lundi 12 décembre 2011

الثورات العربية : حلم أم كابوس؟ قراءة في التحولات الكبرى للربيع العربي

مدخل تمهيدي: أسئلة الربيع العربي

هل يشكل نموذج الثورة التونسية رياحا موسمية تهب على بلدان المنطقة العربية فتنثر فيها بذور الإصلاح و التغيير الهادئ نحو الأفضل في مجالي التنمية المستدامة و حقوق الإنسان؟ أم سيتحول شبح تلك الثورة إلى شر مستطير، يزرع الرعب و يهدد الإستقرار، فيقتلع الأنظمة مخلفا وراءه الفوضى و الدمار، و يفتح المنطقة على أبواب المجهول؟

لقد ظلت على مر العصور، ظاهرة الثورات - كشكل من أشكال التعبير الإنساني عن الرفض و التوق إلى التغيير نحو الأفضل- تتفاعل و تتشابه دون أن تتماهى، و تتناسل دون أن تستنسخ وراثيا على طريقة النعجة "دوللي". لكن، كيف لنا أن نفهم طبيعة هذه الثورات التي تفتقت عنها أزاهير الربيع العربي في منطقة من العالم تمتد من انواكشوط  غربا إلى جاكارتا شرقا، ظلت مستعصية على الديمقراطية ردحا طويلا من الزمن؟  ما هو مصير التحولات الكبرى الجارية في المنطقة العربية منذ لحظة تفجر الثورة التونسية، حيث نجح ضغط الشارع لأول مرة في إسقاط رئيس دولة عربية بطريقة سلمية قبل حوالي سنة؟  فما الذي حدث و يحدث منذ ذلك الحين في العالم العربي؟ ما الأهداف و ما النتائج المتوقعة؟ هل هو ربيع عربي حقا يعد بالخصب و النماء، أم هو سايكس بيكو جديد لتمزيق المنطقة و تقطيع أوصالها و نهب ثرواتها؟ هل الثورات العربية حلم جميل يدغدغ مشاعر الفقراء و يتغنى به الشعراء؟ أم هي كابوس مرعب يرفع فاتورة التكلفة المجتمعية و الإستراتيجية للتغيير المدني إلى حدود قياسية؟ ما عقلانية و ما جدوائية مشروع الثورة في البلاد العربية؟ من الرابح و من الخاسر في هذه اللعبة؟ و  من سيكون الرابح الأكبر؟ 

هل سينجح المفعول الثوري لظاهرة "البوعزيزي" و لحظة "سيدي بوزيد" في تحقيق ثورة عربية ستدخل التاريخ من بابه الواسع على غرار الثورات العالمية الكبرى مثل الثورتين الفرنسية و الأمريكية؟ و هل تتحول محنة الخبز و الحرية المتشحة بلهيب المأساة إلى ظاهرة عربية و كونية تدشن مرحلة جديدة من الفعل الثوري في اتجاه التغيير الاجتماعي و السياسي المتسارع في أغلبية البلدان العربية؟ ما طبيعة الثورات العربية الجديدة في عصر الجماهير الرقمية؟ و كيف نجحت "الواقعية الافتراضية" للثورات الجديدة، التي لا يقودها تنظيم سري و لا معارضة سياسية لا داخلية ولا خارجية، ولا تعبئ لها دعاية صحافة كلاسيكية وطنية أو دولية، في تحقيق هذا المستوى الفائق من التغيير بعد أن ظل العالم العربي مستعصيا لعدة قرون ؟ 

لا أحد يستطيع قراءة الغيب و لا التنبؤ بمستقبل هذه الاحتجاجات و الثورات لأن الوقت ما يزال مبكرا لدراسة الظاهرة بموضوعية بعيدا عن التجاذبات و الحسابات الآنية!   كما أن تلك الثورات، التي و إن اتسمت بالجرأة و التحدي في الأسلوب و المنهج، فإنها لا تزال غامضة في مقدماتها و مشوشة في نتائجها الأولية على الأقل. و لن تكون ظاهرة الثورات العربية متاحة للتحليل العلمي قبل أن تنضج المسارات process الجارية و تكتمل الصورة.

لذلك، لا مندوحة عند تحليل الحالة الثورية الراهنة - في العديد من الأقطار العربية أو في البلدان المرشحة الأخرى في المنطقة أو على تخومها- من نوع من المجازفة المعرفية المحسوبة. و لعل أصعب المهام في الوقت الراهن، أن يلتمس المحلل أو الباحث بناء موقف معرفي نقدي من الأحداث الجارية، يكون مختلفا جذريا عن المواقف الأيديولوجية الكلاسيكية سواء بقبول الظاهرة أو رفضها، ستبقى في النهاية نوعا من تحصيل الحاصل. أما بناء الموقف المعرفي النقدي الذي نطمح إليه، فهو يسمح لنا بالتعامل المرن مع ظاهرة الثورات العربية الجارية قصد ضرورة فهمها أولا.. و من ثم، متابعتها بأخذ مسافات موضوعية منها، و تحليلها بأدوات إجرائية  تستلهم منهجية التحليل النقدي المستندة إلى حقل "ابستيمولوجيا" العلوم الإنسانية.

