jeudi 27 décembre 2018

مسافة الثورة مثل رحلة الألف ميل.. وزمن الثورة زمن زئبقي.. أيام تونس و لياليها غير عادية.. تتغير باختلاف الليل و النهار.. الليل ملك للجند و للعسس.. و النهار ملك للشعب و للشارع.. الساعات تمر خارج إطارها.. و عقارب الساعة تقضم ذيل دهر فظ.. جثم طويلا كالأفعى على محيا بلد جميل.. لحظات مهيبة تقع خارج المألوف و المعروف..
العالم كله يلهث خلف ثورة الياسمين.. كثيرون يغازلونها.. و البعض يتربص بها.. ثورة تونس حورية حسناء خرجت لتوها من البحر الأبيض المتوسط.. لكن عريسها من الجنوب .. شاب أسمر متمرد من أهالي سيدي بوزيد..
ثورة تونس هي نوع من "تسونامي" الكرامة.. بمقاسات طبيعية.. تحدث على الهواء مباشرة.. و تجدد زينتها على مدار الساعة.. في الهواء الطلق.. لا تعبأ بظروف الطقس و لا تخاف من نزلات البرد.. هذه هي الثورة التونسية.. و هكذا سيكتب عنها في مدونته اليوم "هوميروس" آخر رقمي.. قبل أن يخلد إلى النوم في انتظار يوم جديد.. من أيام ثورة تحت الطبع.. 
"سحر ماء الهباء.. سبحت صاهباء.. هلبا هلبا.. سبحت صاهباء"..
الثورة في تونس فعل إنساني مضارع، مستمر في الزمان و المكان.. تصرفه صيرورة الأحداث في زمن جديد.. و توقيت جديد.. خارج قواعد الصرف و النحو و الإعراب.. زمن ارجواني، ليلكي، ينثر ياسمينا و تمرا.. يختلف تماما عن روزنامة التوقيت العالمي الموحد.. و يسخر من سخافة دوائر الطول و العرض..
ثورة تونس مثل تفجر الإبداع.. ورحيق الخمور المعتقة.. ومواعيد العشاق.. و أحوال المتصوفة.. فهي تخلق زمنها الخاص بها.. و تضبط الآخرين على توقيت فيضها اللامتناهي عبر حدود الزمان و المكان..
في هذه الأيام، ينقسم الزمن في تونس إلى زمنين مختلفين ومتناقضين.. يجسدهما فريقان متقابلان.. لم يعد يفصل بينهما عن موعد ساعة الحسم سوى مسافة المائة متر الأخيرة من الشوط النهائي.. أما الزمن الأول فهو ملك للشارع التونسي الهادر.. على امتداد جغرافية الوطن الثائر من سيدي بوزيد، و القصرين، والقيروان، و تاله، و الكاف، و صفاقس، إلى المهدية، و المنستير، و سوسة، إلى مدنين، و قابس، و تطاوين، و غيرها.. وصولا إلى تونس العاصمة.
 وأما الزمن الثاني، فهو زمن الوقت بدل الضائع.. الذي يحاول الفريق الآخر جاهدا أن يناور في الدقائق الأخيرة المتبقية منه... للالتفاف على الثورة .. وسرقة أفراح الشعب كما سرق أخ لهم من قبل أقواته و أحلامه.
ولكن هيهات.. زمن الثورة.. هو الذي سينتصر في النهاية.. و عندها لن يرحم صلف و مكر و حيل.. و قلة حياء تلك البقايا المتحجرة من ديناصورات نظام سلطوي ينتمي إلى العصر الجوراسيكي.. و ستجرف الثورة  كل أغلال "السد" و ذئابه البشرية إلى مهاوي الآفلين.
ثورة "غيلان" لن تتلاشى عند "منحدر جبل أخشب غليظ".. ولن تدخل "ميمونة" إلى مضاجع الجلادين و الخفافيش.. و لن تعاشر"ميارى" الأشرار و الوحوش.
ثورة تونس لن تبيع حليب ثدييها بدريهمات من اليورو لسياح على قارعة الطريق..  و لن تسكر الثورة بخمور مهربة .. ولن تأكل أولادها و حوارييها.. بل سترضعهم حليبا و مسكا.. و ستطعمهم خبزا و فاكهة و تمرا.. و ستسقيهم عصيرا وجعة..  و لن يستطيع كائن من كان أن ينتزع الحلم الوردي بعد الآن من شباب تونس و شيبها.. من رجالها و نسائها.. من طلابها و شغيلتها.. من محاميها و صحفييها.. من صياديها ومزارعيها.. من طلائعها و سياسييها.. من نخبها و مثقفيها..
طبعا.. سيبقى هناك بعض من سدنة "مغارة علي بابا" و حراسها لم يفهموا حتى الآن حقيقة أنهم إنما يلعبون في الوقت بدل الضائع.. و أن المباراة قد حسمت سلفا على سارية مشعل بشرى يدعى محمد البوعزيزي.. و أن صافرة النهاية قد أزفت أخيرا..
معالم لوحة الثورة قد اتضحت ملامحها، مضرجة بالدم الطاهر و الياسمين: حشود غاضبة، و باقات ورد فواحة من دكاكين شارع بورقيبة .. تضيق بهم رحابة ساحة الاستقلال.. و قد ارتدت أجمل الأثواب.. أمام هيبة تمثال بن خلدون ورصانة فكره و حكمته.. جنود شباب يبتسمون و يعانقون الثوار.. وقطار الثورة الأخضر.. يندفع في مساره نحو رصيف الحرية و الكرامة و الخبز و"الهريسة"..
لوحة الثورة قد نضجت و اكتملت.. ولم تعد قابلة للمحو أوالزوال.. خلدها الإعلام المرئي قبل المسموع.. و احتضن أبطالها المجتمع الافتراضي على الفيسبوك  و اليوتوب.. و ها هي أرواح الشهداء، وقد روت دماؤهم عطش الشعب للحرية، ترفرف حارسة جموع الثوار في ساحة الاستقلال والحرية.. وهي تهمس بأحلام مستقبل أفضل لشعب أراد الحياة..
انواكشوط، 18 دجمبر 2018
محمد السالك ولد إبراهيم
[1]  إعادة نشر مقال سابق بعنوان "يوميات ثورة تحت الطبع"، تخليدا لثورة الياسمين في تونس، التي انطلقت شرارتها الأولى يوم 18 دجمبر 2010 تضامنًا مع الشاب محمد البوعزيزي، الذي قام بإضرام النار في جسده، حيث خرج آلاف التونسيين رفضا لما اعتبروه أوضاع البطالة وانعدام العدالة الاجتماعية وتفاقم الفساد داخل النظام الذي كان حاكما آنذاك.

