lundi 28 février 2011

الثورة الموريتانية: حلم أم كابوس؟

 لعل أهم ما يميز عصر الجماهير الرقمية هو "الواقعية الافتراضية" للثورات الجديدة، التي لا يقودها تنظيم سري و لا معارضة سياسية لا داخلية ولا خارجية، ولا تعبئ لها دعاية صحافة كلاسيكية وطنية أو دولية. هذه ثورات  من صنع آليات أخرى جديدة كليا تتمثل في تكنولوجيات الاتصال الحديثة و تطبيقاتها التواصلية المختلفة مثل اليوتوب و الفيسبوك و تويتر و الديليموشن، و غيرها! و ما كان لهذه الثورات أن تنتصر، و ما كان للعالم أن يعرف عنها شيئا أو يتابع أخبارها على مدار الساعة لولا وجود شبكة الإنترنت والهواتف الجوالة المزودة بالكاميرات وآلات التصوير الرقمية و الويب كام، و غيرها من تلك الأدوات الإلكترونية الصغيرة و العجيبة. بل إن الثورات الجديدة تتم على طريقة البرمجيات المفتوحة المصدر(OPEN SOURCE)  في مجال علوم الكومبيوتر. وهي تقنية جديدة توفر النص المصدري للبرنامج بكوداته و أيقوناته المختلفة، و تمنح حرية توزيعه  و تطويره من خلال إنتاج برمجيات أخرى مشتقة أو معدلة من البرنامج الأصلي مع حرية توزيعها أيضا. إنه جيل جديد من الثورات الاجتماعية تختلف جيناته الوراثية و خارطة حمضه النوويDNA  عن كل ما سبق.

و إذا كانت الثورات - كظاهرة ثقافية وكشكل من أشكال التعبير الإنساني- قد ظلت على مر العصور تتشابه لكن دون أن تتماهى، و تتناسل دون أن تستنسخ صناعيا على طريقة النعجة "دولي"، فماذا سيكون مصير إرهاصات الثورة الموريتانية التي تبشر بها الآن الحركات الشبابية على الفيسبوك، خاصة بعد إطلاق أولى شرارات الاحتجاج هذا الأسبوع من خلال المظاهرة التي نظمها شباب 25 فبراير في ساحة "ابلوكات" وسط  العاصمة انواكشوط.  طبعا، لا أحد يستطيع قراءة الغيب و لا التنبؤ بمستقبل هذه الاحتجاجات لأن الوقت ما يزال مبكرا! و لأن هذه المحاولات التي و إن اتسمت بالجرأة، فهي لا تزال في المهد تبحث عن ذاتها و تتلمس طريقها بين الركام وسط العواصف الرملية لصيف حارق بدأ قبل أوانه.

 و رغم أن مصير مشروع الثورة الموريتانية تحكمه نفس المعطيات محليا و إقليميا و دوليا، التي ظلت تحكم مختلف مناحي الحياة و الصيرورة السياسية و المجتمعية في هذا القطر الهامشي من الوطن العربي عموما و المغرب العربي (المركز و المحيط) و دول إفريقيا الغربية الفرنسية سابقا و لاحقا، منذ عهد الاستقلال و حتى الآن،  فيمكنا، دون مجازفة، أن نتصور مسارين مختلفين لخط تطور الحركة الاحتجاجية الحالية على نحو ما. و مع فرضية استبعاد قمع الحركة الاحتجاجية في حالة تعاظمها، هناك احتمالان لتطورها في ما يمكن استقراؤه موضوعيا حسب المعطيات المتوفرة حتى الآن.

فإما أن تنطفئ جذوة الحماس بعد أيام قليلة دون بلوغ الزخم المنشود للحركة الاحتجاجية وسط تجاهل غالبية الموريتانيين المنشغلين بأمور حياتهم اليومية، و في ظل قسوة الظروف المناخية السائدة حاليا في العاصمة.. و إما أن الظروف النفسية و المجتمعية للتغيير السياسي المدني قد نضجت في موريتانيا.. و عندها، ستنجح ثورة 25 فبراير في النهاية كطبعة محلية لمسلسل الثورات العربية الجارية حاليا.. و بالتالي، لن تستطيع أي قوة في الوجود أن توقف مسار التاريخ و المجتمعات... إذا نضجت ظروف التغيير.

هناك عدة مؤشرات لا بد من أخذها بعين الاعتبار عند تحليل الحالة الموريتانية مثل وجود جو عام من "المد ثوري" يسود المنطقة، بالإضافة إلى الشرعية التي يولدها و التأثير السيكولوجي الذي يخلقه خاصة في الأوساط الشبابية المندمجة كليا في التعاطي مع الثورات التي تحققت حتى الآن في بعض الأقطار العربية، و هي أمور تستفيد منها بلا شك الحالة الموريتانية.  لكن، في الحقيقة ما يزال هذا المناخ متغيرا و معقدا كما نرى في مصر، أو مضطربا و مشوشا كما في تونس، أو هو في وضعية تراجيديا كارثية غير محسومة كما في ليبيا.   و بشكل عام، هناك ما يسمى بمفعول"الدومينو" الذي بدأ يسري في المنطقة العربية منذ نجاح الثورة التونسية عندما أسقط الشارع أول رئيس في العالم العربي قبل حوالي شهر ونصف.


لكن حالة موريتانيا، التي التحقت متأخرة بالركب، بعد كل من اليمن و البحرين والأردن و الجزائر و المغرب، التي قطعت فيها الاحتجاجات أشواطا معتبرة، تفتقد إلى العديد من "المزايا التنافسية" التي قد تسهم في بقائها على هامش "الثورات العربية" الجارية حاليا، أو لنقل، ستبقى موريتانيا مستوردا أو مستهلكا للثورة أكثر من كونها "ثائرة" . و رغم أن موريتانيا هي أحوج ما تكون الآن إلى وقفة تأملية صادقة من  أجل تفعيل إصلاح حقيقي للمسار الديمقراطي بين ومع مختلف الفاعلين السياسيين في الساحة وخارجها وتبني مبادرة إعادة بناء أيديولوجيا وطنية عصرية تتعالى على الثنائية الكلاسيكية لـ "السلطة والمعارضة" و تقوم على أسس جديدة وجدية تتركز حول قضايا: (أ) مصلحة و(ب) أمن و(ج) استقرار و(د) تنمية الجمهورية الإسلامية الموريتانية، فمن المتوقع أن تظل منفعلة بالثورة العربية أكثر من كونها فاعلا محوريا في تجسيدها على أرض الواقع.

