرة،  و كذا منطقة تخزين وعبور لآلاف الأطنان من المخدرات القادمة من إفريقيا و أمريكا اللاتينية في اتجاه دول الاتحاد الأوروبي عبر شواطئ موريتانيا والمغرب والجزائر و ليبيا. فهناك في "وزيراستان" الساحل، حيث تنمحي الحدود بين الدول عبر متاهات الرمال المتحركة، توجد جنة حقيقية لشبكات دولية متعددة تنشط في مجال تهريب المهاجرين السريين و أنواع الممنوعات كالمخدرات و السجائر و المحروقات و الأسلحة النارية و الذخيرة ، فضلاً عن كونها تشكل ملجأ للهاربين من العدالة والمتابعة الأمنية في دول المنطقة. لذا فقد وضعت القوى الإقليمية والدولية المختلفة عينها على هذه المنطقة الإستراتيجية التي ستكون لها الكلمة الأخيرة من الناحية الجيوسياسية في تحديد مستقبل الإستقرار في منطقة الساحل؛

-         ثانيا: استطاعت شبكات التهريب الدولية المذكورة أن تتكيف مع الظروف القاسية للساحل الصحراوي و أصبحت تعتمد على بعضها البعض ضمن إستراتيجية شاملة و معقدة من أجل البقاء، تتجاوز الخصوصية التنظيمية لكل شبكة على حدة. وهكذا تتساند شبكات التهريب الدولية هذه فيما بينها و توظف قدرات و خبرات بعضها البعض من خلال تقديم وكلائها لخدمات مأجورة تحت الطلب ضمن ما يشبه دورة اقتصادية مغلقة خاصة بها، تتطور بسرعة نحو نوع من "رأسمالية الإرهاب" أو "اقتصاد الإرهاب الريعي" أو "السياحة الجهادية".  كما يجدر بالذكر أن جميع تلك الشبكات قد تم اختراقها من طرف أجهزة مخابرات دول المنطقة و من وكالات الاستخبارات الدولية.  و نظرا لهذا التداخل و التشابك الشديد، يتعذر حاليا التمييز بين شبكة قد تتولى جمع المعلومات لصالح جهة ما و أخرى تضطلع بالجهاد أو تلك التي تختطف الرهائن أو تتاجر بالمخدرات أو بالأسلحة النارية، إلخ... و لعل صور  تلفزيون القناة الإسبانية التي  ظهر فيها المدعو عمر الصحراوي يقود سيارته بزهو مصطحبا رهينتين أسبانيتين بعد صفقة الإفراج عنهما، لتمثل خير دليل على قدرة تلك الشبكات على الانصهار في بوتقة واحدة تعتبر القاعدة المستفيد الأول منها ضمن صيغة "شركة القاعدة و أخواتها في الساحل". كما يثبت ذلك الشريط أن ترحيل عمر الصحراوي من موريتانيا إلى مالي- التي أخلت سبيله على الفور- كان من بين الأسباب الرئيسية التي أدت بتنظيم القاعدة إلى إطلاق سراح الرهينتين الاسبانيين، إضافة إلى الفدية المالية، التي قدرتها بعض المصادر بمبلغ 10 مليون يورو، أكدت وسائل الإعلام الاسبانية أن مدريد دفعتها للتنظيم مقابل الإفراج عن الرهائن. 