دين الحياء: التحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال

للأسف، لم أتمكن خلال زيارتي الأخيرة للرباط، من أجل المشاركة كمتحدث رئيسي في «منتدى الأمن الإفريقي«، من زيارة أستاذي المبجل الفيلسوف المتصوف البروفسور طه عبد الرحمن، أطال الله بقاءه.
لكن المفاجأة كانت سارة عندما أتحفتنا الخطوط الملكية المغربية عند مدخل الطائرة -كعادة كبريات شركات النقل الجوي- بباقة متنوعة من الصحف المغربية الصادرة في نفس اليوم. ولحسن الحظ، وجدت بينها عددا من صحيفة «العلَم« ينشر ضمن صفحته «منبر الجمعة« حلقات متسلسلة من ثلاثية الفيلسوف طه عبد الرحمن، «دين الحياء: من الفقه الائتماري إلى الفقه الائتماني«، التي صدرت أجزاؤها الثلاثة عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع في بيروت، سنة 2017. 
ذكرتني هذه الحلقة من الفصل السابع من الكتاب الثاني في الثلاثية، والذي عنوانه « دين الحياء: التحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال»، بعوالم الفيلسوف المجدد، المبدع، أطال الله بقاءه، البروفسور طه عبد الرحمن، عندما كنت طالبا متواضعا لدى حضرته الفاضله، في الدراسات العليا بقسم الإبستيمولوجيا بجامعة محمد الخامس، أواخر ثمانينيات القرن الماضي..
فلأستاذنا الجليل البروفسور طه عبد الرحمن، أطال الله بقاءه، عوالمه الفكرية والمعرفية والروحانية الرحبة والثرية والعميقة، التي تشكلت على مدى أكثر من خمسين سنة من العطاء الفكري والمعرفي النوعي، الذي لا ينضب ما شاء الله، وقد صدرت له حتى الآن قرابة ثلاثين مؤلفا من بينها أربعة كتب نشرها في السنة الماضية. 
باختصار شديد، يعتقد المفكر والفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، بأن المسلمين قد وقعوا في مأزق تاريخي عندما خانوا «الأمانة»، التي هي مفهوم يتأسس عنده على ما يسميه بـ «النظرية الميثاقية» التي تقوم في أساسها  على «مُواثقة تمت في عالم الملكوت، وحصلت بين الإنسان وخالقه، وليس بين الإنسان والإنسان، كما في النظرية «العقد الإجتماعي» لدى فلاسفة التنوير الغربيين؛ فهو إذن عقد روحاني، وليس عقدا اجتماعيا. 
وتنقسم هذه «المواثقة» الروحانية لدى فيلسوفنا الكبير، إلى ميثاقين رئيسيين هما: «ميثاق الإشهاد» الذي أقرّ فيه الإنسان بربوبية خالقه لمّا تجلّى له بأسمائه الحسنى؛ و «ميثاق الائتمان» الذي حمَل بموجبه أمانة القيم التي تجلت بها تلك الأسماء الحسنى. 
وبناء على هذا التوصيف، يقترح الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، على الأمة الإسلامية تبني الخيار الأمثل من أجل الخروج من المأزق، بالرجوع إلى «أخلاق الحياء»، التي يولدها في سلوكهم «الفقه الائتماني»، والحال أن تلك العودة المؤملة، تقتضي مراجعة واعية لمنظومة «الفقه الائتماري» التي سيطرت على مسار النظر في الشرع طيلة القرون التي خلت، بما طغى عليها من انغلاق، وتعصب، وجمود في التعامل الفكري مع جوهر الإسلام كآخر رسالة سماوية موجهة لإنقاذ البشر. 
أما في كتابه «دين الحياء: التحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال»، فيتطرق الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، إلى  تحليل ثلاث ظواهر تفرضها ثورة الإعلام والاتصال على المجتمعات المعاصرة، يعتبرها آفات رئيسية هي «التفرج» و«التجسس» و«التكشف». 
وتنبع فلسفة البروفسور طه عبد الرحمن، في معالجته الفكرية الرائعة هذه، من غلبة فكرة أن «الإنسان المعاصر» فاقد للحياء أو مهدد بفقدانه، والتي كان لثورة الإعلام والاتصال نصيب كبير في تشكيلها. ولعل هذا الموقف هو الذي وجه اهتمام الفيلسوف الكبير نحو تسليط الضوء على أهم الأطروحات الفلسفية التي تقف وراء انبثاق هذا «النموذج الخُلُقي الذهني» للإنسان المعاصر فاقد الحياء أو المهدد بفقدانه، وهو يخصَّ بالذكر نظريات التعاقد الاجتماعي التي أخرجت الإنسان من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية، عبر ما اصطلح عليه طه عبد الرحمن بـ «النظرية العقدية»، والتي يقابلها بأطروحته «النظرية الميثاقية» كما أسلفنا. 
ويتطرق الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، في كتابه « دين الحياء: التحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال»، إلى تحليل ظاهرة «التفرج» بوصفها تضبط علاقة الإنسان المعاصر بالشاشة، حيث يحدد الفيلسوف للتفرج جملة من الخصائص المميزة هي: التوسط بالصور، وتملك المصوَّرات، وتضرُّر القدرات، وإبدال الوهم بالحقيقة، وعنف الصور؛
أما الآفة الثانية أي «التجسّس»، فيعتبر الفيلسوف بأنها تتجسد من خلال عدة خصائص منها الغلو في المراقبة، والنفوذ إلى باطن الإنسان، والنفوذ إلى الحياة الخاصة، وطلب الإحاطة بكل شيء، والرغبة في التحكم بكل شيء؛
أما الظاهرة الثالثة التي هي آفة «التكشف» فهي تتحدد من خلال عدة مظاهر منها التكشف الإحاطي،  والتكشف العمومي، وإبداء الكل، وإبداء الباطن، وحب الوجود، وحب الذات، واستهواء الآخر.
يقول الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن- الذي يعتبر أن الحضارة المعاصرة، لَمّا كان أحد وجوهها الرئيسية أنها حضارة «النظر»، فهي قد نقلت الإنسان المعاصر من وضعية الناظر إلى وضعية المتفرج، إذ اتخذ المتفرج الصور واسطة يتوسل بها في علاقته بذاته وعلاقته بالعالم وعلاقته بالآخرين، حتى كأنه لا شيء في العالم إلا الصور، ولا شيء إلا بها، ولا شيء إلا معها- إن الخاصية الأولى التي تميز التكشف المعاصر، تكشفا عينيا كان أو ذهنيا، هي أنه تكشف كلي من جهتين، إحداهما أنه «تكشف إحاطي» «والثانية أنه «تكشف عمومي».
والمقصود بالكشف الإحاطي هو تعاطي المواطن إبداء كل شيء من خاص حياته، جسيما كان أو نفيسا. فضلا عن ما يبدو من عامها، بحجة أنه يمارس حقه في الحرية، ويلبي رغبته في الصدق، والواقع أنه لولا أن الشاشة قد بلغ استحواذها على نفس المواطن مبلغا فاحشا، حتى عاد لا يرى العالم، بل لا يرى نفسه، إلا من خلالها، ما كان ليندفع في مثل هذا التكشف الذي يحيط بكل شأن من شؤونه.  
ويسوق الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، مثالا في هذا المجال، من خلال حالة الطالبة الأمريكية «جينيفر رينغلي» ذات التسعة عشر ربيعا، والتي يعتبرها رائدة «التكشف العيني الإحاطي»، وهي التي ثبتت في غرفتها، كاميرا متصلة بشبكة الإنترنت، وظلت طيلة سبع سنوات من 1996 إلى 2003، تبث بشكل حي ومباشر حياتها على الهواء بكل تفاصيلها اليومية العادية وكذا الحميمية. وقد بلغ عدد الزوار لموقعها حوالي خمسة ملايين يوميا. 
أما «التكشف العمومي» فالمقصود به عند  الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، هو تعاطي المواطنين التكشف بعضهم لبعض، بحيث يتكشف الجميع للجميع. فلم يعد التكشف خاصا بنجوم الفن أو أبطال الرياضة أو رموز السلطة، أو أرباب المال، بل بات يشمل العامة من الناس أسوياء كانوا أم شواذ، بحجة أن الجميع يتمتع بحق الظهور على الشاشة. 
يقول الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، بأن الوصف الكلي الذي يتصف به هذا التكشف ينبئ بأنه لا يمكن الوصول إليه إلا بتعدي الحدود.. سواء كانت أحكاما قانونية، أو قواعد مجتمعية، أو عادات ثقافية، أو قيما أخلاقية، حتى أن هذا التعدي أصبح السمة المميزة له. 
ويبين الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، ذلك من خلال محاججة توضح أنه ليس كل شيء ينبغي كشفه.. لأن ضررا متيقنا قد يعود على الذات أو على الآخر بسب ذلك، وكشف ما فيه ضرر مستيقن إنما هو تعد للحدود.. كما أنه ليس كل إنسان ينبغي أن يكشف ما عنده.. لأن ما عنده قد يخصه، ولا يتعلق منه شيء بغيره.. وكشف ما يخصه بغير موجب هو إسراف في الإبداء، ولأن ما كل إنسان ينبغي أن يكشف له عن ما يكشف لغيره.. لأن في هذا الكشف انتهاكا لخصوصية فرد بعينه أو جماعة بعينها.. وانتهاكا لخصوصية الآخرين، فهو أيضا إسراف في الإبداء.. 
ولما كانت الصورة، التي هي قوام التكشف، مباشرة كانت، كما في «التكشف العيني» أو غير مباشرة، كما في «التكشف الذهني»، تتوخى بالأساس، مصادمة الوجدان وإثارة الإنفعال، ازداد هذا الإسراف سوء على سوئه.. 
 ولعل ذلك هو السبب الرئيس كما يقول الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، في بروز فضاء تدويني واسع على الشبكة العنكبوتية هو عبارة عن حياة اجتماعية افتراضية مشتركة بين أفراد لا يتلاقون أبدا، حياة ملؤها التكشف على كل الأنحاء، إن تبادلا للصور أو تناقلا للأخبار، أو إفشاء للأسرار، جاعلين من الشاشة مرآتهم التي يتراءون فيها، ونافذتهم التي يتواصلون بفضلها.
 وهنا يلتقي الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن في مثاقفة رائعة مع أعمال فلاسفة معاصرين أفذاذ مثل ميشيل فوكو، وهربرت ماركيوز، ويورجن هابرماس، قد اشتغلوا على التحديات القيمية والأخلاقية المرتبطة بثورة الاتصالات السائدة في العالم، وربطوها بتفسيرات مختلفة سياسية مثل خدمة الإستبداد، أو اقتصادية مثل هيمنة السوق على المجتمع الإستهلاكي، أو تكنومجتمعية مثل عولمة المجال الإنساني من خلال سيادة منظومات الأتمتة السيبرانية.
 ويخلص الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، إلى أن الإنسان من حيث هو، ينزع، بموجب القيم التي تحملها فطرته، إلى إخفاء بعض الجوانب من حياته، بدءا بقضاء حاجته الطبيعية وانتهاء بقضاء وطره الغريزي.. لكن الإنسان يبقى بالنسبة له من حيث الماهية، ثابتا ولو نسبيا، على ما كانت عليه فطرته السليمة منذ أن كان عند الخليقة..
 بطبيعة الحال، لا يزعم الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، عند تحليله للتحديات الأخلاقية لثورة الإعلام والاتصال، بأنه أول من اشتغل على التحديات القيمية والأخلاقية المرتبطة بثورة الاتصالات السائدة في العالم بأسره، وإنما يستشهد بعدة أعمال مرجعية يعود لها السبق في هذا المجال، بل إنه ينوه ببعضها كما ذكرنا سابقا، ولكن الجديد في اشتغال الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن ــ وهو جديد مرتبط بمقتضى المجال التداولي الإسلامي ــ أنه يشتغل على التعريف بالفوارق الجلية بين تفاعل الفقيه «الائتماري» والفقيه «الائتماني» مع هذه التحديات، وهذا التنظير- حسب ما توصل إليه كثير من الباحثين- إنما هو طرح فكري جديد غير مسبوق،  بل إن تفصيل الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن، في مقتضى ثلاثية آفات التفرج والتجسس والتكشف، يتضمن اجتهادات ثقافية جديدة كليا لم يوجد لها أثر حتى في الاجتهادات الصادرة في المجال التداولي الغربي.
 أطال الله بقاء أستاذنا الجليل، الفيلسوف والمتصوف البروفسور طه عبد الرحمن.. ونفعنا بعلمه الوازن وخلقه الرفيع..