 أما المزايا النسبية التي قد تجعل موريتانيا في الوقت الراهن أقل "استعدادا" من غيرها للثورة، فهي عديدة نذكر منها: كونها البلد العربي الأكثر تقدما في مجال التنظيم الدستوري و الديمقراطية التعددية ومستوى المشاركة السياسية لقوى المعارضة التقليدية و كذا مستوى شفافية الانتخابات و حرية التنظيم و التعبير بالمقارنة مع بقية البلدان العربية. فموريتانيا رغم "هامشيتها"  المحرجة تبقى حالة عربية متقدمة من حيث ممارسة الديمقراطية التعددية، رغم جميع المساوئ و التعثرات. لكن، لا بد أن نذكر بالمقابل بأن الحالة الموريتانية تتميز كذلك بخصائص مناخ الصحراء وتقلباته المفاجئة و ما ينتج عن ذلك من انعدام للاستقرار السياسي و كثرة الانقلابات العسكرية، واستشراء الديمقراطيات الانتقالية. كما تصطدم قابلية الحالة الموريتانية للثورة بالكثير من المعوقات البنيوية "غير المفكر" في مخاطرها مثل احتمالات مواجهة المشاكل الأمنية كانفلات الأمني الداخلي، و انتشار العنف المسلح و الإرهاب أو مثل انفراط عقد الوحدة الوطنية، و نشوب الفوضى و الحروب الأهلية، و هي اعتبارات كلها واردة موضوعيا، و لا شك أنها قد ترفع التكلفة المجتمعية و الإستراتيجية للتغيير المدني إلى حدود قياسية، و تلقي بظلال من الشك على عقلانية و جدوائية مشروع الثورة في موريتانيا، و هو لا يزال في المهد يبحث عن ذاته و يتلمس طريقه وسط ركام "ابلوكات".

و إذا كانت العوامل السياسية مثل أزمات الثقة داخل آليات مؤسسات السلطة و المعارضة في موريتانيا و كذا تعرقل المسار الديمقراطي و انحسار المشاركة و تنامي الصراع على الحكم، بالإضافة إلى العوامل  المجتمعية والاقتصادية التي تغذي أكثر نوازع الثورة، مثل تعثر خطط الإصلاحات الاقتصادية و فشل برامج مكافحة الفقر وتخلف الغطاء الصحي والضمان الاجتماعي واتساع دائرة التهميش و استفحال البطالة، و  تراكم الإحباط والتوتر، و الغلاء المعيشي، إلا أننا نجد إلى جانبها عوامل أخرى لا تساعد على الثورة و لا تخدم آفاقها في الوقت الراهن على الأقل كما ذكرنا.

 و عموما، لا يمكن لأحد أن يتوقع موضوعيا أن تبقى موريتانيا لفترة طويلة بعيدا عما يجري في بقية بلدان المنطقة العربية، فالتغيير قادم لا محالة، و لو من باب المحاكاة و التأثر و التأثير المتبادل بين المركز و المحيط.   كما لا يمكن لأحد في الوقت الراهن التكهن بمستوى أو درجة أو طبيعته أو محتوى التغيير الذي قد تأتي به ثورة الشباب إذا نجحت يوما ما في موريتانيا. و ليس من باب تثبيط الهمم و لا ذر الرماد في العيون أن نقول بأن الثورة القادمة في موريتانيا بقدر ما هي تمثل حلما جميلا يصلح أن تتغنى به الجماهير و تعلق عليه الكثير من آمالها، فإنها كذلك  قد تكون كابوسا مرعبا، يجدر بالموريتانيين أن يفكروا جديا في آثاره و تداعياته المختلفة قبل الإقدام عليه، كما يتوجب عليهم كذلك تدقيق حسابات الربح و الخسارة، فالقيام بثورة هو دائما عمل بطولي، لكنه يبقى مسؤولية كبيرة يعتد فيها بالنتائج على الأرض و ليس بحسن النية فقط.
 و لعل الكثيرين يدركون الآن، أنه من بين  نماذج أو"كاتالوجات" الثورات العربية الجارية حاليا، تبقى الحالية الموريتانية  أقرب من الناحية السوسيولوجية و التاريخية إلى السيناريو الليبي منها إلى الحالتين التونسية و المصرية. فالتركيبة المجتمعية القبلية و الإثنية للمجتمع في بلادنا ما تزال قوية، و مستوى الاندماج الطبقي للفئات المسحوقة و المهشمة و معالجة قضايا الفقر و الرق ما تزال ضعيفة، هذا بالإضافة إلى هشاشة مرتكزات و هياكل الدولة الوطنية التي  تعجز حتى الآن عن منافسة الأطر المجتمعية التقليدية، و كذا انتشار الفساد و الزبونية والمحسوبية. و كلها معطيات تجعل موريتانيا أقرب في هذه الناحية  من حالات ليبيا و اليمن، ولو أنها من حيث مستوى التحديث المؤسساتي و التنظيم الإداري للدولة تبقى أقرب إلى حالات تونس و مصر.

و على كل حال، لا شك أن الأنظار التي تتجه الآن إلى مصير الثورة الليبية، فهو الذي سيضع مستقبل الثورات العربية كلها سواء في موريتانيا أو في غيرها من البلدان على المحك. فكل ثورة ناجحة  في البلاد العربية ستغري الشباب بالمزيد من الثورات، لكن ثورة واحدة بالتكلفة الإنسانية الرهيبة و بحجم المخاطر الإجتماعية و الإقتصادية و الإستراتيجية  الهائلة، كما هو حاصل الآن في ليبيا و عمق الهزات التي تهدد كيان هذا البلد، لن تكون - بكل تأكيد - عاملا  محفزا على الاستمرار في هذا النهج و لو في الوقت الراهن على الأقل. فهل سيتضح قريبا الخيط الأبيض من الخيط الأسود من فجر الثورة الموريتانية؟ و هل سيرتفع برجها في سماء ساحة "ابلوكات" قبل بقية الأبراج الموعودة؟

28 فبراير 2011
محمد السالك ولد إبراهيم
medsaleck@gmail.com

mardi 22 février 2011

كش.. يا ملك البلطجية

القذافي طائش و فاحش.. و مجنون.. بلطجي حقير في ثوب زعيم.. و مجرم محترف في عباءة قائد.. القذافي جنس هجين من الدكتاتوريات العربية.. لا أصل له و لا دين.. لا يحكمه عقل و لا منطق.. جاهل بالأصول.. و ناكر للجميل.. القذافي مظهري و.. نرجسي سخيف..القذافي مغرور.. ومكابر.. وأهوج.. و معاند..  القذافي فقاعة جوفاء.. ثرثار وقح.. تطاول على كل المقدسات.. و تجاسر على كل القيم..القذافي خرب البلاد.. و ضلل العباد.. كسر شعبه .. و أفنى عمره في العبثية.. و الظلامية.. و فنون التنكر.. و الغباء.. القذافي احترف التنطع.. و الكوميديا  الهزلية السقيمة .. و مسرحيات اللامعقول.. "السلطة بيد الشعب.. والثروة بيد الشعب.. و السلاح بيد الشعب" شعارات فارغة .. و كاذبة.. و مخادعة.. لا تساوي حتى الحبر الذي كتبت به..
القذافي ابن غير شرعي من كل الجهات.. عتل بعد ذلك زنيم.. حسب كل القرائن و الشهادات.. يهودي بأمه (رزالا تمام).. صهيوني بأفعاله..  رجل عصابات.. و عميل "مافيوي" بأسلوبه.. و "أرهاصه".. القذافي.. فاشل و كاسد.. و "منسوخ"..


