jeudi 27 décembre 2018

تناوب 2019 آمال مع وقف التنفيذ؟

مع انقضاء الأيام الأخيرة من السنة المنتهية، تتعذر مقروئية المشهد السياسي الوطني خلف ضبابية مشوشة، في حين، تندفع البلاد في غموض وارتباك شديدين نحو العام الجديد 2019، الذي يبقى مقلقا، بقدر ما يحمل من آمال وتطلعات نحو مستقبل أفضل. 
وفي وقت تختلط فيه أوراق اللعبة السياسية وتتبعثر أحجارها، وتتشابك المواقف حيال رهان الاستحقاق الرئاسي القادم، قبل عدة أشهر من ذلك الموعد الانتخابي الكبير، يتأكد اليوم أكثر من أي وقت مضى، الوجه الآخر للتساؤل المطروح بالنسبة لموريتانيا بخصوص إمكانية تحقيق تناوب انتخابي سلس على مقاليد السلطة. 
فالقضية لا تنحصر في مجرد انتهاء أو إمكانية استمرار حكم نظام بات مرتبطا بشخص الرئيس محمد ولد عبد العزيز، بقدر ما تتعلق بمعرفة إلى أي مدى يمكن لهذا النظام بصفة خاصة، وللنخب السياسية الوطنية الفاعلة بشكل عام، أن تكون جزءا من الحل أو جزءا من المشكلة بالنسبة لمستقبل البلاد واستقرارها وأمنها القومي؟ بل واستمرارها على الخارطة، ضمن معطيات جيوستراتيجية محلية، وإقليمية ودولية بالغة التعقيد، يتراءى من خلالها بوضوح، شبح انزلاق خطير إلى أتون صراع مجتمعي-اقتصادي-سياسي، على خلفية تصدّعات باتت عميقة داخل النسيج الإجتماعي، وقد يعصف تفجرها في أي لحظة، بالوحدة الوطنية للبلاد وينسف ما تبقى من السلم الأهلي بين مكوناتها. 
صحيح بأن السياسة هي فن تدبير الممكن.. والممكن قد لا تكون له حدود.. فهل ستتمكن النخب الموريتانية من تجاوز مرضها الطفولي من أجل رسم مستقبل سياسي أفضل للبلاد، بشكل يحسم موضوع شرعية الوصول إلى السلطة وتداولها، لصالح التغيير الديمقراطي التعددي والسلمي، بعيدا عن كل أشكال العنف كخيار بديل؟  وبما يضمن استتباب السلم الاجتماعي ويحقق التنمية الشاملة والمتوازنة؟ 
لا أحد يستطيع حتى الآن معرفة ما إذا كان الرئيس محمد ولد عبد عزيز، ونظام حكمه، ومثله في ذلك أطياف النخب السياسية الوطنية الفاعلة، سيحسنون قراءة  هذه اللحظة التاريخية، وما تنطوي عليه في ذات الوقت، من مخاطر جمة ومن فرص واعدة بالنسبة لمستقبل البلاد. لكن، مهما يكن.. يتوجب على الجميع أن يأخذ العبرة ليس فقط من التاريخ.. بل من الماضي القريب.. ومن الحاضر أيضا. 
فلم تكن بداية مسار الكارثة الرهيبة التي حلت باليمن، سوى تردد الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح رحمه الله، بعد أن قضى 34 سنة في الحكم. فقد أعلن بداية عن نيته عدم الترشح لمأمورية إضافية، ثم ما لبث أن تراجع عن ذلك الالتزام.
والعبرة هنا أن اليمن، حتى بعد أن سلم الرئيس صالح السلطة، بعد انقضاء سنة كاملة من الاحتجاجات والقلاقل، وذلك بموجب المبادرة الخليجية التي وفرت له حصانة من الملاحقة القانونية تم إقرارها في مجلس النواب اليمني باعتبارها قانونا سياديا لا يجوز الطعن فيه، فإن ذلك التراجع المتأخر لم ينه الأزمة في اليمن، وإنما تطورت الأمور بشكل دراماتيكي إلى حرب أهلية.. ثم جرى تدويلها بعد ذلك بالشكل الذي يعرف الجميع حتى اللحظة، نتائجه المأساوية على كل الأصعدة. 
أما في البلدان الإفريقية، فقد كانت كل محاولة لتعديل الدستور تفوح منها دائما رائحة الكبريت. ففي أذهان الأفارقة، لكثرة ما عانوا من مراوغات الأنظمة المستبدة التي لا تريد التداول السلمي للسلطة، فإن مصطلح تعديل الدستور لم يعد يعني بالنسبة لهم أكثر من التلاعب والعبث به.

واليوم، تثير الشكوك المتزايدة حول عدم احترام عدد من الرؤساء الأفارقة المنتهية ولاياتهم لدساتير بلدانهم، خاصة في الكونغو، والكونغو الديمقراطية، وبوروندي ورواندا، موجة من الاحتجاج ضد المحاولات المتكررة لإعادة إنتاج رؤساء مدى الحياة أو تكريس "ممالك رئاسية" بحكم الأمر الواقع في العديد من البلدان الإفريقية.

ولم يتردد بعض الرؤساء الأفارقة مثل "بليز كومباوري" في بوركينا فاسو، و"عمر بونجو" في الغابون و "بول بيا" في الكاميرون و"يوري موسيفيني" في أوغندا، و"عبد العزيز بوتفليقة" في الجزائر، في إجراء تعديلات دستورية لإلغاء أي قيود على مدة أو عدد المأموريات الرئاسية.

وفي هذا السياق، على النخب في بلادنا أن تتذكر بأن جذور الأزمة السياسية الحالية في بوروندي تعود إلى تصميم الرئيس "بيير كرونزيزا"، بعد 10 سنوات في الحكم، على الترشح لمأمورية ثالثة سنة 2015 مخالفا بذلك أحكام الدستور في بلاده، وهي الأزمة التي أسفرت حتى الآن عن مئات القتلى ومئات آلاف النازحين.

أما في جمهورية بوركينا فاسو، التي هي دولة عضو معنا في مجموعة دول الساحل الخمس، فقد أدت الرغبة الجامحة لدى الرئيس الأسبق "بليز كومباوري"، سنة 2014 وبعد 27 سنة في الحكم، في تعديل الدستور لكي يتسنى له الترشح سنة 2015 لمأمورية خامسة، إلى ثورة عارمة.
آنذاك، لم يكتف الشارع الساخط بإحراق مقر البرلمان في اليوم الذي كان مقررا أن يصادق فيه على مشروع التعديلات، وإشعال مقرات الحزب الحاكم، بل أسقط الرئيس نفسه، الذي فر مع أفراد من أسرته إلى الخارج بمساعدة أجنبية، رغم كونه ظل يردد، حتى قبيل سقوطه، أنه لا يخشى الثورة.
المشكلة أنه بعد تفجر الأوضاع في ذلك البلد، لم تنجح الحكومة- حتى بعد الإعلان عن إلغاء مشروع مراجعة الدستور- في تهدئة الغضب الشعبي. وقد تطلب الأمر أن تتدخل القوات المسلحة لتعلن يوم 31 أكتوبر 2014 عند الساعة الواحدة زوالا أن الرئيس  قد وقع على وثيقة استقالته، وأنه اختفى نهائيا من المشهد الوطني.   

هذه مجرد أمثلة ضمن حالات كثيرة، سقتها تذكيرا للنخب في بلادنا بضرورة أن نأخذ العبرة، وأن نتحلى بالمسؤولية حيال مصير البلاد والعباد، ما دامت الفرصة تسمح بذلك وقبل فوات الأوان.

على المستوى الداخلي، يظل الشارع الموريتاني بطبيعته طيبا ومسالما، لكنه محبط حتى النخاع، ومثقل بهمومه اليومية وبمكابدة ظروفه المعيشية القاسية. وقد مل كثيرا الوعود والمواعيد، وسئم المتاجرة بمعاناته من طرف السياسيين. وقد تعرض هذا الشارع للكثير من الضغط والسحق والاستغلال السياسوي في الوسط الحضري، الذي يمثل نسبة 95 بالمائة من قيمة الناتج المحلي الإجمالي، المتركز أساسا في المدن الكبرى، مما أدى إلى خلخلة البنيات المجتمعية والثقافية لهذا الشارع الذي أصبح متشنجا، ناقما وساخطا، وهو ما يسهل تجييشه، لكن خطر الانفلات الفوضوي يبقى قائما، وقد يؤدي بالشارع إلى مواجهة غير محسوبة مع كيان الدولة والمجتمع، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات كارثية على البلاد والعباد.