في ذكرى رحيل مؤسس موريتانيا

رحم الله الأب المؤسس للدولة الموريتانية اﻷستاذ المختار ولد داداه رحمة واسعة.. 
لا يمكنكم تصور مقدار ما أكنه لهذا الرجل العبقري من الإحترام والتقدير.. ولا أتصور بأن هذا النوع من الشخصيات العبقرية، المتميزة خَلقاً وخُلقاً، وفكرا وعملا، تتكرر كثيرا في تاريخ الشعوب والبلدان. 
يذكر - رحمه الله- في الفصل الذي أفرده للحديث عن قصته مع المال، ابتداء من الصفحة 407 في النسخة الفرنسية من مذكراته، بأنه لو أراد أن يكون مليارديرا من غير اختلاس ولا سوء تسيير للمال العمومي، لكان له ذلك.. ولكن كيف؟

كما يقول هو في الصفحة 417، "كان بإمكاني فقط أن احتفظ بالهبات المالية التي منحت لي بصفة شخصية".. 
لكن الأب المؤسس لم يفعل ذلك.. 
بل إنه ذكر- رحمه الله- لائحة المانحين والمبالغ التي أعطيت له وذلك بالترتيب:

- 1. شيك مصرفي بقيمة مليون دولار من طرف الملك فيصل رحمه الله، أرسله سنة 1972 لكن الرئيس المختار تنازل عن المبلغ لصالح المجهود الوطني لمواجهة كارثة الجفاف.
- 2. مبلغ 500 مليون فرنك غرب إفريقي من طرف الرئيس موبوتو سيسيكو، سنة 1973، لكن الأب المؤسس المختار تنازل عنه لتشييد المدرسة العليا للتعليم ENS ؛
- 3. طائرة من نوع كرافيل ومعها مبلغ 400 مليون فرنك غرب إفريقي، من طرف الرئيس عمر بونغو، وتنازل عنها الرئيس المختار، وخصصها لتشييد معهد التربية والدراسات السياسية،
-4. مبلغ مليارين من الفرنك الغرب إفريقي، قدمهما الرئيس هوفوت بونيي سنة 1977، وتنازل عنهما الرئيس المختار مباشرة للخزينة العامة للدولة؛
- 5. مبلغ 25 مليون فرنك غرب إفريقي من طرف الرئيس الكامروني أحمدو آهيديو، تنازل عنه الأستاذ المختار لصالح اﻹعتمادات الخاصة..
تغمده الله بواسع رحمته... وأسكنه فسيح جناته..
ذكرناه بخير..

الإغتيال السياسي..


يشكل الاغتيال السياسي وجها آخر للإرهاب المعاصر، رغم أنه كان معروفا على نطاق واسع في الحضارات القديمة والوسطى، من خلال التآمر على الملوك و الأمراء والحكام و الوزراء وكبار الشخصيات في الدول القديمة. فالفرعون "تيتي" مؤسس السلالة الملكية المصرية السادسة مات مغتالا سنة 2291 قبل الميلاد، كما اغتيل الإمبراطور الروماني "موميتيان" سنة 96م، و اغتيل "سيجبير الأول" ملك فرنسا القديمة سنة 575. كما ظهرت أيضا الاغتيالات السياسية في العهود الإسلامية الأولى، مع مقتل الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم: عمر بن الخطاب سنة 644م و عثمان بن عفان سنة 656 وعلي بن أبي طالب سنة 660م .


وفي القرون الوسطى، كان حسن الصباح، زعيم جماعة "الحشاشين" أوSecte des Assassins يختار بنفسه أعضاء عصاباته الذين يرسلهم من قلعة "آلموت" بجبال إيران، في مهمات للاغتيال المنظم. و كان يشرح لهم طريقة القيام بذلك، ويدربهم ثم يسلمهم خناجر مسمومة خاصة لتنفيذ عمليات الاغتيال. و كان من أوائل ضحايا الحشاشين الوزير "نظام الملك"، وهو أبو علي الحسن الطوسي، أشهر وزراء الدولة السلجوقية. و قد تم اغتياله في أصفهان سنة 1092، و بعده الوزير المهيب قائد جيوش الأفضل، وكذلك الملك "كونراد دي مونتفيرات" سنة 1192، أحد قادة الحملات الصليبية وملك القدس تحت الحكم الصليبى. كما حاول الحشاشون اغتيال صلاح الدين الأيوبي أكثر من مرة.

للتعمق في الموضوع، يرجى لطفا الإطلاع على دراستنا " من الـ "كلاديو" إلى "القاعدة" .. من يقف وراء الإرهاب؟ على الرابط التالي:

نهاية السعودية.. وصحوة العالم الإسلامي ..

مع اعتراف الدولة السعودية رسميا بتورطها في التخطيط لجريمة اغتيال الصحفي السعودي المرحوم جمال خاشقجي، وتنفيذها داخل قنصليتها باسطنبول في الثاني من أكتوبر 2018، تنتهي أخلاقيا وبشكل مأساوي ومرعب أسطورة المملكة العربية السعودية، التي طالما حرصت على تكريسها كزعيمة للعالم الإسلامي الذي يتجاوز عدد أفراده اليوم ملياري نسمة، يشكلون أكثر من ربع سكان العالم.