القذافي فوضوي .. و عدمي و عبثي.. متكلس المشاعر.. شوه الثوريين برعونته.. و جهله المزمن..حتى طردوه.. و حرف الناصرية بهرطقاته.. و سخافاته.. فتبرأت منه.. القذافي رجل جاءت به مقادير و ملابسات.. تدثر بعباءة شرعية الزعماء الكبار.. فخانهم .. و اجترئ عليهم.. القذافي.. باع نفسه و مبادئه في سوق النخاسة الأمريكي الصهيوني.. عندما كان حبل المشنقة يلف حول رقاب عظماء الرجال.. واقفين دفاعاعن مبادئهم.. القذافي مهووس.. و مصاب بجنون العظمة.. يعيش هلوسات المنخوليا.. و جميع عصابات و ذهانات المصحات النفسية في العالم.. القذافي أشترى صمت ساسة الغرب المنافقين.. بالبترول و العمولات .. والدولارات..  و حكم الشعب الليبي الأصيل بالحديد و النار.. القذافي سام خسفا.. و عاث فسادا في الأرض.. حتى سجل كل الأرقام القياسية في التعاسة .. و الرعونة..  و سوء الحكم .. و خبث السريرة.. و "الخزو"..

القذافي مصاب بالبارانويا العصابية من الدرجة الأولى.. مسخ معربد.. نزق "بوليمي" جامح.. و مخرف يهذي..  فشل في كل شيء .. و أفسد كل شيء .. بصفاقته و بذاءته.. أبناؤه و جلاوزته المرتزقة أفظاظ.. غلاظ..  احترفوا القمع .. و التنكيل بأبناء الشعب الليبي.. من زمان.. القذافي سليل الفاشستية العربية في طبعتها الستالينية الهمجية.. سجن.. و قمع .. ذبح .. و سحل.. أخفى.. و نفى.. القذافي الذي جثم على صدور الليبيين.. و حكمهم أكثر من أربعين سنة.. بإسم ثورة مزعومة.. ما هي في الحقيقة بثورة و لا بنصف ثورة.. فرية ما أنزل الله بها من سلطان.. هذا القذافي اليوم.. يقمع شعبه بالطائرات الحربية.. و بالصواريخ.. بعد أن صدحت الحناجر "الشعب يريد إسقاط النظام".. قبل أربعين سنة.. ضحك القذافي على الثورة.. و على الجماهير.. فأقام جماهيرية خرافية عرجاء.. لا  وجود لها إلا على الورق.. و لا تسمن و لا تغني من جوع.. و لكن.. جذوة ثورة المجاهد الخالد عمر المختار لم تنطفئ.. وها هي ثورة.. الشعب الليبي البطل تقتلع الدكتاتور التعس من جذوره.. ثورة ليبيا معمدة بدماء آلاف الشهداء.. تماما كأخواتها.. في تونس و مصر.. بل و أكثر.. فثورة ليبيا.. طعمها طعم البارود.. و شذاها من روح جنان الملكوت..

القذافي أفعوان أخرق.. ضحك على نفسه .. و على العالم قرابة نصف قرن من الزمان..  ادعى الثورية .. و هو أبعد ما يكون عنها.. فالثوار لا يسخرون من عقول شعوبهم.. و لا يقتلونهم بالطائرات الحربية.. و لا يبددون ثروات بلادهم في النزوات.. و السخافات.. و لا يستبيحون حرمات مدنهم و عائلاتهم بالمرتزقة الأغراب.. و المجرمين.. و عناصر المافيا.. 

القذافي سمج.. و دموي بطبعه.. سفاح أثيم .. ظالم لنفسه و لغيره.. حديثه صياح.. و صورته غير مريحة..  أفعاله ممجوجة.. وذكره هم و غم..  القذافي معتوه و مخبول.. إمعي جهول و حقود.. تحدى الشعب.. و نعته بكل النعوت.. ثم أراد إبادته.. بالطائرات الحربية.. و فرق المرتزقة الإنكشاريين من الأفارقة المأجورين.. القدافي مصاب بالرهاب التملكي من أجل  البقاء في كرسيه. و هو صاحب أغرب تفسير للديمقراطية التي.. تعني في قاموسه الركيك.. "ديموكراسي" أي دوموا على الكراسي.. 

لكن.. القذافي انتهى غير مأسوف عليه.. ثار الشعب أخيرا على الطاغية.. أهدر علماء الأمة دمه .. أصبح القذافي الآن في عداد الآفلين..و هو بلا شك من الهالكين.. و لو بقي يهذي من غرفته المصفحة.. بتخريفاته و حماقاته في التلفزيون ..قابعا في جحره في باب العزيزيه.. القذافي عيي.. لا يكاد يبين..هذيانه همهمة و حشرجة.. قبل الفرار.. إلى الجحيم.. أو الإنتحار.. لكن هيهات.. لن يجد القذافي برا يحميه و لا بحرا .. من صولة الثوار.. و أرواح الشهداء التي تطارده.. الشعب سينفذ في القذافي حكم العدالة الثورية.. عند الفجر.. و ستنتصر الثورة على الجلاد..
القذافي فقمة متحجرة من العصور الجليدية القديمة.. القذافي شخص سقيم.. بائس و يائس.. فقد كل شيء.. و بدد كل شيء.. لم يبق لديه إلا الكراهية..و العقد و الأمراض النفسية .. عاش  القذافي شاذا.. منزويا و منبوذا.. و اليوم يتداركه قدره المشئوم معزولا.. ليموت حقيرا و ذليلا.. أمام عظمة ثوار الشعب الحقيقيين.. رحم الله شيخ المجاهدين و المقاومين الليبيين.. عمر المختار.. عندما قال: "نحن لا نستسلم.. ننتصر أو نموت".. كش ياملك البلطجية.. 

محمد السالك ولد ابراهيم
medsaleck@gmail.com
انواكشوط، 22 فبراير 2011


samedi 29 janvier 2011

ثورة مصر .. و سقوط آخر الفراعنة

صباح الخير يا مصر.. صباح الخير يا أم الدنيا.. و يا أم الثورات..
"شبيك لبيك.. الثورة بتسلم عليك" .. صباح الخير .. و الفل .. و الزنبق.. يا مصر أحمد عرابي.. و عمر مكرم.. ومحمد كريم.. والسيد المحروقى.. وجرجس الجوهرى..  والحاج مصطفى البشتيلى.. و سليمان الحلبى..