-         ثالثا: لقد تطور مفهوم الأمن نفسه بشكل جذري من المنظور الاستراتيجي. فمع ظهور مفهوم "الأمن البشري" الذي ابتكرته الدبلوماسية الكندية أواخر تسعينيات القرن الماضي و تبنته هيئة الأمم المتحدة من خلال تقرير التنمية البشرية لسنة 2004، تغيرت النظرة االكلاسيكية لمفهوم الأمن والدفاع. تلك النظرة التي كانت تحصر وظيفة الأمن فقط في تأمين السلطة الحاكمة و الدفاع عن الحوزة الترابية للدولة على حساب أمن البشر أو الأفراد، أي الناس العاديين الذين هم المواطنون في ظل دولة القانون. فقد أصبح تركيز السياسات الأمنية الجديدة  على أمن المواطن و تأمين احتياجاته أولا و قبل كل شيء، لتجعل من حفظ كرامته و احترام حقوقه و تحقيق طموحاته في التنمية المستدامة و رعاية مصالحه الحيوية المشروعة نقطة مرجعية لرسم السياسات العمومية في مجال الأمن. فهل تمتلك موريتانيا عقيدة  وطنية للأمن القومي، أحرى أن تتوفر على إستراتيجية متكاملة "للأمن البشري" مدعمة بخطط عمل جاهزة للتنفيذ  من أجل حماية الوطن بمفهومه المركب. لقد ظل مفهوم الأمن الوطني في موريتانيا غامضا، كما بقيت أغلب إيحاءاته سلبية بالنظر لطبيعة الممارسات الأمنية المتعسفة التي قادت البلاد إلى شتى صنوف التجاوزات و سوء استخدام النفوذ. و هكذا، ظلت وظيفة الأمن، التي يفترض أن تكون متكاملة أي القوة الناعمة و القوة الخشنة، مختزلة في نواتها العنفية كجهاز للقمع همه المطلق هو حماية الأحكام السياسية المتعاقبة و التنكيل بأفراد الشعب العاديين.

-         رابعا:  تطورت طبيعة التهديدات التي تمثلها القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي من مرحلة المشكل الداخلي المقلق لكل دولة على حدة إلى قضية إقليمية جيوسياسية بالغة الحساسية. و هذا البعد الإقليمي للقضية تم  حتى الآن توظيفه في لعبة التجاذبات الإقليمية للعلاقات و المصالح الدولية السياسية و الاقتصادية و الأمنية مثل إشكالية العلاقات الثنائية الحذرة و المثقلة بتداعيات الماضي الإستعمارى بين الجزائر و فرنسا، و كذالك في ترجيح ميزان القوة في النزاعات الإقليمية و المحلية مثل إشكالية الصحراء الغربية بين المغرب و الجزائر و إشكالية حركات التمرد الطارقية في شمال مالي، خاصة بعد انفصال إقليم آزاواد و الإعلان عن استقلاله من طرف واحد.

أما بعد أن أصبحت القيادة العسكرية الأمريكية الجديدة لإفريقيا  (AFRICOM) مستقلة، فقد قامت بانجاز برنامج لمكافحة الإرهاب في غرب إفريقيا و بوضع برنامج لأمن السواحل في خليج غينيا، كما رتبت أيضا لإقامة قواعد عسكرية في البلدان الإفريقية التي لديها إنتاج كبير من البترول أو تتوفر على احتياطات نفطية هامة.  و هي تتفاوض حاليا لإنشاء مواقع عمليات متقدمة في كل من السنغال ومالي وموريتانيا و غانا و الغابون و ناميبيا على الحدود مع آنغولا من أجل تحسين مهابط الطائرات و تخزين الوقود و إيجاد تفاهمات مع الحكومات المحلية تسمح بالانتشار السريع للقوات العسكرية إذا اقتضى الأمر ذلك. و تهدف كل هذه الجهود إلى ضمان السيطرة الأمريكية و الأوروبية على الطريق الغربي للنفط و كذا على المواقع الجديدة والحيوية لاحتياطيات النفط و المعادن النفيسة المكتشفة مؤخرا في تلك المنطقة. 