ضمن هذا السياق، توجد عدة مؤشرات لا بد من أخذها بعين الاعتبار. فهناك حاليا جو عام من "المد ثوري" يسود المنطقة لا يمكن تجاهله، إضافة إلى الشرعية التي يولدها و التأثير السيكولوجي الذي يخلقه ذلك المد، خاصة في الأوساط الشبابية المندمجة بشكل كبير في التعاطي مع الثورات التي تحققت حتى الآن في بعض الأقطار العربية، عن طريق الإنترنت و شبكات التواصل الاجتماعي.  لكن، في الحقيقة ما يزال هذا المناخ الثوري العربي محلا للتساؤل و الاستفهام.  فالأمور حتى بعد عتبة "إسقاط الرئيس" تبقى في مرحلة انتقالية حرجة كما في تونس، و هي جد معقدة و حساسة كما في مصر، كما أنها جد مشوشة و مفتوحة على المجهول كما في ليبيا. أما في البلدان التي لم  تصل الثورات فيها بعد إلى تلك المرحلة، فهي تعيش وضعية تراجيديا كارثية بالغة التعقيد و الحساسية كما في اليمن و البحرين و سوريا، حيث لا يوازي مأساوية استمرار شلال الدم النازف إلا تعقيد المواقف و الحسابات الجيوستراتيجية الإقليمة و الدولية إزاء مصير الحالة الثورية في هذه البلدان بالذات.  

لكن بشكل عام، هناك ما يسمى بمفعول"الدومينو البوزيدي" الذي بدأ يسري في جميع أرجاء المنطقة العربية. و يبقى أمامه احتمالان: فإما أن تنطفئ جذوة الحماس دون بلوغ الزخم المنشود للحركة الاحتجاجية وسط  تجاهل الأغلبية من السكان المنشغلين بأمورهم اليومية، أو المقدرين للمخاطر "غير المفكر" فيها المرتبطة بالحالة الثورية، و التي قد ترفع التكلفة المجتمعية و الإستراتيجية للتغيير المدني عن طريق الثورات إلى حدود قياسية، و تلقي بظلال من الشك على عقلانية و جدوائية مشروع الثورة في البلاد العربية.

أما الاحتمال الثاني، فيتوقف على ما إذا كانت الظروف النفسية و المجتمعية للتغيير السياسي المدني قد اكتملت شروطها و اختمرت و نضجت في كل بلد معني، و حسب كل حالة لها حساباتها الخاصة بها، فعندئذ لا محالة ستنجح الثورة في ذلك البلد في النهاية كطبعة محلية لمسلسل الثورات العربية الجارية حاليا.. و بالتالي، لن تستطيع أي قوة في الوجود أن توقف مسار التاريخ و المجتمع... إذا ما نضجت ظروف التغيير.

هناك عدة عوامل مجتمعية، سياسية  واقتصادية تغذي أكثر نوازع الثورة في البلدان العربية ربما أكثر من غيرها مثل ضعف المشاركة السياسية و ترهل منظومات وآليات السلطة، و تنامي أزمات الثقة و الصراع على الحكم، بالإضافة طبعا إلى تأثيرات المناخ الدولي بفعل الأزمات الاقتصادية و المالية المتشابكة و  التي أدت إلى تقلص النمو، و تعثر خطط الإصلاحات الاقتصادية و التنموية، و كل ما ينتج عن ذلك من غلاء المعيشة و استفحال البطالة واتساع دائرة التهميش و  تراكم الإحباط والتوتر في أغلبية البلدان العربية.

لكن بالمقابل، نجد إلى جانب نوازع الثورة، عدة عوامل أخرى قد لا تساعد على الثورة و لا تخدم آفاقها في الوقت الراهن على الأقل مثل الخوف من الانفلات الأمني و نشوب الفوضى و التخريب، و الحروب الأهلية.  أو كذلك الخوف من التداعيات الجيوبوليتيكية للثورات مثل انفراط عقد الوحدة الوطنية السكانية و الترابية لبعض البلدان و ما قد ينتج عن ذلك من إعادة رسم خرائط الأقاليم و المناطق بشكل مغاير لما هو موجود حاليا. و هي كلها اعتبارات واردة موضوعيا، و لا شك أنها قد ترفع التكلفة المجتمعية و الإستراتيجية للتغيير المدني عن طريق الثورات إلى حدود قياسية.

و لا شك أن الأنظار كلها تتجه حاليا إلى متابعة مصير الثورات الثلاث التي تحققت حتى الآن في ثلاثة بلدان عربية يشكل كل واحد منها نموذجا لعينات مختلفة من المجتمعات العربية هي تونس، و مصر و ليبيا.  فمصر نموذج للدول العربية الكبيرة ذات الثقل الحضاري و الزخم السكاني المعتبر، بتعدديتها الدينية و محدودية مواردها الطبيعية و حساسية موقعها الإقليمي. أما  تونس، فهي نموذج للدولة العربية المخضرمة ثقافيا، المتوسطة سكانيا، و الغنية بالمصادر البشرية، أما ليبيا، فهي نموذج للدولة العربية الكبيرة المساحة، بتركيبة سكانية محدودة عدديا و جد معقدة مجتمعيا، مع موارد طبيعية هائلة و موقع جيوستراتيجي متميز.

و لا شك أن مآل تلك الثورات سيضع مستقبل الثورات العربية كلها على المحك. فكل ثورة ناجحة  في البلاد العربية ستغري الشباب بالمزيد من الثورات في بلدانهم، لكن ثورة واحدة بالتكلفة الإنسانية الرهيبة و بحجم المخاطر الاجتماعية و الاقتصادية و الإستراتيجية  الهائلة كما حصل في ليبيا، وكذا عمق الهزات الخطيرة التي تهدد كيان هذا البلد، لن تكون - بكل تأكيد - عاملا  محفزا على الاستمرار في هذا النهج و لو في الوقت الراهن على الأقل.