هكذا انتهت تلك المشروعية الأخلاقية وتلك المكانة الرفيعة التي طالما تمتعت بها السعودية في وجدان غالبية المسلمين، باعتبار أن أراضيها تضم الأماكن الإسلامية المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وأنها انطلاقا من ذلك، تعتبر زعيمة بلا منازع لطائفة المسلمين السُّنة، التي يقدر عدد أفرادها بحوالي مليار ونصف مليار نسمة في جميع أنحاء العالم.
لكن، لماذا يجد الكثير من المسلمين في العالم اليوم صعوبة حتى في تصديق هذه النهاية المرعبة وغير المتوقعة؟ وكيف يستوعبون اختفاء تلك الصورة النمطية التي تربت على احترامها -بل وتقديسها أحيانا- أجيال متعاقبة من المسلمين في شتى أنحاء العالم؟ بل وكيف يمكن للمسلمين تجاوز الصدمة لكي يتمكنوا من فهم الأبعاد المتعددة والخطيرة لهذا السقوط الرهيب؟ لدولة بحجم السعودية، كانت تفاخر بلقب ملكها باعتباره “خادم الحرمين الشريفين”. ثم هل سيكون لدى المسلمين، بعد أن يستوعبوا الحقيقة الصادمة، ذلك المستوى المطلوب من قوة الإرادة والقدرة على الاستشراف من أجل التعامل مع التداعيات المختلفة لهذا السقوط قبل فوات الأوان؟ بما يحد من الخسائر والتكاليف.. ويساعد على الخروج من المأزق بشكل يليق بالمكانة الروحية والحضارية، وكذا بالثقل الجيوستراتيجي الذي يمثله العالم الإسلامي.. بكل تنوعه وثرائه الثقافي واختلافه السياسي..
بعد اليوم، لا أعتقد بأن المسلمين – وخاصة أهل السُّنة- سيشرفهم أن تقودهم دولة تغتال مواطنيها الأبرياء داخل قنصلياتها، وتمثل بجثثهم، بل وترفض حتى مجرد تسليمها لذويهم من أجل إقامة مراسم الدفن واستقبال التعازي، كما هو معهود في التقاليد الإسلامية الراسخة.
لا شك بأن اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، جريمة وحشية، بشعة، صادمة وممجوجة بكل المعايير والمقاييس.. إنها جريمة بكل المعاني الإنسانية والأخلاقية والتاريخية، والدينية والسياسية والعاطفية.. وهي تطرح حاليا وستطرح في المستقبل القريب، العديد من المشاكل بالنسبة للعالم الإسلامي على كل المستويات الإنسانية والأخلاقية والدينية والسياسية والفكرية..
فعلى المستوى التاريخي، لا يكاد التاريخ الحديث والمعاصر يذكر سوى أمثلة قليلة جدا عن عمليات قتل الدول لأفراد من رعاياها داخل بعثاتها الدبلوماسية.. لذا، ستدخل هذه الجريمة في كتب ومجلدات التاريخ من الباب الواسع، سواء من حيث غرابتها، وبشاعتها أو من حيث تداعياتها الخطيرة على كل الأصعدة.
أما على المستوى الأخلاقي، فلم يكن غالبية المسلمين ليتصوروا بأن دولة مسلمة، حتى لو كانت شمولية مثل السعودية، ومهما بلغ بها التجبر والاستبداد والعجرفة، يمكن أن تسقط إلى مستوى تعامل المافيا والعصابات مع مواطن بريء، لا ذنب له سوى التعبير عن رأيه بكل مسؤولية واحترام عبر وسائل الإعلام ومن خلال الكتابة في كبريات الصحف الدولية.
أجل، لقد انهارت فجأة تلك الثقة والقدرة الائتمانية، وانهار معها ذلك الرصيد الأخلاقي من الاحترام والتقدير الذي كان المسلمون يمنحونه مجانا للسعودية رغم كل مساوئها.. لقد آن الأوان لحكام ذلك البلد أن يستفيقوا من غيهم ويتوقفوا عن مكابرتهم، لكي يستطيعوا فهم المشاعر المصدومة لأكثر من ملياري مسلم في أنحاء العالم إزاء مأساوية وبشاعة ما اقترفته أيديهم من جرم في قضية جمال خاشقجي.. التي يبدو أنها ليست سوى الشجرة التي تخفي الغابة..
أما على المستوى الديني، فلا بد أن المسلمين يتساءلون بجدية، ولو بصيغ تعبيرية مختلفة: هل يجدر بهم بعد كل ما حدث، أن يقبلوا أن تستمر السعودية- بعد أن أصبحت بالفعل دولة مارقة- في رعاية الأماكن المقدسة في الحرمين الشريفين بمكة المكرمة والمدينة المنورة وضواحيهما؟
هل ينسجم شرعيا وأخلاقيا رفع راية تحمل شهادة التوحيد مع تعمد قتل امرئ مسلم بريء، وتقطيع أشلائه داخل قنصلية بلاده، التي يفترض بأنها مرفق عمومي ممول من طرف دافعي الضرائب من أجل توفير الأمان والرعاية والخدمة لمواطني البلد خارج وطنهم؟
وهل يستقيم أصلا من الناحيتين الشرعية والأخلاقية، أن يوضع بلد يضم أقدس الأماكن لدى عامة المسلمين أي الكعبة المشرفة، وهي بيت الله الحرام، والمسجد النبوي الشريف، وكل المشاعر المقدسة الأخرى في منى، وجبل عرفات، ومزدلفة، وغيرها من المواقع والمزارات الإسلامية التي تقع في ضواحي هاتين المدينتين، هل يعقل أن تبقى هذه المقدسات تحت تسمية هي مجرد نسبة لشخص أو لعائلة ولو كانت أبناء سعود؟ أحرى أن تكون تلك النسبة تحت صفة “مملكة”؟ وهي في رأيي إضافة شاذة وادعاء باطل، فلا يعقل شرعا ولا عقلا أن تخلع صفة الملك البشري الناقص والمحدود على الملك الإلهي المطلق والكلي، أي على بلاد الحرمين الشريفين. فلماذا لم يعبر المسلمون عن احتجاجهم على تلك التسمية وتلك الإضافة غير اللائقة منذ البداية؟ رغم أن عددهم آنذاك يزيد على مليار نسمة، ولماذا يستمر المسلمون حتى اليوم في السكوت على هذا الوضع الشاذ وهم أكثر من ملياري نسمة في جميع أرجاء المعمورة؟
ألم يحن الوقت بعد ليطالب المسلمون في جميع أنحاء العالم دولهم بأن تتدخل لدى المنتظم الأممي لكي تمنح الأماكن المقدسة وضعا سياسيا ككيان مستقل غير خاضع لسيادة أي دولة مهما كانت.. على أن تتم إدارته وتدبير شؤونه الدينية والمدنية من طرف هيئة إسلامية يتم الإتفاق عليها وعلى قواعدها الناظمة وإجراءات عملها، بين كل الدول الإسلامية ومنظمات المجتمع المدني الإسلامي الحرة، بحيث تكون هيئة مستقلة من النواحي المالية والإدارية.
أعتقد أنه، بعد السقوط السعودي الشنيع والتمادي في جريمة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي، لا يمكن إلا أن يشعر المسلمون في جميع أنحاء العالم بأنهم لم يعودوا آمنين على أنفسهم داخل البعثات الدبلوماسية والقنصليات السعودية عندما يلجؤون إليها من أجل ترتيبات الحج والعمرة.. أو لإتمام أي معاملات أخرى عادية، ناهيك عن الأخطار والمشاكل والخلافات الجيوسياسية الكثيرة المنذرة بتفشي الصراعات وانعدام الاستقرار وتهديد السلام، التي ستؤدي إليها- بلا شك- تداعيات تصفية جمال خاشقجي، بين كل من تركيا والسعودية من جهة، وبين السعودية وبقية بلدان العالم الغربي من جهة أخرى، على ضوء ما توحي به التطورات الجارية على المستويات الدبلوماسية والسياسية والقضائية وغيرها.
لقد حان الوقت الآن بعد كل هذا التخبط والتيه، لكي يوضع حد لاحتكار شرف رعاية الأماكن الإسلامية المقدسة والاستحواذ على ريعها من طرف السعودية. ويكفي بأن هذه الأماكن المقدسة قد تم اختطافها طيلة هذه الفترة، من طرف أشد أنظمة الحكم تزمتا واستبدادا وظلامية. لقد استغلت السعودية سمعة الدين الإسلامي بكل بجاحة، وسادت بإسمه ردحا طويلا من الزمن، بينما ظل نظامها يبدد ثروات بلاده ويضطهد شعبها، حيث يقبع حاليا أكثر من ثلاثة آلاف مواطن في السجون والمعتقلات. وهو نظام ما فتئ – رغم ادعاء ميوله نحو التحديث والإصلاح، يعيش في ظلامية القرون الوسطى، وذلك ما يثبته قراره المضحك مؤخرا بالسماح للسيدات بقيادة السيارات، بينما يعرف الجميع بأن النساء كن يقدن سياراتهن ولكن سرا، وكان النظام يحكم عليهن بالسجن إذا ما انكشف أمرهن.. كما يعرف جميع المسلمين والعالم أجمع، بأن النظام السعودي لم ينتج من الناحية العملية خلال أكثر من مائة سنة، غير السلفية المتطرفة، وتفريخ التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش وأخواتها..
لقد حان الوقت لكسر مركزية تحالف الأنظمة العشائرية والرجعية العربية الاستبدادية المتواطئة مع هيمنة الغرب الإمبريالي وجشعه اللامتناهي من أجل استغلال مصادر الطاقة في شبه الجزيرة والخليج العربي.
بعد كل ما حدث، لا شك بأن الضمير الجمعي للمسلمين قد بدأ يستيقظ.. لذا، كان لا بد للنخب المستنيرة والمجتمع المدني الحر في العالم الإسلامي أن تبحث عن صيغة مناسبة لوضع آلية للإشراف على تدبير شؤون الأماكن الإسلامية المقدسة في الحرمين الشريفين، تكون أكثر عقلانية وتوازنا وإنصافا. وذلك من خلال الأخذ بعين الإعتبار المعطيات الموضوعية الديموغرافية والجيوستراتيجية الكبرى للبلدان الإسلامية غير العربية، خاصة منها تلك التي ليس لها ماض استعماري ولا حساسيات محلية في المنطقة. وبالتالي، فلا بد من إعادة تقييم مشاركة المسلمين غير العرب، حيث يمثل العرب أقل من 20% من المسلمين في العالم، أما المسلمون من الأمم الأخرى فتبلغ أعدادهم الهائلة مثلا في شرق وجنوب ووسط آسيا أكثر من 40% من إجمالي المسلمين، بينما يمثل بلد واحد في جنوب شرق آسيا هو إندونيسيا أكبر عدد من المسلمين، يقدر بحوالي 13% من إجمالي المسلمين في العالم.