من القاعدة إلى لعنة الموارد الأحفورية
هل  نزلت لعنة الموارد الأحفورية كالنفط و الغاز  و اليورانيوم على منطقة الساحل في اللحظة غير المناسبة؟ و كيف السبيل إلى طرد عفاريت النفط والغاز التي بدأت تخرج من قمقمها في الصحراء لتؤجج صراع المصالح و المنافع المتفقة حينا و المتضاربة أحيانا أخرى بين القوى الدولية و الإقليمية؟ و هل ستذهب المنطقة ضحية للحرب على القاعدة  لتدفع ثمن متغيرات التنافس و التحالف بين الأميركيين والفرنسيين في سبيل السيطرة السياسية والعسكرية و الاقتصادية على شبه المنطقة و على مواردها الطبيعية لضمان تدفق إمدادات الطاقة  الضرورية نحو تلك الدول و المحافظة على مكانتها و نفوذها كقوى دولية اقتصادية و صناعية كبرى؟

هكذا ظل الأمر دائما في كل زمان و مكان: البنادق تسير على خطا التجارة. فبعد أن دخلت شركات النفط الغربية العملاقة مثل مجموعة توتال الفرنسية التي يبلغ رقم أعمالها السنوي أكثر من 12 مليار يورو  و  يتجاوز عدد عمالها 90.000، في سباق محموم من أجل الحصول على نفط منطقة الغرب الإفريقي، ها هي تطالب بتأمين الأمن والاستقرار كشرط ضروري للقيام بأنشطتها و تأمين استثماراتها. و وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال"، تعمل القيادة العسكرية الأمريكية لأوروبا حاليا مع غرفة التجارة الأميركية على توسيع نفوذ الشركات الأمريكية في إفريقيا، كجزء من "إستراتيجية وطنية مندمجة للاستجابة". و في هذا السباق الاقتصادي المحموم للسيطرة على موارد النفط في إفريقيا، تدخل الدول الاستعمارية السابقة و غيرها كبريطانيا و فرنسا، فضلا عن الصين، كل حسب مصالحها القومية، في تنافس شديد مع الولايات المتحدة.

و تبعا لتقرير صادر عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية سنة 2006 تحت عنوان بالغ الدلالة "أكثر من الإنسانية: مقاربة إستراتيجية أميركية تجاه إفريقيا"، فإن إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من المرجح أن تصبح مصدرا لتزويد الولايات المتحدة بالطاقة  بمستوى أهمية الشرق الأوسط مع نهاية العقد الحالي.

و ترجح بعض مراكز الدراسات الإستراتيجية الأمريكية بأن غرب إفريقيا يحتوي على زهاء 60 مليار برميل من احتياطي النفط المؤكد، وهو خام خفيف منخفض الكبريت  يحظى بتقدير كبير لدى المصانع الأمريكية وكبريات شركات التزويد بالطاقة.

و يتوقع الخبراء أن  برميلا واحدا من بين كل 5 براميل من النفط يدخل دائرة الاقتصاد العالمي في النصف الثاني من العقد الحالي سيأتي من خليج غينيا، و أن حصة  الواردات الأمريكية من النفط  القادمة من تلك المنطقة سترتفع من 20% سنة 2010  إلى 25 % سنة 2015. خاصة إذا علمنا بأن صادرات نيجيريا وحدها تمثل حاليا 10%  من إمدادات النفط التي تستوردها الولايات المتحدة، كما توفر آنغولا 4%، ومن المتوقع أن تتضاعف حصتها بحلول نهاية العقد الحالي. كما أن اكتشاف احتياطيات بترولية جديدة مهمة، خاصة في غانا و كذا التوسع في إنتاج النفط  الذي تقوم به بلدان أخرى في المنطقة يزيد من فرص تصدير النفط إلى الغرب، و تشمل هذه البلدان كلا من: غينيا الاستوائية و وساو تومي و برينسيبي والغابون والكاميرون و موريتانيا و تشاد و السودان.