 و مع ذلك، لا يمكن لأحد أن يتوقع موضوعيا أن يبقى أي بلد عربي لفترة طويلة بعيدا عن ما يجري في بقية بلدان المنطقة العربية، فالتغيير قادم لا محالة، و لو من باب المحاكاة و التأثر و التأثير المتبادل بين أطراف المركز و المحيط.   كما، لا يمكن لأحد في الوقت الراهن التكهن بطبيعته أو مستوى أو محتوى التغيير الذي قد تأتي به ثورات الشباب إذا نجحت يوما ما في هذا البلد أو ذاك. فلكل بلد وضعيته الخاصة أزاء الموقف الثوري، و كل مجتمع عربي يتمتع بقدر  كبير من التفرد و الخصوصية يؤهله لمقاربة الثورة بعقليته الخاصة. و لا يجوز أن نجمع كل البلدان العربية في سلة "ثورية" واحدة، أو أن نستنسخ ثورة هذا البلد أو ذاك على طريقة النعجة "دوللي".

 1. المأساة توحد الشعوب

هكذا في كل مرة، تبدأ الأحداث بمأساة، لتتحول بفعل التداعيات و العوامل المختلفة، إلى ما يشبه كرة الثلج المتدحرجة التي تكبر شيئا فشيئا. كان التوتر الاجتماعي قد بدأ منذ منتصف سنة 2008  في مدينة الرديف بالجنوب التونسي و سقط آنذاك عدد من القتلى برصاص الشرطة، ليتجدد أيضا في أواخر 2009.  كان الدور هذه المرة على محمد العماري، و هو شاب ذو 25 ربيعا، عاطل عن العمل منذ تخرجه من جامعة قفصة بشهادة الأستاذية في العلوم الفيزيائية. كان العماري أول من أصيب بطلق ناري في صدره خلال مواجهات مدينة منزل بوزيان.  و تتجدد المأساة، رغم أن استخدام الرصاص الحيّ كان يعدّ من الأمور النادرة جدا في تونس نظرا  للقيود القانونية الصارمة التي تحكمه، حيث لم يسبق أن شهدت البلاد مصرع مواطنين برصاص قوات الأمن سوى في سنتي 1976 في مظاهرات النقابيين، و 1984 أثناء انتفاضة الخبز التي عمت أقطار المغرب العربي في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. 

مشى الشاب العماري على خطا شاب موريتاني يدعى شيخن ولد الطالب النافع، لقي مصرعه هو الآخر على أيدي قوات الأمن سنة 2007 إبان "ثورة الخبز" أو "انتفاضة الجياع" في مدينة كنكوصه جنوبي موريتانيا. أما هذه المرة، فقد قرر شاب تونسي  آخر عاطل عن العمل و ممنوع من بيع الخضر والفواكه فوق عربته المتنقلة في مدينة سيدي بوزيد، أن لا ينتظر تلك الرصاصات  الطائشة التي أودت بحياة زميليه الموريتاني و التونسي من قبل، فبادر هو إلى إحراق نفسه أمام مقر المحافظة احتجاجاً على الحرمان و تردي الأوضاع المعيشية في 17 دجمبر 2010.   

هكذا بدأت قصة الثورة التونسية.. و معها.. بدأ الربيع العربي.. و بقية القصة فمعروفة لدى الجميع.. على الأقل حتى الآن.. أما المشكلة، هي كيف اندلعت الشرارة الأولى للثورات العربية في بلد مثل تونس حقق فيه التراكم الرأسمالي للاقتصاد نسبة نمو بلغت 4.6 %، رافقها تطور في حجم الاستثمارات بنسبة 14.8 % ليصل إلى حدود 24.9 % من إجمالي الناتج المحلي الخام؟ و سجلت الاستثمارات الأجنبية في تونس زيادة قياسية تقدر بحوالي 64 % بعد أن بلغ حجمها قرابة 2.59 مليار دولار أمريكي سنة 2009. 

2. الإنترنت، ويكيليكس و الثورات الجديدة

ثورة تونس تجربة فريدة بكل المقاييس، تستحق الكثير من الدراسة و التحليل. و هي بلا شك ستظل لأجيال  قادمة مصدر إلهام و إغناء لملاحم الكثير من شعوب العالم المتمردة على الفقر و الاستبداد. و حالما تهدأ الأمور في ذلك البلد الجميل بطبيعته الخلابة و أهله الطيبين و عظمائه من الرواد و المصلحين الأوائل و الشعراء العباقرة، ستعكف كبريات معاهد الأبحاث الدولية و مختبرات الأفكار المعروفة بـ "الثينك تانك" على تشريح و تشخيص هذه الثورة، ليس فقط لمعرفة أبعادها و نتائجها و انعكاساتها المختلفة على المنطقة و العالم فحسب، بل للتعرف قبل كل شيء على الطبيعة الخاصة لهؤلاء الثوار الجدد و آلياتهم المبتكرة و الفعالة.

و إلى أن تتأتى الظروف الموضوعية لدراسة التجربة التونسية بكل تفاصيلها و أبعادها في المستقبل القريب، سيظل التساؤل قائما حول حقيقة ما نشهده حاليا من تنامي الحراك الاجتماعي و التوتر في أرجاء كثيرة من العالم، بدأت بالربيع العربي و تطورت عبر حركات الإحتجاج في الغرب مثل "لنحتل وول ستريت" في أمريكا و تيارات "الغاضبين" في أوروبا و أستراليا و أمريكا الجنوبية. و هي تعكس كلها حالات من الفوران و العصيان المدني و الثورة غير مسبوقة. فهل تلك الموجة من الثورات امتداد لتراكم حركات إحتجاجية سابقة كانت مطمورة منذ عشرات السنين؟ أم هي ظاهرة جديدة كليا؟ و هل ما نشهده الآن، و نحن على أعتاب  العشرية الثانية من الألفية الثالثة، هو حقا بداية "عصر الجماهير الرقمية" و قد انطلقت شرارتها من تونس؟