 أما على المستوى الإقليمي والدولي، فالبلاد تظل الحلقة الأضعف في مواجهة الأجندات والأطماع المختلفة، وهو ما يملي ضرورة بلورة موقف منهجي نقدي على مستوى التعاطي مع السياسية الخارجية، يؤمن للبلاد مستلزمات الاستقرار والأمن الأساسية، ويجعل دبلوماسيتها أداة حقيقية لخدمة تطورها وتنميتها، وتعزيز إشعاعها الحضاري، بكل إيجابية وبعيدا عن التشنج، والارتجالية والمضاربة، وردود الأفعال.

في الأخير.. أعتقد بأن بلادنا ليست بحاجة للمخاطرة باستقرارها الهش، لا في اتجاه إعادة إنتاج لا شرعي لنظام غير مرغوب فيه على نطاق واسع، لما قد يترتب على ذلك من مخاطر جمة، ولا في اتجاه تعبئة الشارع بشكل أعمى من أجل زعزعته وخلق فراغ قاتل.. قبل إيجاد بديل يكون مقبولا ويمكن الركون إليه، فذلك سيبقى السيناريو الأسوأ في تقديري. كذلك، لا مصلحة للبلاد طبعا.. في العودة إلى مربع الانقلابات العسكرية، وتكرار أخطاء الماضي الفادحة.

ما العمل إذن؟ لا بد من الحكمة والتأني والتبصر.. ولا بد من التجرد والإخلاص في سبيل إنقاذ البلاد والعباد.. ولا بد من مقاربة مبتكرة للخلاص، نعتقد بإمكانية تلمس ملامحها عبر السعي الجاد لكي تتعاون النخب في هذه البلاد من أجل بناء فُلْكِ سياسي لإنقاذ الوطن، يكون نوعا من "سفينة نوح" تؤمن النجاة لهذا البلد وأهله وسط أمواج متلاطمة.
نحن بحاجة ماسة  لنسق سياسي جديد "براديغم" "paradigme" يتسامى على ثنائية القطبية الحادة، ويتجاوز الكثير من التناقضات الثانوية. ويمكن لهذا الفلك السياسي أن يتخذ شكل جبهة وطنية عريضة، تدعو لحوار وطني شامل، يعيد تأسيس الجمهورية على قواعد متينة ويكرس ديمقراطية حقيقية؛ ويشكل إطارا جامعا، ليس فقط لأطياف المعارضة وأحلافها المختلفة، بل أيضا لـ "الأغلبية الصامتة" من الشعب الموريتاني، ليشكل بذلك صمام أمان في مواجهة العدمية السياسية وحاجزا أمام تحديات المجهول.
ويمكن أن يعمل هذا النسق السياسي الجديد كمنصة لتنسيق تعاطي مختلف القوى السياسية في البلاد مع الوضعية الراهنة والآفاق المستقبلية، وكذا بلورة خارطة طريق سلمية تعيد الأمل إلى استحقاق التناوب في 2019، وترفع عنه حكما مسبقا بوقف التنفيذ.
فهل سنستطيع الإمساك بالفرصة الأخيرة قبل الطوفان؟ أم سندعها تتفلت من بين أيدينا غفلة، أو عن سوء تقدير للموقف بسبب الغموض والارتباك؟