إن تصعيد الوجود العسكري الأميركي في أفريقيا كثيرا ما يبرر بضرورة مكافحة الإرهاب والتصدي لتنامي عدم الاستقرار في المنطقة النفطية من إفريقيا جنوب الصحراء.  و قد نصت وثيقة "إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة" الصادرة سنة 2002  على أن مكافحة الإرهاب الدولي و الحاجة إلى ضمان أمن مصادر الطاقة للولايات المتحدة  تملي عليها السعي لزيادة انخراطها في إفريقيا، كما دعت تلك الوثيقة إلى قيام تحالف طوعي من أجل إقامة ترتيبات أمنية خاصة في تلك القارة. كما أن فرنسا كانت قد أنشئت  سنة  2003  آلية تسمى "فريق مكافحة الإرهاب" التابع لمجموعة G8 "Groupe d'action anti-terroriste" أثناء الرئاسة الفرنسية لتلك المجموعة. و يجري هذه الآلية سلسلة اجتماعات تشاورية مكثفة تشارك فيها مجموعات من الخبراء التابعين لفريق مكافحة الإرهاب من أجل تقييم الأوضاع الأمنية في المنطقة خاصة بعد العمليات التي نفذها الجيش الموريتاني ضد القاعدة داخل الأراضي المالية في السنوات الأخيرة و كذا بعد الانفصال الحاصل في الشمال المالي و سيطرة القاعدة و متمردي الطوارق على إقليم آزاواد.

 

و تدرس دول الاتحاد الأوروبي حاليا للمرة الأولى على أعلي مستوى الوسائل الكفيلة بتقديم مساعدة لدول الساحل التي تواجه إرهاب القاعدة في الساحل من أجل تأهيل قوات الأمن المحلية في النيجر وموريتانيا ومالي خاصة. و قد تعقد هذا الملف أكثر و تضاعفت حساسيته و خطورة تداعياته داخليا و خارجيا خاصة بعد تبنى مجلس الامن الدولي بالإجماع قرارا يسمح فيه بنشر قوة دولية في مالي دون تحديد جدول زمني  لبدء عملية عسكرية في شمال مالي بهدف طرد المجموعات المتطرفة المسلحة التي تسيطر على هذه المنطقة منذ ستة أشهــر، و ما تلى ذلك من تدخل عسكري فرنسي – غربي- افريقي في شمال مالي و كل ما سيترتب على ذلك من تداعيات مختلفة على دول و شعوب المنطقة و على السلم و الاستقرار في العالم.

 

و كان  الكونغرس الأميركي قد وافق من قبل على تقديم دعم مالي لـ "مبادرة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء"  the Trans-Saharan Counterterrorism Initiative(TSCTI)  بمبلغ 500 مليون دولار  على مدى ست سنوات لدعم البلدان المعنية بمكافحة الإرهاب ضد التهديدات المزعومة لتنظيم القاعدة. و هذه البلدان هي الجزائر و تشاد و مالي و موريتانيا و النيجر و السنغال و نيجيريا والمغرب. و يهدف البرنامج المذكور إلى دعم قدرات هذه الدول في مجال مكافحة تهريب الأسلحة والاتجار بالمخدرات، فضلا عن مكافحة الإرهاب.

 موريتانيا و مأزق الحلقة الأضعف
لا تخفى على أحد هي أن موريتانيا تعاني من مفارقات هائلة و تباينات حادة في طبيعة المعطيات الجغرافية و الديموغرافية مثل كبر حجم المساحة و ترامي المسافات في ما بينها، إذ تتجاوز مساحة البلاد أكثر من مليون كلم²، بينما  تتجاوز الحدود البرية 5000 كلم، و يبلغ طول الساحل البحري على المحيط الأطلسي وحده 754 كلم، و طول الحدود على شاطئ نهر السينغال850  كلم. هذا إلى جانب ضعف شديد في الكثافة السكانية بمعدل 2,5 نسمة/كم² ويصل إلى صفر نسمة/كم² في كثير من مناطق البلاد، بالإضافة إلى انعدام و/أو ضعف الوسائل التكنولوجية واللوجستية مثل الأقمار الصناعية و أنظمة الرصد و التجسس و شبكات قواعد البيانات و أجهزة المراقبة و التنصت الإلكتروني، و قواعد التحكم و السيطرة العملاتية، و منظومات تحليل المعلومات، إلخ.