يبدو أن الشباب التونسي قد فعلا دشن فعلا ما يمكن تسميته بـ "عصر الجماهير الرقمية"،  فقدم بذلك للعالم نموذجا جديدا في الثورة على طريقة البرمجيات المفتوحة المصدر(OPEN SOURCE)  في مجال علوم الكومبيوتر. و هكذا تبدو ثورة تونس بمثابة تلك التقنية الجديدة التي توفر النص المصدري للبرنامج بكوداته و أيقوناته المختلفة، و تمنح حرية توزيعه  و تطويره من خلال إنتاج برمجيات أخرى مشتقة أو معدلة من البرنامج الأصلي مع السماح بحرية توزيعها أيضا. إنها أجيال جديدة من الثورات الاجتماعية تختلف جيناتها الوراثية و خارطة حمضها النوويDNA  عن كل ما سبق. احتجاجات و اضطرابات و ثورات عبر البث الحي "أونلاين Online "، يغذيها سحر الإنترنت التواصلي الرهيب و تؤجج نارها فضائح ويكيليكس المجلجلة، و تنضج قدرها أزمات البطالة و الغلاء المعيشي، و معاناة الفقر و التهميش و القهر. 

و لعل أهم ما يميز ظاهرة الثورات الجديدة في العالم العربي هو ما يمكن تسميته بـ "الواقعية الافتراضية". حيث لا يضاهي نجاح تلك الثورات في تحقيق نتائج بالغة الواقعية مثل تغيير بعض أنظمة الحكم، إلا طابعها الافتراضي المفارق للواقع. إنها ثورات لا تقودها تنظيمات سرية و لا معارضات سياسية لا داخلية ولا خارجية، ولا تعبئ لها دعاية صحافة كلاسيكية وطنية أو دولية. بل هي ثورات  من صنع آليات أخرى جديدة كليا تتمثل في تكنولوجيات الاتصال الحديثة و تطبيقاتها التواصلية المختلفة مثل اليوتوب و الفيسبوك و تويتر و الديليموشن، و غيرها! وما كان لهذه الثورات أن تنتصر، و ما كان للعالم أن يعرف شيئا عنها أو يتابع أخبارها على مدار الساعة لولا وجود شبكة الإنترنت والهواتف الجوالة المزودة بالكاميرات الدقيقة وآلات التصوير الرقمية مثل الويب كام، و غيرها من تلك الأدوات الإلكترونية الصغيرة و العجيبة. 

3. من الإرهاب إلى ثورة الجياع:
قبل ثلاث سنوات ألح علي زميل ألماني لكي أشارك معه في إعداد دراسة حول موضوع "التحديات والفرص المتاحة للتنمية المستدامة والاستقرار في بلدان شمال أفريقيا والشرق الأدنى". في البداية، كنت مترددا و مستغربا الاهتمام الشديد لدى د. هانز بيتر ماتيس[1]،  بمثل هذه المواضيع الكلاسيكية. و لكنه شرح لي، بشيء من التفصيل و ببرودة الأعصاب المعروفة عن الألمان، أن الهدف الإستراتيجي من وراء إجراء الدراسة المزمعة ليس مجرد ترف معرفي لجمع بيانات حول بلدان المنطقة و توثيق بعض معطياتها من الناحية الأكاديمية فحسب، و إنما هو جزء من مشروع معرفي أوسع يتركز حول استراتيجيات أوروبية بعيدة المدى لتحقيق استقرار منطقة "اليورو". و هكذا فأن هدف الدراسة يتعلق بتحديد سياسات استشرافية ملائمة للتكيف مع الاحتمالات المستقبلية، سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية، بالنسبة للدول الشريكة لأوروبا في شمال أفريقيا والشرق الأدنى، قصد تسهيل الاستجابة للاحتياجات المتغيرة في التعامل مع أوضاع تلك الدول على المديين المتوسط و البعيد.

قبلت المشاركة في المشروع البحثي بعد أن اطلعت على شروطه المرجعية، و قلت في نفسي كم نحن بحاجة ماسة في بلداننا العربية و في بقية دول العالم الثالث إلى مثل هذا النوع من التفكير الإستراتيجي الإستشرافي لدراسة صيغ التكيف مع الاحتمالات التي يخبؤها المستقبل لبلداننا الهشة. هؤلاء الأوروبيون يدرسون منذ مدة آفاق تطور و استقرار عملتهم "اليورو" على المدى المتوسط ضمن فضاء إقليمي واسع جدا، يبعد عنهم آلاف الكيلوميترات و يختلف عنهم جذريا في جميع النواحي.

تحمست للمشروع، و طلبت من زملائي الباحثين الألمان أن يزوروا موريتانيا لكي يتسنى لهم الإطلاع عن كثب على أوضاع البلاد و التواصل بصفة مباشرة مع عدد من الشخصيات المصدرية التي كنت قد اقترحتها عليهم.. وافقوا فورا.. و بدأنا نرتب معا لإنجاح الزيارة العلمية المرتقبة..  كان تفكيري دائما على هذا النحو.. عندما أتفق مع أصدقاء أجانب في مجال الأبحاث و التطوير، أطلب مهم -إذا لم يبادروا هم بذلك - بأن يزوروا موريتانيا لنكمل معا على أرضها بقية الترتيبات المطلوبة. نجحت في ذلك عدة مرات.. و لكنني فشلت مع الألمان. نجحت مع الإيطاليين و الفرنسيين و غيرهم.. خاصة مع زملائي الإسبان من الكلية الأوروبية- العربية للأعمال The Euro Arab Management School    سنة 2002. جئت بهم من غرناطة إلى انواكشوط و نظمنا معا أول مؤتمر دولي ناجح حول التمويلات الصغيرة في شمال إفريقيا بمشاركة أكبر عدد من الخبراء المتخصصين من كافة الدول المغاربية.