"مذكرات سائق": توثيق لغسيل دبلوماسي خارج التغطية

لا أعتقد بأن كتاب "مذكرات سائق"، الصادر عن مطبعة المنار في نواكشوط سنة 2016، لمؤلفه السيد سيد أحمد ولد أمبارك -الذي كان سائقا بالسفارة الموريتانية في سوريا في فترة ثمانينيات القرن الماضي- قد نال ما يستحق من الاهتمام والتمحيص. بل يكاد يكون هذا الإصدار قد مر مرور الكرام في ساحاتنا الأدبية والإعلامية والفكرية، رغم ما تميز به من طرافة ودقة. باختصار، إنه كتاب يسبح بالقارئ بين عالم أدب الطرافة مثل "ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة" وعالم التوثيق المحكم للمحاضر القضائية. 
أما مؤلف الكتاب فهو يقدم لنا نفسه كإنسان بسيط لكنه متميز. شخص عصامي، جاء إلى المدينة قادما من بوادي تكانت، يحلم فقط بأن يكون مجرد سائق سيارة في مدينة تجكجة، لكن إرادته القوية،  وقدره السماوي، ساقاه ليصبح سائقا لدى السفارة الموريتانية في دمشق مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي، عندما اصطحبه معه السفير الأسبق محمد محمود ولد ودادي. 
قام المؤلف بتكوين نفسه بنفسه. ورغم أنه لم يحظ بفرصة للدراسة النظامية، إلا أنه استطاع أن يوثق في كتابه، الكثير من الأحداث الهامة أثناء عمله كسائق في السفارة على مدى عدة سنوات، كما ارتبط بالعديد من الشخصيات المهمة في الخارج والداخل، مما منحه مصداقية الحديث عن مشاهداته وعن معايشته للأشخاص والأحداث والوقائع كما لو كان شاهدا على العصر، وأي عصر؟ إنه عصر تهافت الدبلوماسية الموريتانية والدبلوماسيين الموريتانيين في بعض البعثات الدبلوماسية في الخارج، منها السفارة الموريتانية بدمشق التي تدور حولها معظم الوقائع التي يتحدث عنها صاحب الكتاب.. وقد اقترنت أسماء كثيرين ممن يتحدث عنهم المؤلف بمغامرات تهريب السجائر من لبنان والأردن إلى سوريا داخل سيارات البعثة، وبيعها هناك بأغلى الأثمان، كما ويوثق لنا ذلك السائق-المؤلف سيد أحمد ولد أمبارك في كتابه "مذكرات سائق". 
ولعل أهم ما يميز هذا الكتاب- الذي يقع في 177 صفحة، ويضم مقدمة 6 فصول وعددا من  الملحقات- هو كونه يجري محاكمة لا هوادة فيها لتلك المغامرات من خلال إبراز وتوثيق جميع أنواع أدلة الإثبات لإدانة عمل السفارة الموريتانية في سوريا آنذاك، حيث يثبت بأن أهم نشاط لدى تلك البعثة على مدى 6 سنوات، تعاقب خلالها أكثر من أربعة سفراء، كان عمليات تهريب السجائر في السيارات الدبلوماسية التابعة للسفارة، حيث بلغ مجموع الكميات المهربة 188.919 كروص من  مختلف أنواع التبغ أي حوالي 38 مليون لفافة دخان، بلغت حصيلة تسويقها بشكل غير مشروع داخل السوق السوداء في سوريا، عشرات ملايين الدولارات، التي استفاد منها أساسا السفراء وزوجاتهم وبعض طواقم السفارة من مستشارين وغيرهم، حتى السائقون كان لهم حظ ولو يسير من تلك الغنائم كما يروي المؤلف في كتابه. 
 وقد بين المؤلف كيف أن جميع السفراء وأغلبية طواقم السفارة كانوا يمارسون عمليات بيع السجائر المهربة، وكيف أنه هو نفسه من كان صاحب الفكرة التي عرضها لأول مرة على المحاسب وكيف اقنع بها المحاسب السفير، وبدأت عمليات التهريب والبيع بالاعتماد على القنصل الشرفي لموريتانيا في الأردن آنذاك، وهو شخص أردني الجنسية سوري الأصل يدعى عبده الحلبي، ويلقب أبو هشام، الذي كان يشتري من طاقم البعثة "الكروص" الواحد من سجائر مارلبورو بـ 10 دولارات، وكانت الشحنة الواحدة في السيارة قد تبلغ 250 كروصا، وتتم عملية التهريب مرتين إلى ثلاث مرات أو أكثر أسبوعيا، وهو ما كان يدر على السفير ربحا صافيا  قد يصل - حسب مؤلف الكتاب - إلى مبلغ 30 ألف دولار شهريا. أما السائق- المؤلف نفسه فكان نصيبه من العملية حوالي 100 دولار عن الرحلة الواحدة، كما أكد ذلك في فقرات عديدة من الكتاب. 
الكتاب شيق وممتع للمطالعة.. لغته سهلة وسليمة إلى حد كبير.. لا أدري هل استعان صاحبه  بغيره على تأليفه. إنه أقرب للسرد القصصي حول مغامرات السائق وخواطره منه إلى المذكرات بالمعنى المتعارف عليه.. لكنه مليء بالقصص التي لا تخلو من طرافة، كما لا تخلو كذلك من بعض التشهير أو التعريض - الذي قد لا يكون مقصودا- خاصة أنه يتناول أسماء الأشخاص وذكر أفراد عيال السفراء، وكذا الأسر والعائلات التي تزور السفارة أو تمر من سوريا بحيث يكون السائق -المؤلف في استقبالها أو مرافقا لها بناء على تعليمات من السفير. 
الجديد الذي جاء به "الأستاذ" سيد أحمد - كما كان يحلو له أن يناديه السفراء الذين تعاقبوا على البعثة في سوريا أثناء تلك الحقبة- هو ذلك التوثيق الدقيق تماما مثل إعداد المحاضر القضائية.. والذي قد يفتح آفاقا لا حدود لها لتقييم أداء الدبلوماسية الموريتانية من الناحية الأخلاقية والمهنية، والقانونية والإنسانية في تلك الحقبة، ليس فقط أمام الدولة والإدارة الحكومية ولكن أيضا أمام التاريخ.. وأمام الأجيال الحالية والقادمة من الدبلوماسيين المهنيين ومن الباحثين في هذا المجال. 
ومن أغرب ما اكتشفته في هذه الكتاب، هو أن صاحبه يتمتع بقدر كبير من  الشجاعة والصدق مع الذات، حيث يعترف بأنه كان العقل المدبر لعمليات التهريب، وكان دوما مع السفير ومحاسب السفارة بمثابة غرفة القيادة والتحكم في نشاط التهريب، رغم أنه يظهر دائما الندم على ما يقوم به، إلى درجة الإحباط في بعض الأحيان، لكنه يعود دائما إلى ممارسة التهريب رغم وعيه التام بأنه عمل غير شرعي ومجرم قانونيا، ويتعارض مع المهام والأعراف الدبلوماسية، وكأنه أصبح مدمنا على التهريب وعلى"الاستفادة" التي يحصل عليها من ذلك التهريب كتكملة لمرتبه الذي كثيرا ما يصفه بكونه غير مجز ولا منصف مقابل الخدمات "الكثيرة" التي يقوم بها لصالح السفارة. 
كذلك، تظهر شجاعة السائق-المؤلف التي تصل درجة التهور عند قصة توقيف السيارة الدبلوماسية الخاصة بالسفير، التي كان يقودها هو ومعه القائم بالأعمال، على الحدود اللبنانية السورية، حيث  تحمل شحنة أكثر من 250 كروصا من التبغ المهرب.. وكيف تشاجر مع فرقة الجمارك السورية، رافضا فتح السيارة للتفتيش ومتذرعا  بأنها سيارة دبلوماسية منزهة عن مثل تلك الأعمال اللامشروعة. إلى أن تصل الأمور إلى عنق الزجاجة، وتحتجز الجمارك السيارة وما فيها، فتبعث السفارة الموريتانية في الغد مذكرة شفهية إلى وزارة الخارجية السورية تعتذر فيها عن  "نسيانها" إرسال طلب إعفاء لكمية من السجائر، مطالبة بتسليمها السيارة وما فيها من تبغ. 
وهنا تصل الدراما التي يقصها علينا السائق-المؤلف قمة اللامعقول، بحيث تتحول هذه التراجيديا إلى ملحمة بطولية كما يصورها المؤلف، تظهر شجاعة السفير الموريتاني في دمشق آنذاك، الذي بادر بالإتصال بوزير الخارجية وبنائب الرئيس السوري، وبرئيس الوزراء مطالبا بتسليم كمية السجائر المحتجزة لدى الجمارك السورية. لكن دون جدوى، يتحسر السائق-المؤلف على فشل كل تلك الجهود "البطولية".. فالسجائر لن تسلم أبدا للسفارة رغم توقيعها على محضر إدانة يثبت تورطها في التهريب. 
وفي كل تفاصيل الكتاب، تدرك درجة تحمس السائق-المؤلف لما كان يقوم به من أعمال غير مشروعة ومخالفة لأبسط أبجديات العمل الدبلوماسي في السفارات، فتجده يذكر بأنه كان ينتشي كثيرا عندما يشعر بأن السلطات السورية -خاصة الأمنية منها- كانوا يعتبرونه "ضابط مخابرات موريتاني" يعمل متخفيا لدى السفارة.. لكن من يدري؟ لربما كان فعلا كذلك.. 
الطريف في هذا الكتاب.. هو أنه يبدأ بتصريح المؤلف بأن حلمه في الحياة كان مجرد أن يصبح مجرد سائق سيارة، بينما نجد في  نهاية الكتاب أن هذا الحلم قد تطور كثيرا بحيث أصبح السائق متعلقا بأن يصبح دبلوماسيا. وهو ما يذكر لنا بأنه تحقق بالفعل بعد أن تم اكتتابه في الوظيفة العمومية بعد الكثير من التدخلات واستخدام النفوذ الاجتماعي والعلاقات  الواسعة التي أصبح السائق يتمتع بها بعد سنوات كثيرة من العمل لدى السفارة الموريتانية بدمشق. 
على كل حال، مطالعة هذا الكتاب الشيق أثارت لدي وستثير لدى كثيرين من القراء، العديد من التساؤلات: 
  • هل كان لدى وزارة الخارجية ورئاسة الجمهورية وأجهزة المخابرات الموريتانية في ذلك الوقت علم بممارسات التهريب التي كانت تشكل أكثر من 90 بالمائة من عمل السفارة الموريتانية في دمشق آنذاك؟ وهل كان لها نصيب في ريع تلك العمليات مقابل السكوت؟
  • هل اطلع رؤساء الجمهورية ووزراء الخارجية المتعاقبون على هذا الكتاب؟ وهل لديهم النية في فتح تحقيق في الممارسات المشينة وغير المشروعة التي كانت تمارس في البعثة الدبلوماسية في دمشق؟
  • هل توقفت السفارة الموريتانية في دمشق عن نشاط التهريب؟ وهل تقتصر تلك الممارسات اللامشروعة مثل التهريب وغيره على  تلك السفارة فقط؟
  • ماذا لو كتب سائقو جميع السيارات لدى كل بعثة دبلوماسية وقنصلية موريتانية في الخارج مذكرات من هذا النوع؟
  • هل تعي الدولة حجم هذه الفضيحة؟ وكيف ستواجه المشكلة التي تتجاوز كل مقاييس الفضيحة الأخلاقية في حالة تأكد الوقائع والأحداث التي ذكرها السائق-المؤلف في كتابه؟
  • ماذا لو نشرت الحكومة السورية أو سربت المحاضر والصور والمستمسكات التي لديها لإدانة طواقم السفارة الموريتانية في سوريا في ملفات التهريب؟ أو رفعتها لجهات دولية من أجل التحقيق أو المحاكمة؟
  • هل ستستخدم وزارة الخارجية الموريتانية المعلومات الواردة في هذا الكتاب كجزء من توثيق التاريخ الرسمي لنشاطات وعمل البعثات الدبلوماسية الموريتانية على الأقل من أجل استخلاص الدروس والعبر لتصحيح المسار في المستقبل؟
  • هل سيتم تدريس هذا الكتاب- الصادر حديثا- في المقررات الدراسية لطلاب شعبة الدبلوماسية في المدرسة الوطنية للإدارة والصحافة والقضاء؟
  • متى سيصدر الكتاب القادم لنفس المؤلف؟ فهو يذكر في هذا الكتاب بأنه عاكف على تأليف مذكرات دبلوماسي.. وما طبيعة القضايا الأخرى التي قد يكشف عنها؟
  • أخيرا.. هل ستصمت الجمهورية - كما عودتنا دائما- وكأن شيئا لم يكن؟