وكذلك، لا بد من الأخذ بعين الإعتبار حجم المسلمين في القارة الإفريقية وفي دول الساحل وجنوب الصحراء الكبرى، الذين يمثلون حوالي 15%، حيث يبلغ عدد المسلمين في دولة واحدة مثل نيجيريا أكثر من 70 مليون نسمة، وهو رقم يعادل عدد المسلمين في جميع دول الخليج ومعها اليمن. كما توجد مجتمعات إسلامية كبيرة في الصين وروسيا والقوقاز، والفلبين وفي الأمريكتين، وأوروبا.
ولا شك بأن الطريق لمعالجة واقع المسلمين وآفاق النهوض بمستقبلهم بعد سقوط أسطورة السعودية، يمر حتما بالتشاور مع المجتمعات الإسلامية الكبرى في تلك البلدان الكبرى، بغية إشراك أكبر عدد ممكن من المسلمين في عملية تشخيص الواقع والخروج بتصورات تشاركية مستنيرة لكيفية التوصل معا إلى حلول ناجعة لمواجهة التحديات، قصد التوصل إلى اتفاق دولي تمنح بموجبه الأماكن الإسلامية المقدسة وضعا قانونيا شبيها بوضع الفاتيكان، حيث يمكن تسمية الكيان الجديد بسلطنة أو جمهورية الحرمين الشريفين، مع وجود مجلس إدارة ذا طابع دولي، تتمتع فيه الدول الإسلامية المختلفة والهيئات الكبرى للمجتمع المدني الإسلامي الحر، بعضوية غير دائمة من خلال تناوب دوري محكوم بضوابط متفق عليها مسبقا.
كما يمكن أن تطالب الدول والمجتمعات الإسلامية الكبرى مثل اندونيسيا التي تمثل أكثر من 200 مليون مسلم، وباكستان وفيها أكثر من 180 مليون مسلم، والهند وهي أكثر من 170 مليون مسلم، وبنغلاديش وهي أكثر من 150 مليون مسلم، والصين وفيها أكثر من 120 مليون مسلم، وإيران، ونيجيريا ومصر وتركيا، حيث يوجد في كل منها أكثر من ثمانين مليون مسلم، ببعض الإصلاحات الضرورية مثل تحريم وضع عبارات التوحيد والرموز الدينية الإسلامية، التي تعتبر ملكا مشتركا بين جميع أفراد الأمة الإسلامية، على أعلام الدول، وبالتالي ضرورة تغيير العلم السعودي الحالي بما يتلاءم مع هذه المقتضيات.
وكذلك لا بد من المطالبة بتغيير أنظمة الحكم في شبه الجزيرة والخليج العربي – هذه المنطقة التي تمثل أقل 2% من تعداد المسلمين في العالم، إما إلى ملكيات دستورية ديمقراطية، يفصل فيها تدبير شؤون الدولة بين من يملك ومن يحكم، أو إلى جمهوريات عصرية تقوم على مبادئ الفصل بين السلطات، والتناوب السلمي على الحكم حسب النظام الديمقراطي الانتخابي، وذلك من أجل ضمان مناخ سياسي إيجابي، يساعد على استتباب الأمن والاستقرار في المنطقة التي توجد بها الأماكن الإسلامية المقدسة وعلى تخومها، وذلك بشكل مستدام وعلى المدى الطويل..
لقد حان الوقت بالنسبة للمسلمين عامة وللطائفة السُّنية بكل خاص، وهي التي تمثل بحجمها الديموغرافي ما يزيد على مليار ونصف من الأفراد، ينتشرون في جميع القارات.. في آسيا، وإفريقيا، وأوروبا وأمريكا وأوقيانوسيا، وفي أكثر من 50 بلدا إسلاميا، ولا شك بأن في كل هذه المجتمعات الإسلامية من العلماء والمفكرين وأهل الدين والورع.. وأهل الخير والبر وحفظة القرآن.. لا شك بأن فيهم من هم أحرص من السعودية على حماية بيضة الإسلام، وعلى قيام نهضة الأمة، وازدهار الحضارة الإسلامية، واستمرار إشعاعها الحضاري في العالم.. بعيدا عن الاستغلال السياسي والنفعي للدين، وعن كل المسلكيات السلبية التي لا تليق بالدين الإسلامي الحنيف.
أعتقد بأن المسلمين السُّنة، بما يتمتعون به من مكانة ومقدرات كبيرة وثقل جيوسياسي وازن، مطالبون اليوم ربما أكثر من غيرهم، بالعمل على تغيير الصورة النمطية السائدة عنهم .. وبمعالجة الميراث الصعب الذي خلفته السعودية، رغم أنها ليست من بين الدول الإسلامية العشر الأوائل من حيث تعداد المسلمين، لكنها استطاعت من خلال الإنفاق على الدعاية والعلاقات الزبونية وشراء الذمم، أن توهم العالم بأن العرب هم الغالبية الساحقة من المسلمين، وأنها هي التي تمثل العرب، وبأن المسلمين من غير العرب إنما هم مجرد “إخواننا” في الدين وعليهم أن يتبعوا علماء العرب..الذين تم اختزالهم في وقت من الأوقات في عدد قليل من علماء السعودية المدجنين، رغم أن الدول العشر الأوائل من حيث عدد المسلمين توجد ضمنها ثلاث دول عربية هي مصر والجزائر والمغرب، بينما الدول الأربع الأولى هي أساسا غير عربية، وهي اندونيسيا والهند، وباكستان، وبنغلاديش.
لقد كرست الدوغمائية السعودية نظرة اختزالية وإقصائية للمسلمين من غير العرب، بل ومن العرب أيضا ممن لا يقبلون الدوران في فلكها، جاعلة لنفسها ريادة في الدين والعقيدة ما أنزل الله بها من سلطان.. وموحية بأن الله قد منحها ذلك الفضل من خلال هيمنتها السياسية على الأماكن الإسلامية المقدسة.. وأن قيادة المسلمين إنما ترجع لها هي باعتبارها مرجعية دينية مطلقة.. لقد توهمت السعودية بأن الله قد أمرها هي فقط بالاهتمام بأمر المسلمين، بل لربما اعتقدت خطأ أيضا بأن الله قد أمرهم بإتباعها!
وهكذا، منذ عشرات السنين، دأبت السعودية إلى النظر إلى العالم الإسلامي كمجرد قطيع، أو مخزون بشري جاهز لتظهير وتأييد قراراتها وسياساتها على الدوام، مهما كانت خاطئة وطائشة.. لقد زجت السعودية -خدمة للأجندة الأمريكية- بالمسلمين السُّنة في حروب “الجهاد” في أفغانستان ضد السوفيات في نهاية سبعينيات القرن الماضي.. وكان صراعا بين القوى الدولية العظمى ضمن طاحونة الحرب الباردة، ولا ناقة ولا جمل فيه للمسلمين.. كما زرعت بذلك بذور الإرهاب من خلال عودة “الأفغان العرب” إلى بلدانهم بعد الحرب الأفغانية. أما حديثا، فقد سهلت السعودية عملية تدمير واحتلال العراق خلال حرب الخليج والعدوان الثلاثيني، وقد ورطت العرب في تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وزجت بهم في متاهات التطرف التي لم تنته حتى اليوم من خلال نشاط التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة، والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وهو نفس المأزق الذي يستمر مع “داعش” في المشرق و”بوكوحرام” في غرب إفريقيا وجنوب الصحراء.
لقد حان الوقت للمسلمين عامة، وللطائفة السُّنية بشكل خاص، أن تسحب تلك الزعامة الروحية التي كانت ممنوحة لـ “سنة أمريكا” وتحالف زعاماتهم المخملية والزبونية بين أمراء الإقطاع وبرجوازيات صفقات الفساد والتبعية، ممن لا يجد غضاضة في احتقاره واحتجازه وإهانته من قبل ولي نعمته، دونما تحريك ساكن..
فماذا لا يأخذ المسلمون، خاصة السُّنة على عاتقهم رفع هذا التحدي الديني والأخلاقي والسياسي؟ من أجل التصدي لمهمة التجديد والإصلاح الديني التي طالما انتظرها الجميع..
إذا كان الغرب الذي خلق ودعم وحمى النظام السعودي طيلة أكثر من مائة سنة، قد انخرط مع السعودية في مسارات ملتوية من أجل إعادة ترتيب اللعبة من خلال إدخال تغييرات سطحية وشكلية على واجهة العائلة الحاكمة، محاولا بذلك إعطاءها عمرا جديدا.. يمنح للغرب الإمبريالي فرصة لتدبير أوراقه وتعديل أجندته الخاصة في المنطقة، تلك الأجندة التي تلتقي وتتحالف مع أجندة الكيان الإسرائيلي من خلال ما يسمى بـ “صفقة القرن”، فإن على أكثر من مليارين من المسلمين أن يرفعوا أصواتهم لكي يغيروا قواعد اللعبة، ويقلبوا للغرب ظهر المجن، من خلال استغلال ذكي يسحب ورقة الأماكن الإسلامية المقدسة من بورصة السعوديين والأمريكان.. ويغير جذريا الموازين الجيوستراتيجية والإقليمية والدولية، لصالح المسلمين.. في إطار مشروع أخلاقي لنهضة إسلامية حقيقية.. قد نسميه “صفقة الألفية”.
فليأخذ السعوديون نفط الجزيرة العربية إذا شاءوا، ولكن ليرحلوا عن أرض الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وليسموا مملكتهم بـ “الدرعية” أو غيرها، ولا بد من تغيير العلم لترفع عنه عبارة التوحيد المشتركة بين جميع المسلمين، بعد أن لم يعد يليق بحملها..
من المؤكد بأن إعلان الرئيس الأمريكي السيد دونالد ترامب، عن عزمه إنهاء أهلية موريتانيا للاستفادة من نظام الأفضلية التجارية بموجب قانون النمو والفرص في إفريقيا المعروف بـ (AGOA)، ابتداء من فاتح يناير 2019، سيؤخر بلا شك إمكانية وصول بعض صادراتنا المحتملة إلى السوق الأمريكي العملاق، الذي تطمح إليه العديد من الدول الأخرى، نظراً لمزاياه الكثيرة من حيث الربحية والاستدامة. وهو ما يشكل خسارة لا مراء فيها لبلادنا على المستوى الاقتصادي والتجاري.