لكنني فشلت مع الألمان.. لأسباب أخرى تماما.. لم أكن مع كثيرين آخرين غيري لنتوقع حدوثها في هذه البلاد.. إنها متاعب الإرهاب.. و عدم الاستقرار المستشري في منطقة الساحل و دول إفريقيا جنوب الصحراء. ففي 24 دجمبر 2007 قتل أربعة سياح فرنسيين من أسرة واحدة في هجوم إرهابي قرب مدينة "ألاك" الموريتاينية، و بعدها بثلاثة أيام فقط،  وقعت سيارة استطلاع تابعة لحامية "الغلاوية" بشمالي البلاد في كمين للقاعدة أسفر عن مقتل 4 عسكريين في 27 دجمبر 2007.

العالم قرية بلورية واحدة.. أتصل بي الدكتور هانز بيتر ماتيس، ليتمنى لي سنة سعيدة بمناسبة العام الجديد.. و ليعتذر بكل أدب بإسم زملائه الباحثين الآخرين عن عدم إمكانية الحضور إلى موريتانيا في الظروف الحالية.. تفهمت الموقف المحرج.. طمأنت محدثي بأن الأمور ستكون بخير.. و شرحت له أن موريتانيا رغم هشاشتها البنيوية، قد دخلت مرحلة جديدة بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة و استلام المدنيين للسلطة.. و كيف أنني أتوقع أن تنتظم الأمور و تسير نحو مزيد من الاستقرار.. لكنني ربما كنت حالما، أو كنت ببساطة مخطئا في تقديراتي حول آفاق الاستقرار في المنطقة. لقد تفاجأ العالم في خريف سنة 2008 بثاني انقلاب عسكري يحدث في موريتانيا في غضون ثلاث سنوات فقط.

4. الفوارق الاجتماعية والإقليمية.. قنبلة موقوتة:
هكذا..استشعرت الخطر.. و أصبحت أكثر اهتماما من زميلي الألماني بموضوع الدراسة الإستشرافية حول "التحديات والفرص المتاحة للتنمية المستدامة والاستقرار في بلدان شمال أفريقيا والشرق الأدنى". و بدأنا معا نعمل لانجاز المشروع البحثي الكبير مع مجموعة متعددة من الباحثين والاستشاريين من مختلف البلدان والخلفيات، تحت إشراف البروفسورة الدكتورة سيغريد فاث Sigrid Faath ، و هي عالمة ألمانية معروفة، كانت تنسق منذ سنوات  مشاريع الأبحاث الرئيسية في معهد دراسات الشرق الأوسط (IMES- Nahost-Studien Institute).

كان السؤال الرئيسي الذي تم تناوله من طرف مختلف الباحثين في ذلك المشروع البحثي، الذي أشتمل على دراسة حالة ستة بلدان عربية هي: الجزائر، السعودية، مصر، المغرب، موريتانيا و تونس، هو "كيف يمكن للحكومات في شمال أفريقيا والشرق الأدنى، على المدى المتوسط، أن تواجه التفاوتات والفوارق الاجتماعية والإقليمية في بلدانها؟"

و كانت مبررات إجراء تلك الدراسة نابعة من التزايد  المقلق للمخاطر المحتملة التي تؤثر على الاستقرار الداخلي لدول شمال أفريقيا والشرق الأدنى. فقد شهدت البلدان العربية تغيرات هائلة في القرن الماضي، فارتفع عدد السكان من 50 مليون نسمة منذ قرن تقريبا إلى أكثر من 325 مليونً نسمة حالياً. و يقدر أن يصل التعداد السكاني للبلدان العربية إلى نحو 395 مليون نسمة في نهاية سنة 2015. و فضلا عن تقلص فضاء الحرية و المشاركة السياسية المحدودة أصلا، فقد تدهورت البيئة وتضاءلت الموارد الطبيعية خلال الفترة الماضية، نتيجة أنماط تنموية لم تكن في أغلبها مستدامة و تتسم بالهدر و الفساد. وفي معظم الحالات، كانت السياسات الإنمائية في غالبيتها مجموعة من  ردود الفعل و حزمة من الإجراءات المؤقتة القصيرة المدى، كان القصد منها معالجة تحديات آنية دون الانخراط في عمليات تخطيط طويلة المدى.

و قد رصدت مختلف الأبحاث و حللت بعمق  التوترات الاجتماعية المتصاعدة منذ تلك الفترة و التي أدت إلى احتجاجات واسعة النطاق عمت في السنوات الأخيرة مختلف بلدان المنطقة خاصة بعد إن معظم البلدان العربية تتمتع بدرجة من الاكتفاء الذاتي في مجال السلع الغذائية الخاصة بالأغنياء (اللحوم والأسماك والخضروات) أفضل منها في السلع الخاصة بالفقراء مثل (الحبوب والشحوم والسكر). و توصلت الدراسة بالأدلة و الأرقام إلى أن عدم ارتياح الأهالي في البلدان المعنية لظروفهم المعيشية و كذا لنوعية مشاركتهم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية و السياسية، طالما اعتبر دليلا قاطعا على تقصير مخل في أداء الدولة وتقاعس واضح في القيام بأدوارها الحيوية. و قد أصبحت تلك التوترات الاجتماعية- التي تم التعبير عنها بالعنف في كثير من الأحيان - خطرا داهما يمكن أن يقوض أسس الاستقرار الهش في العديد من بلدان المنطقة.