مسافة الثورة مثل رحلة الألف ميل.. وزمن الثورة زمن زئبقي.. أيام تونس و لياليها غير عادية.. تتغير باختلاف الليل و النهار.. الليل ملك للجند و للعسس.. و النهار ملك للشعب و للشارع.. الساعات تمر خارج إطارها.. و عقارب الساعة تقضم ذيل دهر فظ.. جثم طويلا كالأفعى على محيا بلد جميل.. لحظات مهيبة تقع خارج المألوف و المعروف..
العالم كله يلهث خلف ثورة الياسمين.. كثيرون يغازلونها.. و البعض يتربص بها.. ثورة تونس حورية حسناء خرجت لتوها من البحر الأبيض المتوسط.. لكن عريسها من الجنوب .. شاب أسمر متمرد من أهالي سيدي بوزيد..
ثورة تونس هي نوع من "تسونامي" الكرامة.. بمقاسات طبيعية.. تحدث على الهواء مباشرة.. و تجدد زينتها على مدار الساعة.. في الهواء الطلق.. لا تعبأ بظروف الطقس و لا تخاف من نزلات البرد.. هذه هي الثورة التونسية.. و هكذا سيكتب عنها في مدونته اليوم "هوميروس" آخر رقمي.. قبل أن يخلد إلى النوم في انتظار يوم جديد.. من أيام ثورة تحت الطبع.. 
"سحر ماء الهباء.. سبحت صاهباء.. هلبا هلبا.. سبحت صاهباء"..
الثورة في تونس فعل إنساني مضارع، مستمر في الزمان و المكان.. تصرفه صيرورة الأحداث في زمن جديد.. و توقيت جديد.. خارج قواعد الصرف و النحو و الإعراب.. زمن ارجواني، ليلكي، ينثر ياسمينا و تمرا.. يختلف تماما عن روزنامة التوقيت العالمي الموحد.. و يسخر من سخافة دوائر الطول و العرض..
ثورة تونس مثل تفجر الإبداع.. ورحيق الخمور المعتقة.. ومواعيد العشاق.. و أحوال المتصوفة.. فهي تخلق زمنها الخاص بها.. و تضبط الآخرين على توقيت فيضها اللامتناهي عبر حدود الزمان و المكان..
في هذه الأيام، ينقسم الزمن في تونس إلى زمنين مختلفين ومتناقضين.. يجسدهما فريقان متقابلان.. لم يعد يفصل بينهما عن موعد ساعة الحسم سوى مسافة المائة متر الأخيرة من الشوط النهائي.. أما الزمن الأول فهو ملك للشارع التونسي الهادر.. على امتداد جغرافية الوطن الثائر من سيدي بوزيد، و القصرين، والقيروان، و تاله، و الكاف، و صفاقس، إلى المهدية، و المنستير، و سوسة، إلى مدنين، و قابس، و تطاوين، و غيرها.. وصولا إلى تونس العاصمة.
 وأما الزمن الثاني، فهو زمن الوقت بدل الضائع.. الذي يحاول الفريق الآخر جاهدا أن يناور في الدقائق الأخيرة المتبقية منه... للالتفاف على الثورة .. وسرقة أفراح الشعب كما سرق أخ لهم من قبل أقواته و أحلامه.
ولكن هيهات.. زمن الثورة.. هو الذي سينتصر في النهاية.. و عندها لن يرحم صلف و مكر و حيل.. و قلة حياء تلك البقايا المتحجرة من ديناصورات نظام سلطوي ينتمي إلى العصر الجوراسيكي.. و ستجرف الثورة  كل أغلال "السد" و ذئابه البشرية إلى مهاوي الآفلين.
ثورة "غيلان" لن تتلاشى عند "منحدر جبل أخشب غليظ".. ولن تدخل "ميمونة" إلى مضاجع الجلادين و الخفافيش.. و لن تعاشر"ميارى" الأشرار و الوحوش.
ثورة تونس لن تبيع حليب ثدييها بدريهمات من اليورو لسياح على قارعة الطريق..  و لن تسكر الثورة بخمور مهربة .. ولن تأكل أولادها و حوارييها.. بل سترضعهم حليبا و مسكا.. و ستطعمهم خبزا و فاكهة و تمرا.. و ستسقيهم عصيرا وجعة..  و لن يستطيع كائن من كان أن ينتزع الحلم الوردي بعد الآن من شباب تونس و شيبها.. من رجالها و نسائها.. من طلابها و شغيلتها.. من محاميها و صحفييها.. من صياديها ومزارعيها.. من طلائعها و سياسييها.. من نخبها و مثقفيها..
طبعا.. سيبقى هناك بعض من سدنة "مغارة علي بابا" و حراسها لم يفهموا حتى الآن حقيقة أنهم إنما يلعبون في الوقت بدل الضائع.. و أن المباراة قد حسمت سلفا على سارية مشعل بشرى يدعى محمد البوعزيزي.. و أن صافرة النهاية قد أزفت أخيرا..
معالم لوحة الثورة قد اتضحت ملامحها، مضرجة بالدم الطاهر و الياسمين: حشود غاضبة، و باقات ورد فواحة من دكاكين شارع بورقيبة .. تضيق بهم رحابة ساحة الاستقلال.. و قد ارتدت أجمل الأثواب.. أمام هيبة تمثال بن خلدون ورصانة فكره و حكمته.. جنود شباب يبتسمون و يعانقون الثوار.. وقطار الثورة الأخضر.. يندفع في مساره نحو رصيف الحرية و الكرامة و الخبز و"الهريسة"..
لوحة الثورة قد نضجت و اكتملت.. ولم تعد قابلة للمحو أوالزوال.. خلدها الإعلام المرئي قبل المسموع.. و احتضن أبطالها المجتمع الافتراضي على الفيسبوك  و اليوتوب.. و ها هي أرواح الشهداء، وقد روت دماؤهم عطش الشعب للحرية، ترفرف حارسة جموع الثوار في ساحة الاستقلال والحرية.. وهي تهمس بأحلام مستقبل أفضل لشعب أراد الحياة..
انواكشوط، 18 دجمبر 2018
محمد السالك ولد إبراهيم
[1]  إعادة نشر مقال سابق بعنوان "يوميات ثورة تحت الطبع"، تخليدا لثورة الياسمين في تونس، التي انطلقت شرارتها الأولى يوم 18 دجمبر 2010 تضامنًا مع الشاب محمد البوعزيزي، الذي قام بإضرام النار في جسده، حيث خرج آلاف التونسيين رفضا لما اعتبروه أوضاع البطالة وانعدام العدالة الاجتماعية وتفاقم الفساد داخل النظام الذي كان حاكما آنذاك.