لكن الجانب الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لموريتانيا، في القرار الأمريكي، إنما يتعلق بجانبه السياسي. والواقع أن هذا القرار، ضمن السياق الحالي لفترة ما قبل الانتخابات الرئاسية القادمة، يأتي ليهدد بإضعاف بل ونسف كل المكتسبات في مجال حقوق الإنسان التي تحققت على مدى العشرية الأخيرة، لا سيما في مجال مكافحة الاسترقاق وآثاره المختلفة، وكذا الحريات الفردية والجماعية، وخاصة على مستوى تمكين المجتمع المدني.
وعلى الرغم من أن هذا الحدث يثير حالياً على الصعيد الوطني نقاشا سياسيا شديد التباين في المواقف، فإني أسمح لنفسي، بشكل يتجاوز أي اعتبارات سياسية، بالتطوع من أجل تقديم مساعدة فنية متواضعة لخدمة المصلحة العليا لبلادي. 
وفي هذا السياق، أعتقد أنه للتعامل بشكل أفضل مع هذه المسألة الحساسة بالمستوى المطلوب من التبصر والنجاعة، يجب على موريتانيا الرسمية العمل على صعيدين مختلفين، حتى لو كانا مترابطين بشكل وثيق هما المجال الاجتماعي-الاقتصادي والحقل السياسي.
 لذا، تتطلب مقاربة التصدي للرد على القرار الأمريكي القيام، بدون إبطاء، بسلسلة من الـ 12 خطوة التالية: 
  1. القيام بدراسة دقيقة وشاملة للوثيقة المتضمنة للقرار الأمريكي، التي أحيلت مؤخراً إلى وزارة الشؤون الخارجية والتعاون من خلال السفارة الأمريكية في انواكشوط ؛
  2. تحليل الأسباب المختلفة التي سيقت في الوثيقة كمبررات لاتخاذ القرار مثل (العمل الجبري، عدم حماية حقوق العمال، العبودية الوراثية ، الحد من قدرة المجتمع المدني، إلخ.)؛
  3. العمل على صياغة الشروط المرجعية بغية إرسالها إلى الوزارات المختلفة المعنية (مثل العدل، التجارة، العمل، الخ.) ، من أجل جمع البيانات ومركزتها، لكي يتم التمكن من تحرير رد مركز ومقنع على الدعاوى التي استند إليها القرار الأمريكي؛
  4. يجب صياغة الشروط المرجعية لجمع المعلومات لدى كل وزارة معنية، بشكل يتضمن خمسة أنواع من البيانات الأساسية: (أ) النصوص القانونية، (ب) أحكام المحاكم، ومحاضر السلطات العمومية المختصة، (ج) الإحصاءات والأرقام، (د) بيانات وتقارير المجتمع المدني (المنظمات غير الحكومية المتخصصة، والنقابات، والاتحادات العمالية، إلخ.) و (هـ) البيانات السمعية البصرية ذات الصلة (الشهادات، التقارير، والمقالات الصحفية، إلخ.)؛
  5. يتم استعراض وتقييم الردود التي أرسلها كل قطاع معني من طرف لجنة مشتركة بين الوزارات برئاسة وزارة الشؤون الخارجية، من أجل صياغة الرد النهائي بطريقة واضحة، موجزة ودقيقة ومقنعة؛
  6. يجب أن تتضمن وثيقة الرد على القرار الأمريكي ثلاثة أجزاء رئيسية (أ) المتن الذي يجب أن يبين وصفا دقيقا للوضعية القائمة من خلال منهجية بسيطة (مثلا: الأطروحة، ونقيض الأطروحة، والأطروحة التركيبية، إلخ.) ، (ب) عرض الأنشطة المستقبلية المخطط لها في هذا المجال، و ( ج) المرفقات (المحاضر، والتقارير والأحكام القضائية والشهادات المسجلة عبر الفيديو، والمقالات الصحفية، إلخ.؛
  7. ترجمة وثيقة الرد ومرفقاتها إلى اللغة الإنجليزية بأسلوب راق وجذاب بعيدا عن اللغة المتخشبة؛
  8. إرسال وثيقة الرد إلى وزارة الخارجية الأمريكية عبر السفارة الأمريكية في نواكشوط ومن خلال سفارتنا في واشنطن.
  9. القيام بالترتيبات اللازمة لإجراء حملة دبلوماسية وبرنامج أنشطة علاقات عامة داخل الولايات المتحدة الأمريكية. وأخذ مواعيد في واشنطن ونيويورك، من أجل تسويق الرد الموريتاني وشرح مسوغاته على مستوى السلطة التنفيذية الأمريكية (البيت الأبيض، وزارة الخارجية، الإدارات والوكالات الحكومية الأخرى)، وعلى مستوى الكونغرس خاصة بعد حصول التوازن بين الديمقراطيين والجمهوريين بعد الانتخابات الأخيرة. والقيام كذلك بالاتصال بمنظمات المجتمع المدني وبالأوساط الصحفية الأمريكية من أجل شرح الموقف الموريتاني.
  10. دعوة أعضاء مختارين من الكونغرس الأمريكي والمجتمع المدني والصحافة الأمريكية لزيارة موريتانيا لرؤية الواقع على الأرض والاستماع إلى كل الأطراف دون وضع أي عقبات أمامهم؛
  11. الشروع في تنفيذ مخطط رئيسي للتواصل يركز أساسا على مجال حقوق الإنسان كجزء من سياسة حقيقية على الحكومة أن تنتهجها في هذا المجال، بغية الخروج نهائيا من منطق السياسات الواجهاتية، والابتعاد عن التناقض التبريري في الخطاب الرسمي حول حقوق الإنسان؛
  12. اتخاذ قرارات حاسمة لتغيير المنظور في مجال رسم وتنفيذ السياسات العمومية والقيام بإصلاحات حقيقية على مستوى الشكل والمضمون، يكون من شأنها أن تضع من الآن فصاعداً معطى خدمة المواطن، وتطلعاته للتنمية المستدامة، ومصالحه المشروعة كنقطة مرجعية لأي عمل عمومي مستقبلي. 
عندما يتعلق الأمر بفن تدبير السياسة الخارجية وتسيير العلاقات مع الأمم والشعوب المختلفة في هذا العالم المعولم الجامح، يكون المجال محدودا أمام الهواية والارتجال. فالأمة التي لا تحسن جيدا المناورة، تتم السيطرة عليها فورا من طرف مناور آخر أكثر ذكاء. ويبقى الأمل المعقول الوحيد هو أن تميل العقلانية السياسية أكثر نحو التوفيق بين الخصوم بدلاً من تأجيج الخصومات.