صباح الخير يا مصر.. سعد زغلول.. و عبد الناصر.. و حسين الشافعي.. و صلاح سالم.. و زكريا محيي الدين.. و سعد الدين الشاذلي.. و فؤاد عزيز غالي.. و عبد الغني الجمصي.. و نصري جرجس..

صباح الخير يا مصر الفتح.. و العز.. و المجد.. صباح الخير يا مصر الكنانة.. وهبة النيل.. صباح الخير يا مصر النور و العلم و الفكر.. صباح الخير يا مصر الثقافة.. و الأدب.. والتأليف.. صباح الخير يا مصر الأزهر.. و الحسين.. و كنيسة السيدة العذراء مريم ..و كنيسة الملاك ميخائيل و القديس الانبا شنودة.. صباح الخير يا مصر الذوق الرفيع.. و الفن الأصيل .. و الإبداع المدهش.. صباح الخير يا مصر "الست" أم كلثوم.. و العندليب الأسمر.. والسنباطي.. و سيد درويش.. و سيد مكاوي.. و كارم محمود.. صباح الخير يا مصر قلعة محمد علي.. و سوق الكتب في سور الأزبكية.... صباح الخير يا مصر مسرح الريحاني.. و مكتبة الإسكندرية.. صباح الخير يا مصر مطابع بولاق.. و مكتبة سيد مدبولي..  صباح الخير يا مصر خان خليلي و الغورية.. صباح الخير يا مصر الأريحية.. و روح الدعابة .. و النكتة .. و "الهزار".. صباح الخير يا مصر.. الفول المدمس.. و الملوخية.. و الكباب .. والكفتة.. والحمام المحشي..

"شبيك لبيك.. الثورة بتسلم عليك" .. قالها المصريون أخيرا.. فعلها المصريون أخيرا..
أخيرا.. ثارت مصر.. كما ثارت منذ قديم الزمان.. هكذا كانت مصر دائما.. و ستبقى كذلك أبدا.. ثارت مصر سنة 1580 قبل الميلاد ضد الهكسوس.. لتحصل لأول مرة على استقلالها..  ثم ثارت مصر مع أحمد عرابي  و الجيش سنة 1881 - 1882 ضد الظلم و القهر.. كما ثارت مصر مع سعد زغلول سنة  1919.. ضد الاستعمار و الاستعباد.. و ثارت مصر في 23 يوليو 1952 مع عبد الناصر.. و نجيب.. و عامر.. و خالد محيي الدين.. ضد الاستعمار.. و التبعية.. و النهب.. والظلم.. و التخلف..

أخيرا.. ثارت مصر.. هذه المرة .. ثارت مصر مع فتيان و فتيات حركة شباب 6  أبريل في حركة المقاومة المصرية .. إنهم حقا فتية آمنوا بربهم.. و بالشعب.. إنهم آلاف مؤلفة من المدونين.. و شباب الفيسبوك.. و التويتر.. و اليوتوب.. تعالوا بهممهم على تناقضات السياسيين .. و سخافاتهم.. و حزازاتهم التاريخية.. كفروا بتصنيفات اليمين و اليسار و الوسط..  و تنادوا لتقديم أفكارهم و صدورهم قرابين للشعب و للأمة.. فثارت مصر أخيرا.. ضد الاستبداد.. و هدر الكرامة.. و الظلم .. و القهر.. و التزوير ..و التدليس.. ثارت مصر ضد الفقر.. و الجوع.. البطالة..و التهميش..

أخيرا .. خرجت ثورة مصر.. من رحم المعاناة و الغضب .. و اليأس.. خرجت ثورة مصر من عباءة الثورة التونسية.. و قد تعمدت بدماء البوعزيزي..  و تقاسم أهالي السويس مع أهالي سيدي بوزيد طبق الفول المدمس و الخبز و الزيت.. و استلموا منهم شعلة الثورة.. عصر الجماهير الرقمية قد بدأ فعلا.. و طوفان الثورات قادم لا محالة.. ثورات بالجملة.. و بالمفرق.. في موسم التخفيضات و "التنزيلات" الشعبية.. خذ لك الآن ثورتين على النت.. بسعر ثورة واحدة.. و اربح مليون ثائر مع البوعزيزي..

اغتسل المصريون ..صلوا جمعتهم..  و استأنفوا ثورتهم.. عمت الثورة المدائن و الأمصار.. و انتقلت جذوتها المتوقدة من بلدة إلى بلدة .. و من كفر إلى كفر.. من عزبة إلى عزبة.. أيام الغضب في مصر أربعة.. و معهم خامسهم.. و قيل خمسة.. و معهم سادسهم.. ثورة مصر.. "ست أصيلة و بنت ناس كمان" تصلي كل يوم في "السيدة زينب".. و تبتهل في كنيسة القديسين بالإسكندرية.. ثورة مصر تأكل الطعام ..  و تمشي في الأسواق.. و تمسح الحزن عن ميدان التحرير.. و كوبري 6 أكتوبر..

في القاهرة.. أوصلت ثورة مصر رسالة الجمعة الهادرة إلى الطاغية في برجه العاجي.. رغم أنه قطع كل وسائط الاتصال بين مصر و العالم الخارجي.. و كذلك كان الأمر.. في الإسكندرية و السويس..  اختمرت الثورة  على نار هادئة.. و سيطرت على النفوس.. و القلوب.. و الأفكار... و هي الآن.. تخيط ثوب عرسها الأبيض.. للاحتفال مع بقية العرائس.. في الإسماعيلية.. و المنصورة .. و دمياط.. و سيناء..و الدقهلية.. و غيرها..

فلول النظام.. و أذياله المنهارة.. قد فروا و اختبئوا كالجرذان الخائفة.. انتهت قصة التوريث.. و انتهت قصة التقديس.. و لو أن الكابوس لم ينته بعد.. أما آخر الفراعنة .. فهو لم يفهم ببساطة حقيقة ما يجري... غاب أمس طويلا عن المشهد .. حتى ظن الناس أنه التحق بزميله الهارب بن علي.. في مخبئه في جدة..

أخيرا.. طلع الفرعون في منتصف الليل.. بخيلائه و طاؤوسيته المعهودة.. ليحكي للمصريين "حدوتة".. طمع أن ينام عليها المرابطون في الشارع الهائج.. لكن  النكتة كانت "بايخة".. و الفرعون كان شاحبا.. و غائبا.. و حائرا.... و كان صوته معدنيا.. .. و باردا.. مثل أصوات "السرفير" المستخدم في الهواتف و الموزعات الصوتية..  ظن الناس بأن الريس قد "فهم" ما لم يفهمه سلفه بن علي.. لكنه لم يفهم شيئا.. بل و لن يفهم أي شيء.. إلى آخر المطاف.. مرة أخرى.. يتضح بأن سيكولوجية النظام العربي الرسمي تتشابه بل و تتطابق.. مع اختلاف الزمان و المكان..  و أن منظومة الخلايا الجذعية للدكتاتورية العربية العتيدة.. متصلة فيما بينها بحبل سري.. لا ينفصم.. إلى أن يزول صاحبه.. أو يزال.. بقوة الثورة و شرعيتها..