دين الحياء: التحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال

للأسف، لم أتمكن خلال زيارتي الأخيرة للرباط، من أجل المشاركة كمتحدث رئيسي في «منتدى الأمن الإفريقي«، من زيارة أستاذي المبجل الفيلسوف المتصوف البروفسور طه عبد الرحمن، أطال الله بقاءه.
لكن المفاجأة كانت سارة عندما أتحفتنا الخطوط الملكية المغربية عند مدخل الطائرة -كعادة كبريات شركات النقل الجوي- بباقة متنوعة من الصحف المغربية الصادرة في نفس اليوم. ولحسن الحظ، وجدت بينها عددا من صحيفة «العلَم« ينشر ضمن صفحته «منبر الجمعة« حلقات متسلسلة من ثلاثية الفيلسوف طه عبد الرحمن، «دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني«، التي صدرت أجزاؤها الثلاثة عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع في بيروت، سنة 2017. 
ذكرتني هذه الحلقة من الفصل السابع من الكتاب الثاني في الثلاثية، والذي عنوانه « دين الحياء: التحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال»، بعوالم الفيلسوف المجدد، المبدع، أطال الله بقاءه، البروفسور طه عبد الرحمن، عندما كنت طالبا متواضعا لدى حضرته الفاضله، في الدراسات العليا بقسم الإبستيمولوجيا بجامعة محمد الخامس، أواخر ثمانينيات القرن الماضي..
فلأستاذنا الجليل البروفسور طه عبد الرحمن، أطال الله بقاءه، عوالمه الفكرية والمعرفية والروحانية الرحبة والثرية والعميقة، التي تشكلت على مدى أكثر من خمسين سنة من العطاء الفكري والمعرفي النوعي، الذي لا ينضب ما شاء الله، وقد صدرت له حتى الآن قرابة ثلاثين مؤلفا من بينها أربعة كتب نشرها في السنة الماضية. 
باختصار شديد، يعتقد المفكر والفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، بأن المسلمين قد وقعوا في مأزق تاريخي عندما خانوا «الأمانة»، التي هي مفهوم يتأسس عنده على ما يسميه بـ «النظرية الميثاقية» التي تقوم في أساسها  على «مُواثقة تمت في عالم الملكوت، وحصلت بين الإنسان وخالقه، وليس بين الإنسان والإنسان، كما في النظرية «العقد الإجتماعي» لدى فلاسفة التنوير الغربيين؛ فهو إذن عقد روحاني، وليس عقدا اجتماعيا. 
وتنقسم هذه «المواثقة» الروحانية لدى فيلسوفنا الكبير، إلى ميثاقين رئيسيين هما: «ميثاق الإشهاد» الذي أقرّ فيه الإنسان بربوبية خالقه لمّا تجلّى له بأسمائه الحسنى؛ و «ميثاق الائتمان» الذي حمَل بموجبه أمانة القيم التي تجلت بها تلك الأسماء الحسنى. 
وبناء على هذا التوصيف، يقترح الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، على الأمة الإسلامية تبني الخيار الأمثل من أجل الخروج من المأزق، بالرجوع إلى «أخلاق الحياء»، التي يولدها في سلوكهم «الفقه الائتماني»، والحال أن تلك العودة المؤملة، تقتضي مراجعة واعية لمنظومة «الفقه الائتماري» التي سيطرت على مسار النظر في الشرع طيلة القرون التي خلت، بما طغى عليها من انغلاق، وتعصب، وجمود في التعامل الفكري مع جوهر الإسلام كآخر رسالة سماوية موجهة لإنقاذ البشر. 
أما في كتابه «دين الحياء: التحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال»، فيتطرق الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، إلى  تحليل ثلاث ظواهر تفرضها ثورة الإعلام والاتصال على المجتمعات المعاصرة، يعتبرها آفات رئيسية هي «التفرج» و«التجسس» و«التكشف». 
وتنبع فلسفة البروفسور طه عبد الرحمن، في معالجته الفكرية الرائعة هذه، من غلبة فكرة أن «الإنسان المعاصر» فاقد للحياء أو مهدد بفقدانه، والتي كان لثورة الإعلام والاتصال نصيب كبير في تشكيلها. ولعل هذا الموقف هو الذي وجه اهتمام الفيلسوف الكبير نحو تسليط الضوء على أهم الأطروحات الفلسفية التي تقف وراء انبثاق هذا «النموذج الخُلُقي الذهني» للإنسان المعاصر فاقد الحياء أو المهدد بفقدانه، وهو يخصَّ بالذكر نظريات التعاقد الاجتماعي التي أخرجت الإنسان من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية، عبر ما اصطلح عليه طه عبد الرحمن بـ «النظرية العقدية»، والتي يقابلها بأطروحته «النظرية الميثاقية» كما أسلفنا. 
ويتطرق الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، في كتابه « دين الحياء: التحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال»، إلى تحليل ظاهرة «التفرج» بوصفها تضبط علاقة الإنسان المعاصر بالشاشة، حيث يحدد الفيلسوف للتفرج جملة من الخصائص المميزة هي: التوسط بالصور، وتملك المصوَّرات، وتضرُّر القدرات، وإبدال الوهم بالحقيقة، وعنف الصور؛
أما الآفة الثانية أي «التجسّس»، فيعتبر الفيلسوف بأنها تتجسد من خلال عدة خصائص منها الغلو في المراقبة، والنفوذ إلى باطن الإنسان، والنفوذ إلى الحياة الخاصة، وطلب الإحاطة بكل شيء، والرغبة في التحكم بكل شيء؛
أما الظاهرة الثالثة التي هي آفة «التكشف» فهي تتحدد من خلال عدة مظاهر منها التكشف الإحاطي،  والتكشف العمومي، وإبداء الكل، وإبداء الباطن، وحب الوجود، وحب الذات، واستهواء الآخر.
يقول الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن- الذي يعتبر أن الحضارة المعاصرة، لَمّا كان أحد وجوهها الرئيسية أنها حضارة «النظر»، فهي قد نقلت الإنسان المعاصر من وضعية الناظر إلى وضعية المتفرج، إذ اتخذ المتفرج الصور واسطة يتوسل بها في علاقته بذاته وعلاقته بالعالم وعلاقته بالآخرين، حتى كأنه لا شيء في العالم إلا الصور، ولا شيء إلا بها، ولا شيء إلا معها- إن الخاصية الأولى التي تميز التكشف المعاصر، تكشفا عينيا كان أو ذهنيا، هي أنه تكشف كلي من جهتين، إحداهما أنه «تكشف إحاطي» «والثانية أنه «تكشف عمومي».
والمقصود بالكشف الإحاطي هو تعاطي المواطن إبداء كل شيء من خاص حياته، جسيما كان أو نفيسا. فضلا عن ما يبدو من عامها، بحجة أنه يمارس حقه في الحرية، ويلبي رغبته في الصدق، والواقع أنه لولا أن الشاشة قد بلغ استحواذها على نفس المواطن مبلغا فاحشا، حتى عاد لا يرى العالم، بل لا يرى نفسه، إلا من خلالها، ما كان ليندفع في مثل هذا التكشف الذي يحيط بكل شأن من شؤونه.  
ويسوق الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، مثالا في هذا المجال، من خلال حالة الطالبة الأمريكية «جينيفر رينغلي» ذات التسعة عشر ربيعا، والتي يعتبرها رائدة «التكشف العيني الإحاطي»، وهي التي ثبتت في غرفتها، كاميرا متصلة بشبكة الإنترنت، وظلت طيلة سبع سنوات من 1996 إلى 2003، تبث بشكل حي ومباشر حياتها على الهواء بكل تفاصيلها اليومية العادية وكذا الحميمية. وقد بلغ عدد الزوار لموقعها حوالي خمسة ملايين يوميا. 
أما «التكشف العمومي» فالمقصود به عند  الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، هو تعاطي المواطنين التكشف بعضهم لبعض، بحيث يتكشف الجميع للجميع. فلم يعد التكشف خاصا بنجوم الفن أو أبطال الرياضة أو رموز السلطة، أو أرباب المال، بل بات يشمل العامة من الناس أسوياء كانوا أم شواذ، بحجة أن الجميع يتمتع بحق الظهور على الشاشة. 
يقول الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، بأن الوصف الكلي الذي يتصف به هذا التكشف ينبئ بأنه لا يمكن الوصول إليه إلا بتعدي الحدود.. سواء كانت أحكاما قانونية، أو قواعد مجتمعية، أو عادات ثقافية، أو قيما أخلاقية، حتى أن هذا التعدي أصبح السمة المميزة له. 
ويبين الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، ذلك من خلال محاججة توضح أنه ليس كل شيء ينبغي كشفه.. لأن ضررا متيقنا قد يعود على الذات أو على الآخر بسب ذلك، وكشف ما فيه ضرر مستيقن إنما هو تعد للحدود.. كما أنه ليس كل إنسان ينبغي أن يكشف ما عنده.. لأن ما عنده قد يخصه، ولا يتعلق منه شيء بغيره.. وكشف ما يخصه بغير موجب هو إسراف في الإبداء، ولأن ما كل إنسان ينبغي أن يكشف له عن ما يكشف لغيره.. لأن في هذا الكشف انتهاكا لخصوصية فرد بعينه أو جماعة بعينها.. وانتهاكا لخصوصية الآخرين، فهو أيضا إسراف في الإبداء.. 
ولما كانت الصورة، التي هي قوام التكشف، مباشرة كانت، كما في «التكشف العيني» أو غير مباشرة، كما في «التكشف الذهني»، تتوخى بالأساس، مصادمة الوجدان وإثارة الإنفعال، ازداد هذا الإسراف سوء على سوئه.. 
 ولعل ذلك هو السبب الرئيس كما يقول الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، في بروز فضاء تدويني واسع على الشبكة العنكبوتية هو عبارة عن حياة اجتماعية افتراضية مشتركة بين أفراد لا يتلاقون أبدا، حياة ملؤها التكشف على كل الأنحاء، إن تبادلا للصور أو تناقلا للأخبار، أو إفشاء للأسرار، جاعلين من الشاشة مرآتهم التي يتراءون فيها، ونافذتهم التي يتواصلون بفضلها.
 وهنا يلتقي الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن في مثاقفة رائعة مع أعمال فلاسفة معاصرين أفذاذ مثل ميشيل فوكو، وهربرت ماركيوز، ويورجن هابرماس، قد اشتغلوا على التحديات القيمية والأخلاقية المرتبطة بثورة الاتصالات السائدة في العالم، وربطوها بتفسيرات مختلفة سياسية مثل خدمة الإستبداد، أو اقتصادية مثل هيمنة السوق على المجتمع الإستهلاكي، أو تكنومجتمعية مثل عولمة المجال الإنساني من خلال سيادة منظومات الأتمتة السيبرانية.
 ويخلص الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، إلى أن الإنسان من حيث هو، ينزع، بموجب القيم التي تحملها فطرته، إلى إخفاء بعض الجوانب من حياته، بدءا بقضاء حاجته الطبيعية وانتهاء بقضاء وطره الغريزي.. لكن الإنسان يبقى بالنسبة له من حيث الماهية، ثابتا ولو نسبيا، على ما كانت عليه فطرته السليمة منذ أن كان عند الخليقة..
 بطبيعة الحال، لا يزعم الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، عند تحليله للتحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال، بأنه أول من اشتغل على التحديات القيمية والأخلاقية المرتبطة بثورة الاتصالات السائدة في العالم بأسره، وإنما يستشهد بعدة أعمال مرجعية يعود لها السبق في هذا المجال، بل إنه ينوه ببعضها كما ذكرنا سابقا، ولكن الجديد في اشتغال الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن ــ وهو جديد مرتبط بمقتضى المجال التداولي الإسلامي ــ أنه يشتغل على التعريف بالفوارق الجلية بين تفاعل الفقيه «الائتماري» والفقيه «الائتماني» مع هذه التحديات، وهذا التنظير- حسب ما توصل إليه كثير من الباحثين- إنما هو طرح فكري جديد غير مسبوق،  بل إن تفصيل الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، في مقتضى ثلاثية آفات التفرج والتجسس والتكشف، يتضمن اجتهادات ثقافية جديدة كليا لم يوجد لها أثر حتى في الاجتهادات الصادرة في المجال التداولي الغربي.
 أطال الله بقاء أستاذنا الجليل، الفيلسوف والمتصوف البروفسور طه عبد الرحمن.. ونفعنا بعلمه الوازن وخلقه الرفيع..