موريتانيا.. والبعث والحراطين؟


قبل أكثر من سنة ربما، استحضر أخي ورفيقي، النائب الموقر د. عبد السلام ولد حرمه ولد عبد الجليل، ذكرى صدور كراس "البعث والحراطين" مطلع سنة 1980 عبر صفحته على الفيسبوك، وهو ما أثار حينها الكثير من ردود الفعل.. إلى جانب الذكريات..
مازلت أتذكر تلك الوثيقة، التي اطلعت عليها لأول مرة وأنا مازلت تلميذا في الإعدادية بمدينة أطار. حينها، كنت نشطا في الحقلين الثقافي والرياضي اللذين هما المتنفس الوحيد المتاح في ذلك الوقت أمام المراهقين والشباب من أبناء جيلي.
كنت "رئيسا" لثلاثة من الأندية الثقافية والرياضية الشبابية، التي كانت تنعش الحقل الثقافي والرياضي آنذاك في مدينة أطار، هي على التوالي نادي المستقبل، ونادي التجديد، ثم نادي الوحدة.. كنا مجموعات تضم عشرات الشباب، ونقوم بتنظيم أمسيات وندوات ثقافية، وعروض مسرحية بشكل منتظم تقريبا كل مساء في مختلف أحياء المدينة.. كما كنا ننعش دوريا رياضيا ساخنا لكرة القدم.. حيث تجرى المباريات في كل عطلة نهاية الأسبوع على أرضية الملعب البلدي في أطار، الذي تحول مؤخرا -للأسف- إلى حقل للطاقة الشمسية في غير مكانه المناسب..
آنذاك، طبعا.. وربما لحسن الحظ، لم تكن موجودة بعد أجهزة التلفزيون ولا هواتف الموبايل ولا الانترنت.. وبالتالي كان لدى الشباب وقت أكثر.. وفراغ أكثر... وكان الجميع، يعني الشباب والعائلات من أهالي المدينة، يحضرون إلى تلك الأماسي بدافع الإطلاع والتثقف والتنفيس عن واقع الحياة اليومية الرتيبة، لكن أيضا، بدافع التنافس الإيجابي بين الحركات السياسية السرية، الذي كان محتدما في المدينة آنذاك من خلال حمى هذه النشاطات الثقافية والرياضية التي لا تتوقف.
المهم، كانت ردة فعلي الأولى بعد قراءة كراس "البعث والحراطين" بكل اهتمام وتمعن، هو أن اقترحت على الشباب أن نعمل مسرحية لمعالجة موضوع الرق وأهمية التحسيس بمكافحة العبودية ودور الشباب في تلك المهمة النبيلة..
وقد تحمس الشباب جدا للاقتراح.. ثم قمت بكتابة نص السيناريو، وكنت متعودا على كتابة مثل تلك النصوص في ذلك الحين، حيث غالبا ما أكون كاتبا ومخرجا وممثلا في نفس الوقت.. بحكم أنني تدربت كثيرا على فن المسرح المدرسي وممارسته وأنا في المدرسة الابتدائية في مدينة أزويرات، حيث قيض الله لنا آنذاك معلمين أكفاء، متنورين وضالعين في ذلك الفن العجيب، ومقتنعين بأهمية تعليمه لتلامذتهم.. مازلت أذكرهم بخير.. مثل سيدي محمد ولد أحمد خليفة، والمصطفى ولد اعلي بطالب، وسيدي محمد ولد عابدين سيدي، وبا عبدول با، وباب ولد باب أحمد، وعبد الرحمن ولد سيدي محمد، رحم الله الراحلين منهم، وأطال بقاء الأحياء..
بعد أسابيع من التدريب على المسرحية التي لم أعد أتذكر عنوانها، تم عرضها على ما أتذكر ليلة 7 ابريل 1981 في حي "اقنمريت" في أطار، إحياء لذكرى تأسيس حزب البعث العربي الإشتراكي... رغم أن رفاق الدرب كانوا يعانون في تلك المرحلة الكثير من الاضطهاد والتنكيل بهم من طرف النظام العسكري الحاكم، الذي زج بالعشرات منهم في غياهب السجون والمعتقلات..
نالت المسرحية نجاحا باهرا لدى الجمهور.. فرغم جدية ومأساوية الموضوع، استطعنا إخراجها بلمسات فنية وكوميدية أعجبت المشاهدين، وجعلتهم يتعاطفون بصدق مع موضوع المسرحية.. حيث يهرب الشاب شقران من أسياده في البادية نحو المدينة من أجل الحصول على عمل، لكن الأسرة تنقسم بين مؤيد ومعارض لدخوله المدرسة.. وتنتهي القصة بنجاحه في الدراسة والحصول على عمل مهم ووضعية اقتصادية مريحة مكنته من العيش الكريم والتصالح من موقع قوي مع بقية أفراد العائلة المقيمين في الريف..
أتذكر تلك الليلة.. بعد 38 سنة.. والحمد لله أن أغلبية الشباب الذين شاركوا معي في ذلك العمل الثقافي والسياسي ما يزالون على قيد الحياة- أطال الله بقاءهم- وربما يتذكرون أفضل مني تلك التفاصيل... نص المسرحية مخطوط بالقلم على دفتر مدرسي من فئة 50 صفحة، وربما يكون محفوظا لدى أحد الشباب أو الشابات والذين يعرفون جيدا أنفسهم.. وأنفسهن.. وقد عملوا معي آنذاك بكل همة وحماس واهتمام لإخراج ذلك العمل..بشكل ناجح..
ربما يكون ذلك العمل من الناحية الكرونولوجية، أول سيناريو درامي حول موضوع معالجة ظاهرة الرق في المجتمع الموريتاني.. تماما كما كان " كراس "البعث والحراطين" الصادر مطلع سنة 1980 أول نص تحليلي سياسي -سوسيولوجي يتطرق لهذا الموضوع بشكل جدي، منهجي، مفصل وجريء في الوقت ذاته...
لكن، لماذا لم تتواصل وتتطور دراسات العلوم الإنسانية في الإتجاه الذي طرقه -ولو من باب السياسة الواسع- كراس "البعث والحراطين" في تلك المرحلة المبكرة نسبيا من تاريخ هذا البلد؟
ولماذا لم يستفد الدارسون من طفرة التطور الذي عرفته العلوم الإنسانية، ومن توفر المعطيات البحثية المختلفة التي أفرزت شذرات منها بعض التحريات والبحوث القليلة في هذا المجال حول هذه الظاهرة سواء في موريتانيا أو في بعض بلدان المغرب العربي التي تتقاسمها مع موريتانيا؟
لماذا بعد قرابة ستين سنة من الإستقلال لم تتبلور إرادة سياسية حقيقية لدى المجتمع والدولة في هذا البلد ليس فقط لمعالجة العبودية وآثارها ومخلفاتها معالجة حاسمة، بل لماذا لم تظهر حتى الآن جهود علمية وأكاديمية جادة من أجل فهم وتفسير الظاهرة نفسها بشكل علمي متجرد ضمن سياقها المجتمعي والتاريخي؟
لماذا حتى اليوم، لا تجد أجيال الموريتانيين -من بعد جيلنا - غير معلومات بسيطة حول الموضوع، لا تتعدى العموميات، من قبيل أن كلمة "الحراطين" أو "الحراثين" حسب بعض الباحثين، ربما هي تحريف لكلمة أمازيغية هي "أهرضنن"، المشتقة من مهنة زراعة البساتين، قبل أن تأخذ لاحقا دلالات أخرى، أكثر تمييزا وإقصاء من منظور سوسيولوجي، في السياق المجتمعي المغاربي عموما والموريتاني بشكل خاص؟
لماذا لم يتم تعميق الفرضيات الإنتروبولوجية حول الهجرات "الأمازيغية" القادمة من شمال إفريقيا التي التحقت مبكرا بقبائل "كنار"؟ ولماذا لم تدرس جديا أنظمة "الجينوم" لدى تلك القبائل التي يقال في الأدبيات بأن "الاحتراق" قد غلب على بشرتها بسبب كثرة التعرض للشمس أثناء ممارسة الزراعة، فسماها الباحثون بـ "الأثيوبيين" أو "الأحباش"، والتي من بينها "إثكرن"، أو"ايزكارن" و"إيرناكن"، التي اشتهر أفرادها بممارسة الزراعة في الوديان والواحات.
ولماذا لا يتم التعمق في البحث والتحقيق العلمي في أماكن تواجد تلك القبائل وتراثها الإتنولوجي والأنتربولوجي، وهي التي كانت تنتشر بداية في مناطق صالحة للزراعة، خاصة في جنوب وغرب آدرار، وربما شكلت، بعد الاختلاط بقبائل "كنار"، النواة الأصلية لمكونة "الحراطين" الموجودة حاليا ضمن مجموعة "الموريين-البيظان" في موريتانيا، قبل قدوم موجات متلاحقة من المجموعات البربرية الأخرى، ذات البشرة البيضاء، لن تكون آخرها قبائل "صنهاجة" بمختلف بطونها من "لمتونة"، و"مسوفة"، و"اكدالة"، و"اللمطة"، و"جزوله"، التي استوطنت البلاد في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، وهي القبائل التي أدخلت استعمال الجمل إلى البلاد، ليصبح فيما بعد وسيلتها الناجعة للسيطرة على الصحراء.
لماذا لا يهتم باحثونا وأكاديميونا بالدراسة العلمية للكيفية التي أفضت بديناميكيات التعاطي الإجتماعي والسياسي المتبادل عبر التاريخ في هذه المنطقة التي تضم بلادنا وتخومها، إلى تحقيق مستوى كبير من الاستقرار والتعايش بين مختلف المجموعات السكانية داخل الفضاء المجتمعي القديم، حتى وإن كان ذلك الاستقرار والتعايش وفقا لمعايير تلك الفترات التاريخية السحيقة، وليس بمعاييرنا اليوم.