انتهى النظام المصري.. غير مأسوف عليه.. بعد حكم تسلطي دام ثلاثين سنة..و انتهى مبارك و تجاوزته الأحداث.. فقد آخر الفراعنة كل شيء دون أن ينتبه لذلك.. حتى القدرة على القمع.. التي لم يكن يحسن سواها.. و رغم ذلك.. ما يزال آخر الفراعنة يناور.. و يماطل.. و ينظر إلى نفسه ككائن خرافي ..بنصف إله و نصف "السفينكس".. يرتدي بذلة سوداء و ربطة عنق من محلات "هوغو بوس".. و يطلق وعوده العرقوبية على الأثير.. كما كان يفعل منذ ثلاثين سنة.. لكن هذه المرة.. بدا آخر الفراعنة قاتما.. و هائما.. و مرعوبا.. غير أنه تماسك.. للحظات فقط أمام الكاميرا.. و تظاهر .. بأنه ما يزال الآمر الناهي.. يعطي.. و يمنح.. يوزع.. و يتكرم.. و يهدد و يتوعد.. يقرر.. و يدبر.. يحكم.. و ينفذ ..

كان آخر الفراعنة في الحقيقة..  أشبه بمومياء محنطة..تخرج من قمقمها وسط ركام متحف منهوب.. لكنه ما زال يتشبث بآخر رمق له في الحياة.. سيناريو مسلسل رديء.. تعيينات في الوقت بدل الضائع.. و مماطلات.. و بلطجية .. تماما على طريقة الهارب بن علي..

انهار النظام تحت أقدام ثورة مصر.. و بقي رأسه يعاند.. و يكابر.. و يطمع أن ينجو ببدنه.. تماما كما حدث قديما لفرعون مع نبي الله موسى.. مع فارق جوهري بين الفرعونين..  أما الأول.. فقد تدارك الموقف و هو يغرق.. فآمن بينما كان وسط أمواج اليم المتلاطم.. و كتبت له النجاة.. ليكون آية للعالمين.. و أما آخر الفراعنة .. فقد اختار أن ينتحر وسط أمواج الجماهير الثائرة..

محمد السالك ولد إبراهيم
medsaleck@gmail.com

vendredi 21 janvier 2011

يوميات ثورة تحت الطبع


مسافة الثورة مثل رحلة الألف ميل.. و زمن الثورة زمن زئبقي.. أيام تونس و لياليها غير عادية.. تتغير باختلاف الليل و النهار.. الليل ملك للجند و للعسس.. و النهار ملك للشعب و للشارع.. الساعات تمر خارج إطارها.. و عقارب الساعة تقضم ذيل دهر ثقيل.. جثم طويلا كالأفعى على محيا بلد جميل.. لحظات مهيبة تقع خارج المألوف و المعروف.. العالم كله يلهث خلف ثورة حقيقية.. كثيرون يغازلونها.. و البعض يتربص بها.. ثورة تونس حورية حسناء خرجت لتوها من البحر الأبيض المتوسط.. لكن عريسها من الجنوب .. شاب أسمر متمرد من أهالي سيدي بوزيد.. ثورة تونس هي نوع من "تسونامي" الكرامة.. بمقاسات طبيعية.. تتحدث على الهواء مباشرة.. و تجدد زينتها على مدار الساعة.. في الهواء الطلق.. لا تعبأ بظروف الطقس و لا تخاف من نزلات البرد.. هذه هي الثورة التونسية.. و هكذا سيكتب عنها في مدونته اليوم "هوميروس" آخر رقمي.. قبل أن يخلد إلى النوم في انتظار يوم جديد.. من أيام ثورة تحت الطبع.. 

"سحر ماء الهباء.. سبحت صاهباء.. هلبا هلبا.. سبحت صاهباء".. الثورة في تونس فعل إنساني مضارع مستمر في الزمان و المكان.. تصرفه صيرورة الأحداث في زمن جديد.. و توقيت جديد.. خارج قواعد الصرف و النحو و الإعراب.. زمن ارجواني، ليلكي، ينثر ياسمينا و تمرا.. يختلف تماما عن روزنامة التوقيت العالمي الموحد.. و يسخر من سخافة دوائر الطول و العرض.. ثورة تونس مثل تفجر الإبداع و رحيق الخمور المعتقة.. و مواعيد العشاق.. و أحوال المتصوفة.. فهي تخلق زمنها الخاص بها.. و تضبط الآخرين على توقيت فيضها اللامتناهي عبر حدود الزمان و المكان..

في هذه الأيام، ينقسم الزمن في تونس إلى زمنين مختلفين..و متناقضين.. يجسدهما فريقان متقابلان.. لم يعد يفصل بينهما عن موعد ساعة الحسم سوى مسافة المائة متر الأخيرة من الشوط النهائي.. أما الزمن الأول فهو ملك للشارع التونسي الهادر على امتداد جغرافية الوطن الثائر من سيدي بوزيد، و القصرين، والقيروان، و تاله، و الكاف، و صفاقس، إلى المهدية، و المنستير، و سوسة، إلى مدنين، و قابس، و تطاوين، و غيرها.. وصولا إلى تونس العاصمة. و أما الزمن الثاني فهو زمن الوقت بدل الضائع.. الذي يحاول الفريق الآخر جاهدا أن يناور في الدقائق الأخيرة المتبقية منه... للالتفاف على الثورة .. و سرقة أفراح الشعب كما سرق أخ له من قبل أقواته و أحلامه.

و لكن هيهات.. زمن الثورة.. هو الذي سينتصر في النهاية.. و عندها لن يرحم صلف و مكر و حيل.. و قلة حياء تلك البقايا المتحجرة من ديناصورات نظام سلطوي ينتمي إلى العصر الجوراسيكي.. و ستجرف الثورة  كل أغلال "السد" و ذئابه البشرية إلى مهاوي الآفلين. 


ثورة "غيلان" لن تتلاشى عند "منحدر جبل أخشب غليظ".. و لن تدخل "ميمونة" إلى مضاجع الجلادين و الخفافيش.. و لن تعاشر"ميارى" الأشرار و الوحوش. ثورة تونس لن تبيع حليب ثدييها بدريهمات من اليورو لسياح على قارعة الطريق..  و لن تسكر الثورة بخمور مهربة .. و لن تأكل أولادها و حوارييها.. بل سترضعهم حليبا و مسكا.. و ستطعمهم خبزا و فاكهة و تمرا.. و ستسقيهم عصيرا و جعة..  و لن يستطيع كائن من كان أن ينتزع الحلم الوردي بعد الآن من شباب تونس و شيبها.. من رجالها و نسائها.. من طلابها و شغيلتها.. من محاميها و صحفييها.. من صياديها و مزارعيها.. من طلائعها و سياسييها.. من نخبها و مثقفيها..