عنوان الدراسة، التي كان لي شرف إنجاز الفصل الخامس منها المتعلق بحالة موريتانيا، هو"التحديات والفرص المتاحة للتنمية المستدامة والاستقرار في بلدان شمال أفريقيا والشرق الأدنى" و تقع في أكثر من 300 صفحة بالإضافة إلى الملحقات و الخرائط.  و تتألف الدراسة من مقدمتين و ثمانية فصول على النحو التالي:

الفصل الثاني: حالة مصر:
 - "بين الاستقرار والحفاظ على السلطة في مصر، السياسة الحكومية والحد من التفاوت الاجتماعي"  بقلم: توماس ديمليير، مساعد باحث في معهد العلوم السياسية بجامعة Erlangen - نورنبيرغ (كرسي سياسة وتاريخ الشرق الأوسط)، (و) ستيفان روول ، أستاذ الاقتصاد والباحث السياسي في الإصلاحات الاقتصادية في مصر؛

الفصل الثالث: حالة الجزائر:
- "صعوبة إزالة الفوارق الإقليمية" ، بقلم: هانز بيتر ماتيس، دكتور في الفلسفة  والعلوم السياسية والاقتصاد، نائب مدير معهد دراسات الشرق الأوسط، هامبورغ؛

- "قضية اجتماعية جديدة في الجزائر: الشباب والعاطلون عن العمل والعلاقة المتشابكة؟" بقلم: محمد صائب ميزت، دكتور في علم الاجتماع، كبير الباحثين في مركز بحوث الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية (
CREAD) في الجزائر ، خبير استشاري دولي (منظمة العمل الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي) ؛

الفصل الرابع: حالة المغرب:
- "الأقلمة وسلطات الأقاليم في المغرب"، بقلم: Sigrid Faath بروفسورة في العلوم السياسية و علم الاجتماع وعلم الأعراق البشرية و المنسقة العلمية للمشروع البحثي الأوروبي "Menastabilisierung" في معهد GIGA.
- "التنمية الاجتماعية في قلب السياسة المغربية"، بقلم: الدكتور محمد العيادي، أستاذ العلوم الاجتماعية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية /عين الشق، الدار البيضاء؛ 

الفصل الخامس: حالة موريتانيا:
- "المناطق والفئات الاجتماعية :التنمية و آفاق الاستقرار في موريتانيا" بقلم: محمد السالك ولد إبراهيم، دراسات عليا في الفلسفة و علم الاجتماع و إدارة العلاقات الدولية، باحث و خبير استشاري دولي؛

الفصل السادس: حالة تونس:
- "تونس: النجاح السياسي على الصعيدين الإقليمي والتفاوت الاجتماعي"، بقلم: Sigrid Faath (كما ورد أعلاه)؛

الفصل السابع: تحليل ودراسات عن الشرق الأوسط:
- "بعض جوانب السياسة الاجتماعية والتنمية الإقليمية في الشرق الأوسط"، بقلم: هانز بيتر ماتيس (كما ورد أعلاه) ؛
- حالة المملكة العربية السعودية:
 - "التفاوت في التنمية في المملكة العربية السعودية"،  بقلم: هانز جورج مولر، خبير استشاري في مركز الخليج للأبحاث (دبي)، وأستاذ المشاكل الاقتصادية لبلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط في جامعة لايبزيغ (و) شليفاك كونراد، أستاذ الاقتصاد في جامعتي Würzburg و تونس؛

الفصل الثامن: تقييم وآفاق:
 - "وضعية تسيير التفاوتات و الفوارق الاجتماعية بين المناطق و الأقاليم في شمال إفريقيا والشرق الأوسط"، بقلم: Sigrid Faath.

5. تحديات الاستقرار: البركان الخامد:
انتهت الدراسة المحكمة بعد أن أرسل كل الزملاء أوراقهم البحثية عن مختلف البلدان المدروسة و نشرت ضمن كتاب صدر باللغة الألمانية في فبراير/شباط من سنة 2009، تحت عنوان "التحديات والفرص المتاحة للتنمية المستدامة والاستقرار في بلدان شمال أفريقيا والشرق الأدنى".  كما  نشر ملخص للدراسة باللغة الانجليزية تحت عنوان استفهامي بالغ الدلالة هو: "مقاربات اجتماعية وإقليمية من أجل التنمية في شمال أفريقيا والشرق الأدنى: أي وعود بالاستقرار للدول في هاتين المنطقتين؟" . و قد حاولت الدراسة تقديم إجابات منهجية على سؤال جوهري هو: إلى أي مدى يمكن للتدابير و الإجراءات التي يتم اتخاذها في مختلف البلدان المعنية أن تسهم جديا في توطيد و تأمين السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي في تلك البلدان؟

و حتى و إن لم تكن جميع بلدان شمال أفريقيا والشرق الأدنى تأتي  في نفس الدرجة من حيث اتخاذ التدابير و الإجراءات، كما و كيفا، للحد من الفوارق الاجتماعية والإقليمية في سياساتها العمومية و في ممارساتها الميدانية، فقد أكدت تحليلات الدراسة الألمانية على أهمية ظهور مزيد من الوعي و التحسس الجديد تجاه المشاكل التي تؤثر على الاستقرار في جميع بلدان المنطقة موضوع البحث.