كيف تجسد التعايش عبر القرون، في منطقة الساحل والصحراء الموريتانية، بين كل من الشعوب البربرية والزنجية-الإفريقية، والعربية، من خلال تمازج اجتماعي وثقافي عميق، حصل على نطاق واسع فيما بين تلك المجتمعات المختلفة، وعلى كافة المستويات؟
فعلى سبيل المثال، أدى ذلك التمازج من الناحية القومية واللغوية، إلى ظهور مجموعة اجتماعية هي "ماسينا"Macena" جمعت بين "أسوانك" السود" والبربر" البيض، حيث كانت لهجة "آزير"Azeriya" هي اللغة السائدة للتفاهم داخل تلك المجموعة؛
كما نتج عن ذلك التمازج أيضا، ظهور المجموعة الإجتماعية الحالية المعروفة بـ "الموريين-البيظان"، من خلال الإختلاط بين القبائل البربرية الصنهاجية، والقبائل العربية الوافدة من بني "حسان"، لتصبح اللهجة "الحسانية" وسيلة التفاهم بين أفراد هذه المجموعة.
لكن كما أسلفت، لم تكن ظروف وشروط ذلك التعايش القديم، من النواحي السياسية والمجتمعية، والتشريعية والمؤسسية- رغم ما فيها من محاسن لا تنكر- تلبي دوما مطالب الحق والعدل والإنصاف في التعامل مع جميع المجموعات السكانية، سواء فيما بين الأفراد داخل كل مجموعة على حدة، أو بالنسبة لتعاطي المجوعات فيما بينها. كما لم تكن ظروف وشروط ذلك التعايش القديم لتحول دون ممارسة أقسى أنواع التمييز والتهميش، والظلم الاجتماعي، والقهر ضد الأفراد والجماعات داخل نطاق بعض المجموعات السكانية، وكذلك فيما بين بعضها البعض.
لقد نتج عن تلك الوضعية، قيام "عقد اجتماعي" يكرس نظاما مجتمعيا يقوم على أساس تراتبية مجحفة، لا شك أنها كانت جزء من النظام السائد آنذاك على مستوى المعمورة، حيث ترجع تلك الممارسات الإقصائية لحقب ما قبل التاريخ، منذ الحضارات المصرية والبابلية القديمة، وغيرها.
لقد كرس نمط التعايش الاجتماعي القديم، الذي كان سائدا في هذه البلاد، ممارسات مجتمعية اتسمت بالتهميش والإقصاء والظلم والقهر، كآليات قارة للفرز الإجتماعي. وقد عانت بعض المجموعات الإجتماعية من الإقصاء والتهميش، بل وحتى الإضطهاد من جراء ذلك النظام المجتمعي التراتبي. ولعل أبشع صور تلك الهيمنة وذلك القهر قد تجسدت من خلال ممارسة الإسترقاق من طرف البعض ضد البعض الآخر، حيث كثرت أعداد الضحايا داخل مختلف المجموعات السكانية الكبرى بكل أقوامها، وألوانها، وأديانها، دون استثناء.
ولئن ظلت بشاعة ممارسة العبودية في بعض المجموعات الموريتانية غير ظاهرة تماما للعيان، بسبب التشابه بل التماهي في لون البشرة في بين العبيد والأسياد، فإن فظاعتها لم تكن تقل عن نظيرتها داخل مجتمع "الموريين-البيظان"، رغم تقارب لون البشرة فيما بين العبيد والأسياد.
لقد تعرض الكثير من أفراد قبائل "إثكارن"، أو "إيزكارن" و"إيرناكن"، وربما غيرها من المجموعات الأخرى، للاستعباد، الذي مارسته ضدهم بعض الأقوام الأوائل من ذوي البشرة البيضاء، في وقت مبكر.
وقد تعمقت وتطورت ممارسة الاسترقاق أكثر على أيدي المجموعات "الصنهاجية" الوافدة، من خلال تعريض الضحايا لصنوف مختلفة من فرض التبعية، والاستغلال القسري لصالح الإقطاعيات الفكرية والدينية الجديدة، قبل أن تأخذ مأساة الاسترقاق أبعادا أكثر وحشية ومأساوية، مع مجيء القبائل العربية وإقامة الإمارات الحسانية، ليتسع نطاق السيطرة والاستعباد، وتزداد أساليبهما ضراوة ووحشية، كما تضاعفت أعمال السخرة حسب متطلبات الأرستقراطيات الأميرية الناشئة، بدء من رعي المواشي وسقيها، إلى أشغال الزراعة والقطف والحصاد، ومختلف الأعمال الشاقة الأخرى، مثل حفر الآبار وإقامة السواقي للري، وحمل الأثقال، وغير ذلك من الأعمال المنزلية القاسية.
ولا شك بأن تعاظم واستفحال ممارسة الإسترقاق داخل مختلف المجموعات الموريتانية بكل ألوانها، كان جزء من منظومة أكبر، كشف عن بشاعتها المفكر مالك شبل، في كتابه "الاسترقاق في أرض الإسلام"؛ لكن التطور الدراماتيكي لممارسة الإسترقاق لم يحدث بمعزل عن الدور الذي لعبه الغرب آنذاك في مجال تجارة العبيد. فقد كانت أساطيل السفن تجلبهم نحو القارتين الأوروبية والأمريكية انطلاقا من الساحل الإفريقي. ولم يقتصر ضحايا تجارة الرقيق على ذوي البشرة السوداء من مختلف المجموعات السكانية السوداء، بل طالت أيضا بعض الفئات من ذوي البشرة الفاتحة، التي تعرضت للاسترقاق من طرف التجار البرتغاليين الذين غزوا الشواطئ الموريتانية منذ بداية القرن الخامس عشر الميلادي، كما يوثق ذلك كتاب "تاريخ اكتشاف و غزو غينيا" لمؤلفه البرتغالي غوميس أيانيس دي آزورار.
لقد أدت ممارسة العبودية، خاصة داخل البنية العميقة لمجتمع "الموريين-البيظان"، إلى حدوث إختلالات جذرية في مسار التطور المجتمعي بشكل غير متكافئ، حتى وإن لم تظهر انعكاساتها السلبية بشكل واضح، إلا بعد قيام الدولة الوطنية الحديثة، خاصة بعد نيل الإستقلال، وما كان يتطلبه بناء دولة ومجتمع حديثين على أسس عصرية، تضمن حقوق المواطنة، والمساواة، وتكريس العدالة والإنصاف لجميع المواطنين، وتحشد الطاقات لبناء مصادر بشرية ذات كفاءة، قادرة على النهوض بأعباء الدولة العصرية على كافة المستويات.
ولعل صدى مأساة الإسترقاق في المجتمع الموريتاني، يظل موجودا في التقاليد المروية لـ "الموريين-البيضان" حتى اليوم، حيث أصبحت كلمات "آزكر" و"آرنيك"، ذات الشحنة السالبة بل والعنصرية، تطلق على العبد الذي تعود أصوله إلى "إثكرن"، و"إيزكارن" و"إيرناكن"، رغم أن تلك القبائل الأمازيغية، قد مرت بعد مجيئها إلى موريتانيا، بسلسلة من عمليات التهجين المختلفة، من خلال التزاوج المتبادل مع ذوي البشرة الفاتحة القادمين من الشمال، وكذلك مع المجموعات السكانية السوداء في شمال ووسط وجنوب البلاد. ورغم كل ذلك، يفترض بأن الكثير من أفراد تلك القبائل قد بقي حرا طليقا منذ زمن قديم، واستطاع الاندماج في نسيج التشكيلات المجتمعية التقليدية "للموريين-البيظان"..
لكن، بطبيعة الحال، تبقى كل هذه المعطيات مجرد فرضيات من الناحية العلمية إلى أن تتم الدراسة الموضوعية، وتقام عليها أو على غيرها الأدلة والبراهين القوية.. وبالتالي إذا لم تبذل الجهود البحثية المطلوبة في جيلنا نحن من أجل فهم الماضي وتوظيف مقوماته الإيجابية في خدمة الرغبة في العيش المشترك بين مختلف مكونات هذا الشعب، فلن تجد الأجيال القادمة أمامها سوى مقولات السياسيين وتأويلاتهم الخاصة.. وربما أجندات أخرى..
على كل حال.. شكرا للدكتور عبد السلام، على إطلالته تلك.. التي ذكرتنا بماض نضالي جميل.. والشكر موصول كذلك لمفكري البعث العظماء على جرأتهم، وهم الذين صاغوا ونشروا كراس "البعث والحراطين" في تلك المرحلة المبكرة من الوعي السياسي الوطني المعاصر..
لكن، ألم يحن الوقت بعد قرابة أربعين سنة، لكي ينهض البحث العلمي المعاصر بمهمة الدراسة والتقصي والتحليل وإقامة البراهين على حقائق الأسس التي قام عليها التعايش القديم بين مختلف مكونات هذا الشعب، ونقدها بشكل علمي موضوعي من أجل تحقيق تجاوز إيجابي لتلك الحقب التاريخية، بدل استحضار جوانبها السلبية بناء على معطيات غير علمية ومحاولة تأويلها من أجل استغلالها بدون أي ورع في أتون المنافسة السياسية على الحكم والمغانم..
ألم يكف النخب الموريتانية -من مختلف الشرائح الإجتماعية- 60 عاما من تجاهل مقولة الحراطين والتمادي في استغلالها واستنزافها سياسيا؟

سيدي محمد ولد بوبكر: قراءة في طموح سياسي مثير؟

حتى وإن بَدَا متأخرًا ذلك الطموح السياسي الذي أبانَ عنه الوزير الأول الأسبق السيد سيدي محمد ولد بوبكر، من خلال الإعلان عن ترشحه للمنصب...