طبعا.. هناك بعض من سدنة "مغارة علي بابا" و حراسها لم يفهموا حتى الآن حقيقة أنهم إنما يلعبون في الوقت بدل الضائع.. و أن المباراة قد حسمت سلفا على سارية مشعل بشرى يدعى محمد البوعزيزي.. و أن صافرة النهاية قد أزفت أخيرا..هكذا يبدو فريق الغنوشي و المبزع، و قريرة، و فريعة، و مرجان، وغيرهم... كلهم لم يفهموا بعد ما حدث.. و يحسبونه مجرد كابوس مرعب سينتهي عندما يصحون من سباتهم.. و كذلك لم يفهم أخ لهم من قبل.. لا بأس..غدا سيفهمون كل شيء.. عندما تدق الثورة عليهم الأبواب و النوافذ.. ولكن مرة أخرى.. سيكون قد فات الأوان..

معالم لوحة الثورة قد اتضحت ملامحها، مضرجة بالدم الطاهر و الياسمين: حشود غاضبة، و باقات ورد فواحة من دكاكين شارع بورقيبة .. تضيق بهم رحابة ساحة الاستقلال.. و قد ارتدت أجمل الأثواب.. أمام هيبة تمثال بن خلدون و رصانة فكره و حكمته.. جنود شباب يبتسمون و يعانقون الثوار.. و قطار الثورة الأخضر يندفع في مساره نحو رصيف الحرية و الكرامة و الخبز و "الهريسة"..

 لوحة الثورة قد نضجت و اكتملت.. و لم تعد قابلة للمحو و  الزوال.. خلدها الإعلام المرئي قبل المسموع.. و احتضن أبطالها المجتمع الافتراضي على الفيسبوك  و اليوتوب.. و ها هي أرواح الشهداء، وقد روت دماؤهم عطش الشعب للحرية، ترفرف حارسة جموع الثوار في ساحة الاستقلال و الحرية.. وهي تهمس بأحلام مستقبل أفضل لشعب أراد الحياة..
تصبحون على خير..

انواكشوط، 22 يناير 2011
محمد السالك ولد ابراهيم
medsaleck@gmail.com

lundi 17 janvier 2011

تونس: هل بدأ عصر الجماهير الرقمية؟

كيف استطاعت ثورة تونس الأبية أن تطيح بنظام حكم تسلطي عتيد عمر أكثر من عقدين من الزمان؟ سام خلالهما البلاد و العباد صنوف العذاب و الخسف و الفساد.. فأرعد و أزبد.. و استبد و عبد..  هدد و ببد.. سجن و شرد.. استكبر و فجر.. ذبح و كسر.. طغى و بغى.... و لم يبق له إلا إن يقول "أنا ربكم الأعلى".. و لكن الله سلم.. استنهضت البلاد همم الشباب للخروج على طبائع الاستبداد.. و استحضر الشعب التونسي تمرد الشابي، و عبقرية ابن خلدون، و سرعة الإنترنت و رحابة الفيسبوك..و بساطة يوتوب.. و جرأة ويكيلكس.. و عزم فرحات حشاد.. وعنفوان محجوب العياري.. وغضب محمد البوعزيزي.. فكانت الملحمة الخالدة.. حضرت الثورة .. فغاب الشيطان..

هكذا، ستبقى ثورة تونس بكل المعايير تجربة فريدة حقا تستحق الكثير من الدراسة و التحليل. و هي بلا شك ستظل لأجيال  قادمة مصدر إلهام و إغناء لكثير من شعوب العالم في مواجهة الإستبداد و الظلم و التعسف. و حالما ينجلي غبار الميدان و تهدأ الأمور في ذلك البلد الجميل بطبيعته الخلابة و أهله الطيبين و عظمائه من الرواد و المصلحين الأوائل و الشعراء العباقرة، ستعكف كبريات معاهد الأبحاث الدولية و مختبرات الأفكار المعروفة بـ "الثينك تانك" على فحص و تشريح هذه الثورة ليس فقط لمعرفة أبعادها و نتائجها و انعكاساتها المختلفة على المنطقة و العالم فحسب، بل للتعرف قبل كل شيء على الطبيعة الخاصة لهؤلاء الثوار الجدد و آلياتهم المبتكرة و الفعالة.

و إلى أن تتأتى الظروف الموضوعية المناسبة لدراسة التجربة التونسية بكل أبعادها و حيثياتها و تفاصيلها في المستقبل القريب، سيظل التساؤل قائما حول حقيقة ما نشهده حاليا من تنامي الحراك الاجتماعي و التوتر في أرجاء كثيرة من العالم، بشكل يقترب يوما بعد يوم من الفوران و العصيان المدني و الثورة. هل هو مجرد امتداد لتراكمات إحتجاجية سابقة كانت مطمورة منذ عشرات السنين؟ أم هو ظاهرة جديدة كليا؟ و هل ما نشهده الآن، و نحن على أعتاب  العشرية الثانية من الألفية الثالثة، هو حقا بداية "عصر الجماهير الرقمية" و قد انطلقت شرارتها من تونس؟

 أجل، يبدو أن إخواننا التونسيين قد حزموا أمرهم و دشنوا ما يمكن تسميته بـ "عصر الجماهير الرقمية"،  فقدموا بذلك للعالم نموذجهم الجديد في الثورة على طريقة البرمجيات المفتوحة المصدر(Open Source)  في مجال علوم الكومبيوتر. إن ثورة تونس هي بمثابة تلك التقنية الجديدة التي توفر النص المصدري للبرنامج بكوداته و أيقوناته المختلفة، و تمنح حرية توزيعه  و تطويره من خلال إنتاج برمجيات أخرى مشتقة أو معدلة من البرنامج الأصلي مع حرية توزيعها أيضا. إنه جيل جديد من الثورات الاجتماعية تختلف جيناته الوراثية و خارطة حمضه النوويDNA  عن كل ما سبق. جاءت ثورة تونس على طريقة البث المباشر "أونلاين Online"، يغذيها سحر الإنترنت التواصلي الرهيب و تؤجج نارها فضائح ويكيليكس المجلجلة، و تنضجها أزمات البطالة و الغلاء المعيشي، و معاناة الفقر و التهميش و القهر؟

 و لعل أهم ما يميز عصر الجماهير الرقمية هو "الواقعية الافتراضية" للثورات الجديدة، فهي لا يقودها تنظيم سري و لا معارضة سياسية لا داخلية ولا خارجية، ولا تعبئ لها دعاية صحافة كلاسيكية وطنية أو دولية. بل هي ثورات  من صنع آليات أخرى جديدة كليا تتمثل في تكنولوجيات الاتصال الحديثة و تطبيقاتها التواصلية المختلفة مثل اليوتوب و الفيسبوك و تويتر و الديليموشن، و غيرها! إذ ما كان لهذه الثورة أن تنتصر، و ما كان للعالم أن يعرف شيئا عنها أو يتابع أخبارها على مدار الساعة لولا وجود شبكة الإنترنت والهواتف الجوالة المزودة بالكاميرات وآلات التصوير الرقمية و الويب كام، و غيرها من تلك الأدوات الإلكترونية الصغيرة و العجيبة.