و تشير المصادر الإحصائية المتخصصة إلى وجود نقص حاد في البنى التحتية و المعدات و التجهيزات العسكرية، الأمنية و الدفاعية تعاني منه القوات المسلحة و قوى الأمن في موريتانيا. كما يضاف إلى ذلك محدودية الموارد المالية للدولة المخصصة للإنفاق العسكري من أجل رفع الجاهزية التعبوية و القتالية لوحدات الجيش و قوى الأمن، و التي بلغت سنة 2003 نسبة 4,9% من الناتج الداخلي الخام للدولة، لتنخفض سنة 2009 إلى نسبة 3,9% فقط.

و تقدر دورية "كلوبال سكيوريتي GlobalSecurity" المتخصصة في الشؤون الإستراتيجية الدولية مبلغ الإنفاق العسكري في موريتانيا بـ 19 مليون دولار سنة 2005، بينما بلغ حجم الإنفاق العسكري لنفس السنة في الجزائر 3 مليار دولار، و في المغرب 2,3   مليار دولار، و في السنغال 117  مليون دولار، و في مالي 50 مليون دولار، و في  النيجر 45 مليون دولار، و في إسرائيل 9,4  مليار دولار، و في تركيا 12,2  مليار دولار، و في ليبيا 590  مليون دولار، و في تونس 440  مليون دولار.  و يتوقع أن تصل مخصصات الدفاع المقترحة في الميزانية الموريتانية لسنة 2013 إلى مبلغ 150 مليون دولار أمريكي هذه السنة.

يظهر تشخيص الوضعية الإستراتيجية للبلاد أنها تعاني  من اختلال بنيوي حقيقي يتمثل في عدم وجود هيكلة تنظيمية ناضجة وجادة للأمن والدفاع القومي من شأنها أن تكون قادرة حقا على التعامل مع التحديات التي تواجهها موريتانيا اليوم، أحرى أن تكون قادرة على تحقيق نصر يذكر في مواجهة عسكرية محتملة مع تنظيم القاعدة الذي أعيى القوى  الدولية العظمى و كبدها خسائر بآلاف المليارات من الدولار في أفغانستان و العراق و الصومال وغيرها. و يكفي أن نشير مثلا إلى أن   التكاليف المالية لمشاركة فرنسا  وحدها،  و قد كانت دولة غير رئيسة في ائتلاف الحرب على الإرهاب في أفغانستان، كانت تقدر بـ 1,3 مليون يورو يوميا!  قبل أن تسحب قواتها من ذلك البلد لتزج بها في الساحل الإفريقي.
ثم أن القوى الغربية المتورطة في الحرب على أفغانستان منذ أكثر من عشر سنوات، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، تبحث الآن لنفسها عن مخرج مشرف و هي تتفاوض حاليا بصفة سرية مع طالبان للوصول إلى حل سياسي!

لا شك أن موريتانيا ليست كالبلدان المجاورة الأخرى، و تختلف وضعيتها عن شقيقتيها الجارتين المغرب و الجزائر، و هذا واضح جدا مما تقدم ذكره. فمثل تلك البلدان لها تقاليد دولتية إدارية، أمنية و عسكرية عريقة جدا، و لها خبرت في حقل العلاقات الدولية تتجاوز قرونا من الزمن، فضلا عن مواردها البشرية و العلمية و المالية المعتبرة. إنها فعلا دول تمتلك عدة خيارات متاحة في مجال التعاطي مع موضوع الإرهاب و الجريمة المنظمة من بينها الخيار الأمني لمواجهة القاعدة أو غيرها. أما بالنسبة لموريتانيا، فسواء مع أو بدون تهديدات القاعدة، لا يمتلك هذا البلد في الوقت الراهن خيارا أمنيا ناضجا ضد أي تهديد أمني واقع أو محتمل أيا كان مصدره.

ببساطة، لم يسبق أن وضعت موريتانيا لنفسها إستراتيجية أمنية شاملة من هذا القبيل. و قد مضى أكثر من نصف قرن من الزمان على استقلال البلاد و لما توجد بعد إرادة سياسية حقيقية  لتتحمل بجدية هذه المسؤولية باعتبارها حاجة ملحة لوجود الدولة الموريتانية واستقرارها و استمرارها في المستقبل ضمن محيط إقليمي و دولي بالغ الاضطراب و التعقيد.