لقد أدى تفاقم العلاقات السياسية المتوترة أصلا بين الدولة ومواطنيها في شمال إفريقيا والشرق الأوسط ، إلى تنامي عدم المساواة من حيث مستوى المعيشة و نوعية الحياة خصوصا داخل الفئات الاجتماعية الأكثر فقرا. و بصورة متزايدة، أصبح الاندماج في سوق العمل و الولوج إلى وسائل الإنتاج و فرص المقاولات متعذرا، خاصة على الشباب والنساء من بين مجموعات مهمشة أخرى كثيرة، في المدن الكبرى و كذلك الأمر بالنسبة لسكان الريف عموما الذين يعانون من تدهور سبل العيش و الفقر المدقع. و قد أدت تلك الوضعية الصعبة إلى فقدان الأهالي للثقة في الحكومات المتعاقبة و كذا في ممثلي الدولة و في الطواقم الإدارية القائمة على المرافق العمومية بعد أن ظلت هي الجهات الفاعلة الرئيسية في الحياة العامة منذ نهاية الحقبة الاستعمارية تقريبا. إن فشل الدولة الصارخ في توفير قدر كاف من التنمية المستدامة  والازدهار للشعوب في البلدان المذكورة،  قد أدى إلى تشكل جبال الجليد من تراكمات خيبة الأمل و الإحباط  و الانسداد لدى الكثير من الفئات الاجتماعية الفقيرة، بحيث أصبح هذا الرصيد الملغوم يغذي استعداد الأهالي لاستخدام العنف ضد الدولة نفسها في بوادر حقيقية للثورة و التمرد.

لقد أدى ارتفاع معدلات النمو السكاني فضلاً عن النمو الاقتصادي والحضري السريعين في بعض البلدان، حيث وصل سكان الحضر في البلدان العربية إلى
55% من السكان سنة 2005 مقارنة بنحو 38% في سنة 1970، إلى مزيد من الضغط على المرافق والبني الأساسية. كما أن الهرم السكاني يتميز بحضور شبابي لافت للنظر، فنحو 60% من سكان البلدان العربية لا تتعدى أعمارهم الـ 25 سنة.

و حيث أن التوترات الاجتماعية والسياسية المتنامية في السنوات الأخيرة، قد شملت على السواء العديد من الفئات الاجتماعية - من السكان الفقراء في المناطق الحضرية و الريفية الأقل نموا- فقد أدى ذلك الوضع المتأزم إلى الوصول إلى مستوى عال جدا من الاحتجاج و الاحتكاك و ما يعنيه ذلك من تزايد احتمالات زعزعة الاستقرار و السلم الأهلي في العديد من بلدان المنطقة.  والسؤال المقلق الذي سيظل يطرح نفسه دائما بإلحاح هو: كيف يمكن للحكومات مواجهة العنف المتزايد والصراعات الداخلية؟ و كيف يمكن للدولة- على المديين المتوسط والبعيد- من ناحية، حماية نفسها من تأثير عوامل عدم الاستقرار،  مع العمل على توفير و تهيئة الظروف المناسبة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، بحيث تكون قادرة على جذب الاستثمار الأجنبي وخلق فرص عمل جديدة لمواطنيها و تحقيق التنمية المتوازنة على مستوى أقاليمها المختلفة؟

كما كان للتدهور البيئي و انتشار الجفاف و التصحر دور بارز في زعزعة الاستقرار، فهو يهدد حاليا نحو 2.87 مليون كم  مربع أي خمس المساحة الإجمالية للأراضي العربية. و هو ما أدى إلى تقهقر القدرات الإنتاجية للأراضي الزراعية و تقويض أسس الأمن الغذائي العربي. ومع ازدياد عدد السكان وتَسبب النمو الاقتصادي بارتفاع معدلات الاستهلاك للفرد الواحد، تزداد الفجوة بين إنتاج الطعام واستهلاكه، ويزيد الاعتماد على استيراد الطعام. و هكذا، تزداد ظاهرة الجوع في الوطن العربي، خاصة في البلدان غير النفطية.

و رغم محاولات الإقلاع المحدودة و الخجولة هنا أو هناك، فقد باتت الضغوط ضد التغيير الحقيقي حية و قوية في أوساط "نومانكلاتورا Nomenklatura" الدولة و أجهزتها العتيقة. بل، لقد بقيت الهياكل الأساسية للنظم السياسية والاجتماعية- الإقصادية في البلدان المذكورة كما هي تقريبا لأكثر من نصف قرن مضى من عمر الدولة الوطنية.

و جدير بالذكر أن مفهوم الاستقرار في هذه الدراسة الألمانية  يتميز بكونه يحيل إلى خلفية تقدمية واعدة بالنظر إلى طبيعته الدينامكية و التحررية في ذات الوقت. فالاستقرار السياسي بهذا المعنى لا يمكن أن يعني مطلقا الحفاظ على وضع راهن لنظام سياسي فاشل سواء كان ديمقراطيا أو غير ديمقراطي. كما أنه لا يكتفي فقط بإدخال المزيد من المعالجة و الإصلاح في المناهج و الأساليب، بل يشجع التحولات الجديدة داخل أنسجة و أنساق النظام السياسي و الاجتماعي والاقتصادي الموجود أو ما يسمى بمقولة تثوير "البراديغم السائد".

6.  ماذا بعد الربيع العربي؟
سؤال وارد و وجيه. لكنه يفترض ضمنيا أن الربيع العربي قد ولى أمره و انتهى عهده، و بالتالي، لا بد من التساؤل عن ماذا سيأتي بعده. أما الحقيقة، فهي أن الربيع العربي فعل إنساني مضارع مستمر في الزمان و المكان.. تصرفه صيرورة الأحداث في زمن جديد.. و توقيت جديد.. إنه ظاهرة مثيرة تستحق البحث و التقصي. و على كل حال، لا أحد يستطيع قراءة الغيب أو التنبؤ في الوقت الراهن بنهاية الأحداث الجارية و لا الأحداث القادمة، أحرى  بمستقبل الأوضاع في المنطقة العربية بعد انتهاء الربيع العربي. أما أسباب ذلك فوجيهة جدا.. فالوقت ما يزال مبكرا لدراسة هذه الظاهرة بموضوعية و بما تستحقه من اهتمام، بعيدا عن التجاذبات و الحسابات الآنية!  و لفترة طويلة قادمة ستبقى الثورات العربية، التي و إن اتسمت بالجرأة و التحدي على نحو مبهر و جذاب، إلا أنها ستظل غنية و غامضة و مثيرة للبحث و التحليل العلمي بعد أن تنضج المسارات process و تكتمل الصورة.