فهل يكون مفعول هذه الخلطة الثورية السحرية قد بدأ فعليا من تونس لكي تجر قاطرتها القوية بقية البلدان العربية التي تشترك معها في نفس الأوضاع و خاصة في المغرب العربي و الشرق الأوسط؟  و هل ستصدق أخيرا نبوءات المفكرين الاشتراكيين الأوائل حول التراكم الرأسمالي للاقتصاد الذي حقق في تونس نسبة نمو بلغت 4.6 %، رافقها تطور في حجم الإستثمارات بنسبة 14.8 % ليصل إلى حدود 24.9 % من إجمالي الناتج المحلي الخام؟ وها هي "الثورة الطبقية الرقمية" تتفجر في الحلقة الأقوى من سلسلة الرأسمالية في البلدان المغاربية ؟ بعد أن سجلت الإستثمارات الأجنبية في تونس رقما قياسيا،  حيث ارتفع حجمها بحوالي 64 % ليبلغ 3.400 مليار دينار تونسي أي قرابة 2.59 مليار دولار أمريكي في السنة الماضية.


كل شيء جائز الآن..  و كل الاحتمالات واردة.. لكن، لن يضير ثورة الكرامة في تونس هذا الوجوم  و الصمت المطبق الذي يواجهها به النظام العربي الرسمي المتجهم، و قد فاجأته التطورات و تجاوزته الأحداث،  وهو لما يستفق بعد من هول الصدمة و الذهول. و لعل "التخريفات" المثيرة   للسخط التي طلع بها الزعيم القذافي أخيرا على الملأ في تعليقه على الموضوع، لأفصح تعبير عن انهيار النظام العربي الرسمي الذي دقت ثورة تونس آخر مسمار في نعشه المتهرئ، بعد أن أضحى تماما خارج حدود الزمن و المنطق.

كما لن تضير ثورة تونس تلك الأعمال الإجرامية التي تقوم بها حاليا بعض الفلول اليائسة لنظام قمعي بات في عداد الآفلين، بعد أن فقد توازنه بسبب الاختفاء المفاجئ لرأسه المدبر. بل، لعل في ذلك دروسا و عبرا تستحق الذكر. الآن فقط، و بعد أن سقط النظام التسلطي في تونس، بدأت فضيحة الأجهزة الأمنية في ظل شمولية النظام العربي الرسمي تتكشف على شاشات التلفزيون أمام العالم كله، حيث ظل همها المطلق هو حماية الأحكام السياسية المتعاقبة و التنكيل بأفراد الشعب العاديين. و ها هي بقايا النواة الصلبة للبنية التحية لترسانة إرهاب الدولة في تونس، التي كان النظام يصرف على تطويرها من خيرات تونس ليقمع بها أبناء الشعب في أقبية السجون المظلمة و في الشوارع و ساحات الجامعات، هاهي تلك الخفافيش تخرج الآن من جحورها لترهب الأهالي في بيوتهم الآمنة و تكرس الانفلات الأمني و تسرق فرحة الشعب بثورته التي تحققت بالدم و العرق و الصبر. و مرة أخرى تظهر من جديد المخططات السرية لمنظمات الكلاديو في تونس و هي تحاول إنقاذ نظام فاسد، آل إلى زوال بعد أن أعيته المراوغات و الحيل و الوعود الكاذبة و تخلص منه شعبه.

و لعل الطريف و المفيد في هذه الحالة رغم سلبيتها و بشاعتها، هو كونها تنعي إفلاس المفهوم البالي لعقيدة الأمن الوطني في ظل النظام العربي الرسمي، التي تنحصر فقط في تأمين السلطة الحاكمة على حساب أمن البشر والناس العاديين الذين هم المواطنون في دولة القانون. لقد قادت تلك العقيدة الأمنية العتيقة، و الجامدة والغامضة، و السلبية إلى شتى صنوف التجاوزات و التعسف، و خلفت سمعة سيئة في المخيال الجماعي لدى الأهالي. و هو ما أدى إلى أن تظل هياكل و وظائف الدولة المتصلة بالقطاع الأمني في البلاد العربية مختزلة في نواتها القمعية البشعة، بعيدا عن تنمية قدرات و خبرات أمنية وطنية حقيقة يستفيد منها الوطن و يضمن بها استقراره و يصون بها كرامة مواطنيه بين الشعوب و الأمم.  

و لكن، حتى على هذا المستوى أيضا، ستقدم تونس النموذج للآخرين.. فالبشائر سارة و التوقعات متفائلة. و في هذا السياق،  يبقى أهم شيء هو أن الجيش التونسي لم يقع في إغراء الانقلابات كعادة العسكر في البلاد العربية، و لم تخرج الجماهير إلى الشارع لتؤيد انقلابا و تهتف بحياة "الرجل القوي" الجديد، لتدخل البلاد في دوامة الانقلابات و الانقلابات المضادة.. في تونس لم يقرأ أحد من المهووسين البيان رقم واحد الشهير في التلفزيون و الإذاعة. بل إن الجيش في تونس امتنع تماما أن يحشر نفسه في شؤون السياسة و الحكم.. و اقتصر تدخله فقط على حفظ النظام و السلم الأهلي و حماية المواطنين من بطش بقايا المنظومة الأمنية المتهالكة لنظام للرئيس المخلوع.

و قد رأيت بأم عيني في التلفزيون مشهدين معبرين سأظل أتفاءل بهما دائما. كان المشهد الأول هو صورة ذلك الجندي التونسي الذي يعانق بحرارة و عفوية أحد المواطنين المتظاهرين في الساحة العامة أمام وزارة الداخلية يوم سقوط الطاغية.. أما المشهد الثاني، فهو باقة ورد جميلة رأيتها اليوم، و قد وضعها أحد المواطنين على مقدمة عربة عسكرية مدرعة تقف قرب تمثال ابن خلدون في ساحة الاستقلال، لا شك أن أحدهم ابتاعها للتو من دكاكين الورد القريبة على شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة تونس، هدية منه لذلك التلاحم بين المدنيين و العسكريين في هذه الثورة المدشة. فهناك.. من تلك الربوع الطيبة.. انبثقت أحلام و آمال الشعب التونسي..  من رحم المعاناة.. و هناك سجل التونسيون بطولاتهم و أمجادهم في أسفار الخالدين.. و من هناك.. سيبدأ عهد جديد.. و روح حديد.. و حلم جديد..  يعمل على تحقيق الإصلاح و التغيير و يفجر المفهوم السائد للأمن الوطني المقتصر على أمن الحاكم و أسرته و حاشيته و رموزه و زبانيته، ليصبح تركيز السياسات الأمنية الجديدة في البلاد العربية منصبا على التفكير و العمل الجاد على تحقيق أمن المواطن و تأمين احتياجاته أولا و قبل كل شيء، و لتجعل من حفظ كرامته و احترام حقوقه و تحقيق طموحاته في التنمية المستدامة و رعاية مصالحه الحيوية المشروعة نقطة مرجعية لرسم السياسات العمومية في مجال الأمن و الدفاع.