و هكذا، ضاعت على موريتانيا فرصة انتهاج سياسات عمومية جدية تخطط لتعبئة وتنظيم ونشر الوسائل العسكرية، البشرية منها و المادية كالتجهيزات و الآليات والمعدات التسليحية والتقنية و اللوجستية اللازمة لقطاع الأمن و الدفاع بشكل يتناسب مع الاحتياجات الإستراتيجية الحقيقة للدولة الموريتانية ضمن إكراهات موقعها و حدودها المعروفة. كما أن مسؤولية تقييم و أخذ الحقائق الاجتماعية والاقتصادية و الإكراهات البشرية والطبيعية والجغرافية والجيوسياسية بعين الاعتبار في عملية بناء منطقي لمنظومة أمنية و دفاعية قادرة على الاضطلاع بمهام "الأمن البشري" للجمهورية والدفاع عنها، قد ظلت حتى الآن انشغالا غائبا في مشروع الدولة الموريتانية المعاصرة.

 و يرجع ذلك  لأسباب كثيرة تتعلق بضعف الموارد المالية للدولة و تعدد أولوياتها في مجال التنمية و كذا نقص الوعي لدى أغلبية النخب المسؤولة عن صناعة القرار بقيمة و أهمية التراكم المعرفي الإستراتيجي، و عدم الاهتمام بتطوير البحث العلمي وانعدام مراكز البحوث المتخصصة و نقص التدريب المهني و ضعف مستوى القدرات و غياب التأهيل المهني المستمر للكادر البشري. هذا طبعا، بالإضافة إلى عامل الخوف المزمن لدى أنظمة الحكم المتعاقبة من تنامي القوة المحتملة للجيش و قوى الأمن في بلد له تقاليده المعروفة في مجال الانقلابات العسكرية.

باختصار، إن القدرات العسكرية على الاستجابة الفورية لتهديدات أمنية جدية و خطيرة ـ مهما كان مصدرهاـ تستهدف وجود الدولة الوطنية الموريتانية في الصميم كالجريمة المنظمة و الإرهاب و تهريب المخدرات و الاتجار غير المشروع بالممنوعات والهجرة السرية، الخ.…، لم تحظ حتى بالاهتمام السياسي النوعي المطلوب. و لم يسبق أن سجل هذا الشكل من المشاريع ضمن أولويات السياسات العمومية بالنسبة للأحكام المتعاقبة على هذه البلاد  طيلة الخمسين سنة الماضية.

و في مثل هذه  السياقات الحذرة، يحتم الموقف الجيوستراتيجي الحساس على الحكومات الموريتانية أن تجتهد بصدق في حسن قراءة خارطة المعطيات و المؤشرات المتعلقة بقضايا الأمن الإستراتيجي و التهديدات الإرهابية للقاعدة و غيرها، قصد بناء السيناريوهات الممكنة لتسيير المواجهة على أسس علمية، و من ثم يتوجب عليها أن تعيد تقييم خياراتها على أساس المفاضلة الموضوعية في ما بين تلك السناريوهات، أما في ظل التطورات الجيوستراتيجية الجارية، فيتحتم على النخب السياسية و على صناع القرار في موريتانيا أن يواجهوا هذا الواقع  الإستراتيجي بشجاعة أدبية و صدق مع النفس و مع الرأي العام الوطني، الذي ينتظر منهم ذلك،  بما يخدم المصلحة الوطنية بكل مسؤولية و تجرد.
فمصير الدولة التي قد لا تحسن المناورة الإستراتيجية هو أن يحكم عليها بالخضوع لمناورات دول أخرى عرفت كيف تجيد اتخاذ قراراتها في الوقت المناسب.