في ذكرى رحيل مؤسس موريتانيا

رحم الله الأب المؤسس للدولة الموريتانية اﻷستاذ المختار ولد داداه رحمة واسعة.. 
لا يمكنكم تصور مقدار ما أكنه لهذا الرجل العبقري من الإحترام والتقدير.. ولا أتصور بأن هذا النوع من الشخصيات العبقرية، المتميزة خَلقاً وخُلقاً، وفكرا وعملا، تتكرر كثيرا في تاريخ الشعوب والبلدان. 
يذكر - رحمه الله- في الفصل الذي أفرده للحديث عن قصته مع المال، ابتداء من الصفحة 407 في النسخة الفرنسية من مذكراته، بأنه لو أراد أن يكون مليارديرا من غير اختلاس ولا سوء تسيير للمال العمومي، لكان له ذلك.. ولكن كيف؟

كما يقول هو في الصفحة 417، "كان بإمكاني فقط أن احتفظ بالهبات المالية التي منحت لي بصفة شخصية".. 
لكن الأب المؤسس لم يفعل ذلك.. 
بل إنه ذكر- رحمه الله- لائحة المانحين والمبالغ التي أعطيت له وذلك بالترتيب:

- 1. شيك مصرفي بقيمة مليون دولار من طرف الملك فيصل رحمه الله، أرسله سنة 1972 لكن الرئيس المختار تنازل عن المبلغ لصالح المجهود الوطني لمواجهة كارثة الجفاف.
- 2. مبلغ 500 مليون فرنك غرب إفريقي من طرف الرئيس موبوتو سيسيكو، سنة 1973، لكن الأب المؤسس المختار تنازل عنه لتشييد المدرسة العليا للتعليم ENS ؛
- 3. طائرة من نوع كرافيل ومعها مبلغ 400 مليون فرنك غرب إفريقي، من طرف الرئيس عمر بونغو، وتنازل عنها الرئيس المختار، وخصصها لتشييد معهد التربية والدراسات السياسية،
-4. مبلغ مليارين من الفرنك الغرب إفريقي، قدمهما الرئيس هوفوت بونيي سنة 1977، وتنازل عنهما الرئيس المختار مباشرة للخزينة العامة للدولة؛
- 5. مبلغ 25 مليون فرنك غرب إفريقي من طرف الرئيس الكامروني أحمدو آهيديو، تنازل عنه الأستاذ المختار لصالح اﻹعتمادات الخاصة..
تغمده الله بواسع رحمته... وأسكنه فسيح جناته..
ذكرناه بخير..

الإغتيال السياسي..


يشكل الاغتيال السياسي وجها آخر للإرهاب المعاصر، رغم أنه كان معروفا على نطاق واسع في الحضارات القديمة والوسطى، من خلال التآمر على الملوك و الأمراء والحكام و الوزراء وكبار الشخصيات في الدول القديمة. فالفرعون "تيتي" مؤسس السلالة الملكية المصرية السادسة مات مغتالا سنة 2291 قبل الميلاد، كما اغتيل الإمبراطور الروماني "موميتيان" سنة 96م، و اغتيل "سيجبير الأول" ملك فرنسا القديمة سنة 575. كما ظهرت أيضا الاغتيالات السياسية في العهود الإسلامية الأولى، مع مقتل الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم: عمر بن الخطاب سنة 644م و عثمان بن عفان سنة 656 وعلي بن أبي طالب سنة 660م .


وفي القرون الوسطى، كان حسن الصباح، زعيم جماعة "الحشاشين" أوSecte des Assassins يختار بنفسه أعضاء عصاباته الذين يرسلهم من قلعة "آلموت" بجبال إيران، في مهمات للاغتيال المنظم. و كان يشرح لهم طريقة القيام بذلك، ويدربهم ثم يسلمهم خناجر مسمومة خاصة لتنفيذ عمليات الاغتيال. و كان من أوائل ضحايا الحشاشين الوزير "نظام الملك"، وهو أبو علي الحسن الطوسي، أشهر وزراء الدولة السلجوقية. و قد تم اغتياله في أصفهان سنة 1092، و بعده الوزير المهيب قائد جيوش الأفضل، وكذلك الملك "كونراد دي مونتفيرات" سنة 1192، أحد قادة الحملات الصليبية وملك القدس تحت الحكم الصليبى. كما حاول الحشاشون اغتيال صلاح الدين الأيوبي أكثر من مرة.

للتعمق في الموضوع، يرجى لطفا الإطلاع على دراستنا " من الـ "كلاديو" إلى "القاعدة" .. من يقف وراء الإرهاب؟ على الرابط التالي:

نهاية السعودية.. وصحوة العالم الإسلامي ..

مع اعتراف الدولة السعودية رسميا بتورطها في التخطيط لجريمة اغتيال الصحفي السعودي المرحوم جمال خاشقجي، وتنفيذها داخل قنصليتها باسطنبول في الثاني من أكتوبر 2018، تنتهي أخلاقيا وبشكل مأساوي ومرعب أسطورة المملكة العربية السعودية، التي طالما حرصت على تكريسها كزعيمة للعالم الإسلامي الذي يتجاوز عدد أفراده اليوم ملياري نسمة، يشكلون أكثر من ربع سكان العالم.