لن ينتزع أحد بعد الآن الحلم الرائع من شباب تونس و طلابها.. وشغيلتها و محاميها و صحفييها و مزارعيها..  عبق ورود ساحة الإستقلال.. و هيبة تمثال بن خلدون.. و ابتسامة ذلك الجندي الشاب.. و هدير الجماهير المتوثبة.. معالم لوحة الثورة و قد اتضحت ملامحها.. مضرجة بالدم الطاهر..و الياسمين.. إنها ثورة الشباب و ثورة الطلاب و ثورة الشارع أولا و أخيرا.. فهؤلاء هم من كانوا في مقصورة الدرجة الأولى، أما بقية الملتحقين بالقطار بعد أن بدأ يتحرك بقوة دفعه الذاتي، فهم العمال و المحامون.. و الصحفيون.. والمجتمع الأهلي.. و أخيرا... هرول السياسيون و الأحزاب نحو العربات الخلفية لقطار الثورة المندفع نحو رصيف الحرية و الكرامة و الخبز و "الهريسة"..

لوحة الثورة قد نضجت و اكتملت..و لم تعد قابلة للمحو و  الزوال.. خلدها الإعلام المرئي قبل المسموع.. و احتضن أبطالها المجتمع الافتراضي على الفيسبوك .. و شدا بألحانها اليوتوب.. و هاهي أرواح الشهداء الذين روت دماؤهم عطش الشعب للحرية.. تنبلج شموسها الوضاءة فوق بساط أحمر مطرز بالياسمين.. وها هي طيورهم الجميلة الخضراء ترفرف حارسة ساحة الاستقلال المضمخة بجراح الحرية.. فمن لحن أغنيتها ستطلعُ كــرْمــةّ و سيحـطُّ فــوق جـبـيـنـها حبــقّ وتُــــوتُ.. لتهمس بأحلام مستقبل واعد.. لشعب أراد الحياة..

تصبحون على خير..

محمد السالك ولد إبراهيم
15 يناير 2011


vendredi 14 janvier 2011

OMD: un rendez-vous manqué !

À seulement cinq ans de l’échéance 2015, fixée par les Nations Unies pour la réalisation des Objectifs du Millénaire pour le Développement (OMD), le Secrétaire général de l’ONU, M. Ban Ki-moon, a demandé aux dirigeants du monde de se réunir en Sommet à New York jusqu'au 22 septembre 2010, afin de permettre une accélération des progrès en vue de la réalisation de ces fameux OMD.

Toutefois, la crise économique mondiale a ralenti le rythme de la réduction de la pauvreté dans les pays en développement et retarde sérieusement les progrès en vue d’atteindre les OMD. Déjà, le Fonds monétaire international (FMI) et la Banque mondiale (BM) avaient affirmé dans le “Rapport de suivi mondial 2008”, que les prévisions de croissance mondiale ont montré un fort ralentissement, notamment pour les Etats-Unis, la Grande-Bretagne et la zone euro. Le rapport indique aussi que pour l'Afrique, la croissance devrait atteindre 6,4% en 2009.

A la veille de ce fameux sommet des OMD, les résultats pour l’année 2010 n’arrangent pas non plus le bilan des OMD. Selon le nouveau rapport publié par la Banque mondiale et le Fonds monétaire international (FMI).

L’impact de la crise mondiale touche plusieurs aspects clés des ODM, notamment ceux qui concernent la faim, la santé maternelle et infantile, l’égalité des sexes, l’accès à l’eau potable et au contrôle des maladies. Cette crise mondiale continuera encore aussi longtemps à avoir des répercussions à long terme sur les perspectives de développement bien au-delà de 2015, selon le rapport intitulé "Global Monitoring Report 2010 : The MDGs after the Crisis" ou (Rapport de suivi mondial 2010 : les ODM après la crise).

La plupart des pays du monde n'arriveront pas à atteindre les fameux 8 Objectifs du Millénaire pour le Développement (OMD), qui devraient être réalisés à l'horizon 2015. La BM et le FMI estiment que “Le changement climatique, les prix élevés des produits alimentaires et du pétrole assombrissent les perspectives” de développement mondial.

Selon ce nouveau Rapport de suivi mondial 2010, les perspectives de l'OMD sont des plus sombres pour les objectifs de réduction de la mortalité infantile et maternelle, et ceux liés à l'achèvement de l'enseignement primaire, à la nutrition et à l'assainissement.

En effet, le rapport souligne que 53 millions de personnes de plus demeureront dans l’extrême pauvreté d’ici 2015, un milliard de personnes manquent d'un accès raisonnable à l'eau potable et 2,6 milliards de personnes (40 % de la population mondiale) n'ont toujours pas accès aux services d'assainissement de base. Pour réaliser les objectifs en matière d'eau et d'assainissement, il faudra doubler l'investissement annuel actuel, à près de 30 milliards de dollars, indiquent le FMI et la Banque mondiale.

Par ailleurs, le rapport qui met l'accent sur la corrélation qui existe entre l'environnement et le développement durable, lance un appel en faveur d'un engagement ''urgent'' contre le changement climatique. Les Nations Unies prévoient que d'ici 2030, les pays en développement auront besoin de 100 milliards de dollars par an pour financer les activités d'atténuation du changement climatique et de 28 à 67 milliards de dollars pour s'adapter à ce changement.

Pour M. Dominique Strauss-Kahn, directeur général du FMI, “les pays en développement doivent disposer d'un volume plus important d'aide extérieure et de ressources intérieures pour atteindre les OMD. Une forte croissance économique et un cadre macroéconomique stable demeurent indispensables pour réduire la pauvreté et accroître l'investissement dans la santé et l'éducation”, a-t-il ajouté en commentaire à ce nouveau Rapport mondial.

Mohamed Saleck Ould Brahim
Publié par CRIDEM
21-09-2010

سيدي محمد ولد بوبكر: قراءة في طموح سياسي مثير؟

حتى وإن بَدَا متأخرًا ذلك الطموح السياسي الذي أبانَ عنه الوزير الأول الأسبق السيد سيدي محمد ولد بوبكر، من خلال الإعلان عن ترشحه للمنصب...