لا مصلحة لموريتانيا في التورط مع أي ائتلاف أمني ـ عسكري تحت ذريعة الحرب على الإرهاب في منطقة الساحل. و لا يمكن لمثل تلك القرارات المغامرة أن تكون من الحكمة و لا من الرشاد في شيء. بل، لقد ثبت فشلها في أنحاء عديدة من العالم و جلبت الخراب و الدمار للبلاد و العباد في الصومال، و أفغانستان، و العراق، إلخ. و هي فضلا عن كونها ستبقى مرفوضة من طرف الرأي العام الوطني والطبقة السياسية الشريفة، فهي لا يمكن أن تمثل الجبهة الحقيقة التي يتوجب على موريتانيا أن تحشد لها العدة و تعلن لها النفير. و سيظل من الأولى أن تكون حرب موريتانيا  الحقيقية و جهادها و تحالفها هو أساسا ضد التخلف و الفقر و الجهل و المرض و البطالة و التهميش و الظلم والغش و التلاعب بالمصالح العليا للشعب و الأمة. إن موريتانيا بحاجة ـ أكثر من أي وقت مضى ـ إلى تغيير نظرتها إلى الأمور كدولة، ليس بطريقة تلمس الخطأ و الصواب، بل بشكل منهجي مدروس يهدف إلى إعادة صياغة و ترميم عميق لسياساتها الأمنية والدفاعية فضلا عن تدبير دبلوماسيتها على الصعيد الدولي بطريقة علمية، مهنية و فعالة كما يفعل الآخرون.

إن قضايا الأمن و الدفاع و السياسة الخارجية و الدبلوماسية في الحقيقة هي مجالات بالغة الحساسية و لا يمكن أن تنسجم مع غلبة الارتجال و اللامبالاة و غياب المهنية، و انتشار التعامل الزبوني. لم يعد في الإمكان تأخير إصلاح حقيقي يطال جوهر و شكل السياسات العمومية المذكورة، فقد حان الوقت لأن تتغير النظرة الضيقة للأمن وللدفاع في موريتانيا، المحصورة تقليديا في أمن السلطة الحاكمة و أمن الإقليم الترابي على حساب الاهتمام بأمن البشر أو المواطنين العادين في ظل دولة القانون.  إن مثل هذا التغيير في الأفق، يقتضى من الآن فصاعدا أن تركز السياسات العمومية أولوياتها  على الأمن البشري أي أمن المواطن أولا و قبل كل شيء. إن مستقبل البلاد مرهون اليوم بإدخال إصلاحات عميقة على كيان الدولة الموريتانية من أجل إعادة هندسة وظائفها الرئيسية من النواحي الإيديولوجية و الإستراتيجية و التشريعية، و المؤسسية.

أما حرب نابليون في مالي..  فهي بوابة أفغانستان الجديدة التي اشرعت أخيرا في المنطقة لإعادة رسم خارطتها من جديد.. خارطة الساحل الجديد.. قادمة.. و هي  ستكون بطعم شوربة الضفادع على الطريقة الفرنسية.

 كلنا نشعر الآن.. و كأن السيدين اللدودين  سايكس و بيكو يتململان في قبريهما.. و يأخذان من جديد أقلام الرصاص و قصاصات ورق أبيض .. و خرائط رمادية لمنطقة الساحل .. إنهما  يستعدان الآن  لرسم خطوط جديدة .. و حدود جديدة.. و كيانات جديدة.. تقسيم المقسم.. و تجزئة المجزء..
و لا أحد بمنأى عن أقلام رصاص ساسكس و بيكو الجديد.

محمد السالك ولد إبراهيم
خبير في العلاقات الدولية،
كبير الباحثين/ المركز الموريتاني لأبحاث التنمية و المستقبل





سيدي محمد ولد بوبكر: قراءة في طموح سياسي مثير؟

حتى وإن بَدَا متأخرًا ذلك الطموح السياسي الذي أبانَ عنه الوزير الأول الأسبق السيد سيدي محمد ولد بوبكر، من خلال الإعلان عن ترشحه للمنصب...