هكذا انتهت تلك المشروعية الأخلاقية وتلك المكانة الرفيعة التي طالما تمتعت بها السعودية في وجدان غالبية المسلمين، باعتبار أن أراضيها تضم الأماكن الإسلامية المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأنها انطلاقا من ذلك، تعتبر زعيمة بلا منازع لطائفة المسلمين السُّنة، التي يقدر عدد أفرادها بحوالي مليار ونصف مليار نسمة في جميع أنحاء العالم.
لكن، لماذا يجد الكثير من المسلمين في العالم اليوم صعوبة حتى في تصديق هذه النهاية المرعبة وغير المتوقعة؟ وكيف يستوعبون اختفاء تلك الصورة النمطية التي تربت على احترامها -بل وتقديسها أحيانا- أجيال متعاقبة من المسلمين في شتى أنحاء العالم؟ بل وكيف يمكن للمسلمين تجاوز الصدمة لكي يتمكنوا من فهم الأبعاد المتعددة والخطيرة لهذا السقوط الرهيب؟ لدولة بحجم السعودية، كانت تفاخر بلقب ملكها باعتباره “خادم الحرمين الشريفين”. ثم هل سيكون لدى المسلمين، بعد أن يستوعبوا الحقيقة الصادمة، ذلك المستوى المطلوب من قوة الإرادة والقدرة على الاستشراف من أجل التعامل مع التداعيات المختلفة لهذا السقوط قبل فوات الأوان؟ بما يحد من الخسائر والتكاليف.. ويساعد على الخروج من المأزق بشكل يليق بالمكانة الروحية والحضارية، وكذا بالثقل الجيوستراتيجي الذي يمثله العالم الإسلامي.. بكل تنوعه وثرائه الثقافي واختلافه السياسي..
بعد اليوم، لا أعتقد بأن المسلمين – وخاصة أهل السُّنة- سيشرفهم أن تقودهم دولة تغتال مواطنيها الأبرياء داخل قنصلياتها، وتمثل بجثثهم، بل وترفض حتى مجرد تسليمها لذويهم من أجل إقامة مراسم الدفن واستقبال التعازي، كما هو معهود في التقاليد الإسلامية الراسخة.
لا شك بأن اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، جريمة وحشية، بشعة، صادمة وممجوجة بكل المعايير والمقاييس.. إنها جريمة بكل المعاني الإنسانية والأخلاقية والتاريخية، والدينية والسياسية والعاطفية.. وهي تطرح حاليا وستطرح في المستقبل القريب، العديد من المشاكل بالنسبة للعالم الإسلامي على كل المستويات الإنسانية والأخلاقية والدينية والسياسية والفكرية..
فعلى المستوى التاريخي، لا يكاد التاريخ الحديث والمعاصر يذكر سوى أمثلة قليلة جدا عن عمليات قتل الدول لأفراد من رعاياها داخل بعثاتها الدبلوماسية.. لذا، ستدخل هذه الجريمة في كتب ومجلدات التاريخ من الباب الواسع، سواء من حيث غرابتها، وبشاعتها أو من حيث تداعياتها الخطيرة على كل الأصعدة.
أما على المستوى الأخلاقي، فلم يكن غالبية المسلمين ليتصوروا بأن دولة مسلمة، حتى لو كانت شمولية مثل السعودية، ومهما بلغ بها التجبر والاستبداد والعجرفة، يمكن أن تسقط إلى مستوى تعامل المافيا والعصابات مع مواطن بريء، لا ذنب له سوى التعبير عن رأيه بكل مسؤولية واحترام عبر وسائل الإعلام ومن خلال الكتابة في كبريات الصحف الدولية.
أجل، لقد انهارت فجأة تلك الثقة والقدرة الائتمانية، وانهار معها ذلك الرصيد الأخلاقي من الاحترام والتقدير الذي كان المسلمون يمنحونه مجانا للسعودية رغم كل مساوئها.. لقد آن الأوان لحكام ذلك البلد أن يستفيقوا من غيهم ويتوقفوا عن مكابرتهم، لكي يستطيعوا فهم المشاعر المصدومة لأكثر من ملياري مسلم في أنحاء العالم إزاء مأساوية وبشاعة ما اقترفته أيديهم من جرم في قضية جمال خاشقجي.. التي يبدو أنها ليست سوى الشجرة التي تخفي الغابة..
أما على المستوى الديني، فلا بد أن المسلمين يتساءلون بجدية، ولو بصيغ تعبيرية مختلفة: هل يجدر بهم بعد كل ما حدث، أن يقبلوا أن تستمر السعودية- بعد أن أصبحت بالفعل دولة مارقة- في رعاية الأماكن المقدسة في الحرمين الشريفين بمكة المكرمة والمدينة المنورة وضواحيهما؟
هل ينسجم شرعيا وأخلاقيا رفع راية تحمل شهادة التوحيد مع تعمد قتل امرئ مسلم بريء، وتقطيع أشلائه داخل قنصلية بلاده، التي يفترض بأنها مرفق عمومي ممول من طرف دافعي الضرائب من أجل توفير الأمان والرعاية والخدمة لمواطني البلد خارج وطنهم؟
وهل يستقيم أصلا من الناحيتين الشرعية والأخلاقية، أن يوضع بلد يضم أقدس الأماكن لدى عامة المسلمين أي الكعبة المشرفة، وهي بيت الله الحرام، والمسجد النبوي الشريف، وكل المشاعر المقدسة الأخرى في منى، وجبل عرفات، ومزدلفة، وغيرها من المواقع والمزارات الإسلامية التي تقع في ضواحي هاتين المدينتين، هل يعقل أن تبقى هذه المقدسات تحت تسمية هي مجرد نسبة لشخص أو لعائلة ولو كانت أبناء سعود؟ أحرى أن تكون تلك النسبة تحت صفة “مملكة”؟ وهي في رأيي إضافة شاذة وادعاء باطل، فلا يعقل شرعا ولا عقلا أن تخلع صفة الملك البشري الناقص والمحدود على الملك الإلهي المطلق والكلي، أي على بلاد الحرمين الشريفين. فلماذا لم يعبر المسلمون عن احتجاجهم على تلك التسمية وتلك الإضافة غير اللائقة منذ البداية؟ رغم أن عددهم آنذاك يزيد على مليار نسمة، ولماذا يستمر المسلمون حتى اليوم في السكوت على هذا الوضع الشاذ وهم أكثر من ملياري نسمة في جميع أرجاء المعمورة؟
ألم يحن الوقت بعد ليطالب المسلمون في جميع أنحاء العالم دولهم بأن تتدخل لدى المنتظم الأممي لكي تمنح الأماكن المقدسة وضعا سياسيا ككيان مستقل غير خاضع لسيادة أي دولة مهما كانت.. على أن تتم إدارته وتدبير شؤونه الدينية والمدنية من طرف هيئة إسلامية يتم الإتفاق عليها وعلى قواعدها الناظمة وإجراءات عملها، بين كل الدول الإسلامية ومنظمات المجتمع المدني الإسلامي الحرة، بحيث تكون هيئة مستقلة من النواحي المالية والإدارية.
أعتقد أنه، بعد السقوط السعودي الشنيع والتمادي في جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، لا يمكن إلا أن يشعر المسلمون في جميع أنحاء العالم بأنهم لم يعودوا آمنين على أنفسهم داخل البعثات الدبلوماسية والقنصليات السعودية عندما يلجؤون إليها من أجل ترتيبات الحج والعمرة.. أو لإتمام أي معاملات أخرى عادية، ناهيك عن الأخطار والمشاكل والخلافات الجيوسياسية الكثيرة المنذرة بتفشي الصراعات وانعدام الاستقرار وتهديد السلام، التي ستؤدي إليها- بلا شك- تداعيات تصفية جمال خاشقجي، بين كل من تركيا والسعودية من جهة، وبين السعودية وبقية بلدان العالم الغربي من جهة أخرى، على ضوء ما توحي به التطورات الجارية على المستويات الدبلوماسية والسياسية والقضائية وغيرها.
لقد حان الوقت الآن بعد كل هذا التخبط والتيه، لكي يوضع حد لاحتكار شرف رعاية الأماكن الإسلامية المقدسة والاستحواذ على ريعها من طرف السعودية. ويكفي بأن هذه الأماكن المقدسة قد تم اختطافها طيلة هذه الفترة، من طرف أشد أنظمة الحكم تزمتا واستبدادا وظلامية. لقد استغلت السعودية سمعة الدين الإسلامي بكل بجاحة، وسادت بإسمه ردحا طويلا من الزمن، بينما ظل نظامها يبدد ثروات بلاده ويضطهد شعبها، حيث يقبع حاليا أكثر من ثلاثة آلاف مواطن في السجون والمعتقلات. وهو نظام ما فتئ – رغم ادعاء ميوله نحو التحديث والإصلاح، يعيش في ظلامية القرون الوسطى، وذلك ما يثبته قراره المضحك مؤخرا بالسماح للسيدات بقيادة السيارات، بينما يعرف الجميع بأن النساء كن يقدن سياراتهن ولكن سرا، وكان النظام يحكم عليهن بالسجن إذا ما انكشف أمرهن.. كما يعرف جميع المسلمين والعالم أجمع، بأن النظام السعودي لم ينتج من الناحية العملية خلال أكثر من مائة سنة، غير السلفية المتطرفة، وتفريخ التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش وأخواتها..
لقد حان الوقت لكسر مركزية تحالف الأنظمة العشائرية والرجعية العربية الاستبدادية المتواطئة مع هيمنة الغرب الإمبريالي وجشعه اللامتناهي من أجل استغلال مصادر الطاقة في شبه الجزيرة والخليج العربي.
بعد كل ما حدث، لا شك بأن الضمير الجمعي للمسلمين قد بدأ يستيقظ.. لذا، كان لا بد للنخب المستنيرة والمجتمع المدني الحر في العالم الإسلامي أن تبحث عن صيغة مناسبة لوضع آلية للإشراف على تدبير شؤون الأماكن الإسلامية المقدسة في الحرمين الشريفين، تكون أكثر عقلانية وتوازنا وإنصافا. وذلك من خلال الأخذ بعين الإعتبار المعطيات الموضوعية الديموغرافية والجيوستراتيجية الكبرى للبلدان الإسلامية غير العربية، خاصة منها تلك التي ليس لها ماض استعماري ولا حساسيات محلية في المنطقة. وبالتالي، فلا بد من إعادة تقييم مشاركة المسلمين غير العرب، حيث يمثل العرب أقل من 20% من المسلمين في العالم، أما المسلمون من الأمم الأخرى فتبلغ أعدادهم الهائلة مثلا في شرق وجنوب ووسط آسيا أكثر من 40% من إجمالي المسلمين، بينما يمثل بلد واحد في جنوب شرق آسيا هو إندونيسيا أكبر عدد من المسلمين، يقدر بحوالي 13% من إجمالي المسلمين في العالم.
وكذلك، لا بد من الأخذ بعين الإعتبار حجم المسلمين في القارة الإفريقية وفي دول الساحل وجنوب الصحراء الكبرى، الذين يمثلون حوالي 15%، حيث يبلغ عدد المسلمين في دولة واحدة مثل نيجيريا أكثر من 70 مليون نسمة، وهو رقم يعادل عدد المسلمين في جميع دول الخليج ومعها اليمن. كما توجد مجتمعات إسلامية كبيرة في الصين وروسيا والقوقاز، والفلبين وفي الأمريكتين، وأوروبا.
ولا شك بأن الطريق لمعالجة واقع المسلمين وآفاق النهوض بمستقبلهم بعد سقوط أسطورة السعودية، يمر حتما بالتشاور مع المجتمعات الإسلامية الكبرى في تلك البلدان الكبرى، بغية إشراك أكبر عدد ممكن من المسلمين في عملية تشخيص الواقع والخروج بتصورات تشاركية مستنيرة لكيفية التوصل معا إلى حلول ناجعة لمواجهة التحديات، قصد التوصل إلى اتفاق دولي تمنح بموجبه الأماكن الإسلامية المقدسة وضعا قانونيا شبيها بوضع الفاتيكان، حيث يمكن تسمية الكيان الجديد بسلطنة أو جمهورية الحرمين الشريفين، مع وجود مجلس إدارة ذا طابع دولي، تتمتع فيه الدول الإسلامية المختلفة والهيئات الكبرى للمجتمع المدني الإسلامي الحر، بعضوية غير دائمة من خلال تناوب دوري محكوم بضوابط متفق عليها مسبقا.
كما يمكن أن تطالب الدول والمجتمعات الإسلامية الكبرى مثل اندونيسيا التي تمثل أكثر من 200 مليون مسلم، وباكستان وفيها أكثر من 180 مليون مسلم، والهند وهي أكثر من 170 مليون مسلم، وبنغلاديش وهي أكثر من 150 مليون مسلم، والصين وفيها أكثر من 120 مليون مسلم، وإيران، ونيجيريا ومصر وتركيا، حيث يوجد في كل منها أكثر من ثمانين مليون مسلم، ببعض الإصلاحات الضرورية مثل تحريم وضع عبارات التوحيد والرموز الدينية الإسلامية، التي تعتبر ملكا مشتركا بين جميع أفراد الأمة الإسلامية، على أعلام الدول، وبالتالي ضرورة تغيير العلم السعودي الحالي بما يتلاءم مع هذه المقتضيات.
وكذلك لا بد من المطالبة بتغيير أنظمة الحكم في شبه الجزيرة والخليج العربي – هذه المنطقة التي تمثل أقل 2% من تعداد المسلمين في العالم، إما إلى ملكيات دستورية ديمقراطية، يفصل فيها تدبير شؤون الدولة بين من يملك ومن يحكم، أو إلى جمهوريات عصرية تقوم على مبادئ الفصل بين السلطات، والتناوب السلمي على الحكم حسب النظام الديمقراطي الانتخابي، وذلك من أجل ضمان مناخ سياسي إيجابي، يساعد على استتباب الأمن والاستقرار في المنطقة التي توجد بها الأماكن الإسلامية المقدسة وعلى تخومها، وذلك بشكل مستدام وعلى المدى الطويل..
لقد حان الوقت بالنسبة للمسلمين عامة وللطائفة السُّنية بكل خاص، وهي التي تمثل بحجمها الديموغرافي ما يزيد على مليار ونصف من الأفراد، ينتشرون في جميع القارات.. في آسيا، وإفريقيا، وأوروبا وأمريكا وأوقيانوسيا، وفي أكثر من 50 بلدا إسلاميا، ولا شك بأن في كل هذه المجتمعات الإسلامية من العلماء والمفكرين وأهل الدين والورع.. وأهل الخير والبر وحفظة القرآن.. لا شك بأن فيهم من هم أحرص من السعودية على حماية بيضة الإسلام، وعلى قيام نهضة الأمة، وازدهار الحضارة الإسلامية، واستمرار إشعاعها الحضاري في العالم.. بعيدا عن الاستغلال السياسي والنفعي للدين، وعن كل المسلكيات السلبية التي لا تليق بالدين الإسلامي الحنيف.
أعتقد بأن المسلمين السُّنة، بما يتمتعون به من مكانة ومقدرات كبيرة وثقل جيوسياسي وازن، مطالبون اليوم ربما أكثر من غيرهم، بالعمل على تغيير الصورة النمطية السائدة عنهم .. وبمعالجة الميراث الصعب الذي خلفته السعودية، رغم أنها ليست من بين الدول الإسلامية العشر الأوائل من حيث تعداد المسلمين، لكنها استطاعت من خلال الإنفاق على الدعاية والعلاقات الزبونية وشراء الذمم، أن توهم العالم بأن العرب هم الغالبية الساحقة من المسلمين، وأنها هي التي تمثل العرب، وبأن المسلمين من غير العرب إنما هم مجرد “إخواننا” في الدين وعليهم أن يتبعوا علماء العرب..الذين تم اختزالهم في وقت من الأوقات في عدد قليل من علماء السعودية المدجنين، رغم أن الدول العشر الأوائل من حيث عدد المسلمين توجد ضمنها ثلاث دول عربية هي مصر والجزائر والمغرب، بينما الدول الأربع الأولى هي أساسا غير عربية، وهي اندونيسيا والهند، وباكستان، وبنغلاديش.
لقد كرست الدوغمائية السعودية نظرة اختزالية وإقصائية للمسلمين من غير العرب، بل ومن العرب أيضا ممن لا يقبلون الدوران في فلكها، جاعلة لنفسها ريادة في الدين والعقيدة ما أنزل الله بها من سلطان.. وموحية بأن الله قد منحها ذلك الفضل من خلال هيمنتها السياسية على الأماكن الإسلامية المقدسة.. وأن قيادة المسلمين إنما ترجع لها هي باعتبارها مرجعية دينية مطلقة.. لقد توهمت السعودية بأن الله قد أمرها هي فقط بالاهتمام بأمر المسلمين، بل لربما اعتقدت خطأ أيضا بأن الله قد أمرهم بإتباعها!
وهكذا، منذ عشرات السنين، دأبت السعودية إلى النظر إلى العالم الإسلامي كمجرد قطيع، أو مخزون بشري جاهز لتظهير وتأييد قراراتها وسياساتها على الدوام، مهما كانت خاطئة وطائشة.. لقد زجت السعودية -خدمة للأجندة الأمريكية- بالمسلمين السُّنة في حروب “الجهاد” في أفغانستان ضد السوفيات في نهاية سبعينيات القرن الماضي.. وكان صراعا بين القوى الدولية العظمى ضمن طاحونة الحرب الباردة، ولا ناقة ولا جمل فيه للمسلمين.. كما زرعت بذلك بذور الإرهاب من خلال عودة “الأفغان العرب” إلى بلدانهم بعد الحرب الأفغانية. أما حديثا، فقد سهلت السعودية عملية تدمير واحتلال العراق خلال حرب الخليج والعدوان الثلاثيني، وقد ورطت العرب في تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وزجت بهم في متاهات التطرف التي لم تنته حتى اليوم من خلال نشاط التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة، والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وهو نفس المأزق الذي يستمر مع “داعش” في المشرق و”بوكوحرام” في غرب إفريقيا وجنوب الصحراء.
لقد حان الوقت للمسلمين عامة، وللطائفة السُّنية بشكل خاص، أن تسحب تلك الزعامة الروحية التي كانت ممنوحة لـ “سنة أمريكا” وتحالف زعاماتهم المخملية والزبونية بين أمراء الإقطاع وبرجوازيات صفقات الفساد والتبعية، ممن لا يجد غضاضة في احتقاره واحتجازه وإهانته من قبل ولي نعمته، دونما تحريك ساكن..
فماذا لا يأخذ المسلمون، خاصة السُّنة على عاتقهم رفع هذا التحدي الديني والأخلاقي والسياسي؟ من أجل التصدي لمهمة التجديد والإصلاح الديني التي طالما انتظرها الجميع..
إذا كان الغرب الذي خلق ودعم وحمى النظام السعودي طيلة أكثر من مائة سنة، قد انخرط مع السعودية في مسارات ملتوية من أجل إعادة ترتيب اللعبة من خلال إدخال تغييرات سطحية وشكلية على واجهة العائلة الحاكمة، محاولا بذلك إعطاءها عمرا جديدا.. يمنح للغرب الإمبريالي فرصة لتدبير أوراقه وتعديل أجندته الخاصة في المنطقة، تلك الأجندة التي تلتقي وتتحالف مع أجندة الكيان الإسرائيلي من خلال ما يسمى بـ “صفقة القرن”، فإن على أكثر من مليارين من المسلمين أن يرفعوا أصواتهم لكي يغيروا قواعد اللعبة، ويقلبوا للغرب ظهر المجن، من خلال استغلال ذكي يسحب ورقة الأماكن الإسلامية المقدسة من بورصة السعوديين والأمريكان.. ويغير جذريا الموازين الجيوستراتيجية والإقليمية والدولية، لصالح المسلمين.. في إطار مشروع أخلاقي لنهضة إسلامية حقيقية.. قد نسميه “صفقة الألفية”.
فليأخذ السعوديون نفط الجزيرة العربية إذا شاءوا، ولكن ليرحلوا عن أرض الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وليسموا مملكتهم بـ “الدرعية” أو غيرها، ولا بد من تغيير العلم لترفع عنه عبارة التوحيد المشتركة بين جميع المسلمين، بعد أن لم يعد يليق بحملها..

سيدي محمد ولد بوبكر: قراءة في طموح سياسي مثير؟

حتى وإن بَدَا متأخرًا ذلك الطموح السياسي الذي أبانَ عنه الوزير الأول الأسبق السيد سيدي محمد ولد بوبكر، من خلال الإعلان عن ترشحه للمنصب...