و مع ذلك، لا بد من نوع من المجازفة المعرفية المحسوبة بغية بلورة موقف معرفي نقدي من الأحداث الجارية في مختلف البلدان العربية، يختلف جذريا عن المواقف الأيديولوجية الكلاسيكية سواء لدى أنصار الربيع العربي أو لدى خصومه. ويطمح هذا الموقف المعرفي النقدي إلى صياغة أفكار و استنتاجات مفيدة تسمح للباحث و المحلل و صاحب القرار بالتعامل الضروري مع ظاهرة الثورات العربية الجارية من أجل فهمها أولا.. و ذلك من خلال  تحليلها بأدوات إجرائية  تستلهم المنهج النقدي في مجال "ابستيمولوجيا" العلوم الإنسانية.

و بناء على فهم ظاهرة الثورات العربية و تحولات الربيع العربي حسب هذه المقاربة، يمكن عندئذ التفكير في وضع خارطة طريق تصالحية تقوم على استثمار و توظيف عقلاني لثلاث أفكار إيجابية  بدأت تتبلور من بين ركام الخطابات المتناثرة حول تقييم الربيع العربي. و هذه الأفكار هي:

-          التناوب السلمي على السلطة و إصلاح الشؤون العامة و تغيير الواقع نحو الأفضل هي مطالب ضرورية، وإذا ما أريد لها النجاح والاستدامة، فينبغي أن تتم حصريا من الداخل؛

-          المجتمع المدني (الأحزاب السياسية و هيآت المنتخبين والنقابات والصحافة الحرة والمنظمات غير الحكومية، إلخ...) شريك فعال في تحقيق الأهداف الإستراتيجية للإصلاح والتغيير والمتمثلة حاليا في (1) إنجاح التحول نحو الديمقراطية و(2) تحقيق التنمية المستدامة و(3) تأمين المستقبل. والمجتمع المدني بهذا المعنى ليس خصما أو بديلا عن الدولة ومؤسساتها الحكومية بل هو جزء من الدولة وشريك فعال للحكومة؛

-         الطريق الأمثل والأكثر أمانا نحو الإصلاح والتغيير يقتضي التركيز على بناء السياسات والبرامج التنموية العمومية على أساس متين من المعطيات العلمية الموضوعية المتأتية من ثمار البحث العلمي الرصين بدلا من الاعتماد على مصادر أخرى مشوشة -غالبا- بالخصومات "السياسوية وبصراعات المصالح وأشكال المضاربات المغرضة.

وانطلاقا من وعي عميق بجدلية الترابط بين هذه الأفكار الأساسية الثلاث، يرمي مشروع خارطة الطريق هذه إلى تشجيع النخب الفكرية والمهنية والسياسية في البلدان العربية سواء في السلطة و في المعارضة - كل حسب مجال تخصصه وخبرته- للمساهمة في مناقشة ودراسة ومقارنة ونقد وتصحيح ومفاضلة المعطيات المتعلقة بسيناريوهات معينة حول تصور شكل معين لمستقبل كل بلد عربي، بحيث يكون ذلك الشكل مرغوبا فيه ومتفقا عليه على أوسع نطاق شعبي:

 - السيناريو المرجعي: وهو يمثل الامتداد المنطقي للتطورات الراهنة، وذلك فيما لو استمر النمط الحالي للفعل و ردود الفعل في إطار الثورات العربية و تحولات الربيع العربي؛

-
السيناريو الشعبي: وهو يمثل التصور المتولد عن استطلاع رؤى الشارع والقوى الاجتماعية والتشكيلات السياسية القائمة للمستقبل المرغوب فيه من طرفهم، وذلك بغض النظر عن مدى تكامل أو اتساق ذلك التصور.

-
السيناريو الوسيط: وهو يمثل مسار البلدان العربية حتى عام 2020 فيما لو طرأت تعديلات إصلاحية غير جذرية على مجموعة السياسات المطبقة حالياً، وفيما لو حدثت بعض التعديلات غير الجوهرية في تركيبة القوى الفاعلة في المجتمعات العربية.

-
السيناريو الابتكاري: وهو يصور المسار الذي يمكن أن تسلكه البلدان العربية حتى عام 2020، وذلك فيما لو أطلقت طاقات الإبداع والابتكار الكامنة في المجتمع من خلال تغيير جوهري في التركيبة الطبقية وتسيير الموارد البشرية، وفي توزيع السلطة والثروة في المجتمع، وفي تغيير نسق القيم السائدة حالياً، وفي مستويات التعليم والتكوين وتوطين التكنولوجيا، ومن ثم حصول تغيير جوهري في وضع و تنفيذ السياسات التنموية لاستغلال المصادر الطبيعية وإدخال الترتيبات الإصلاحية المؤسسية المدنية و الأمنية والعسكرية، وتغيير نمط تصور وإقامة وتسيير العلاقات الإقليمية والدولية للبلدان العربية.

ومن أجل تسهيل هذه العملية وتقريبها منهجيا نقترح جدلا أن يتم الاتفاق على أن تكون نقطة الانطلاق في تحديد السيناريوهات هي القراءة الجيدة لخريطة القوى الاجتماعية والسياسية و الاقتصادية في البلدان العربية و آفاق ديناميكيتها المستقبلية. ثم يجري تحديد القوى الرئيسية التي تملك رؤية أو مشروعات واضحة نسبياً للتغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بما في ذلك القوى الممثلة حاليا في السلطة وكذا رؤية أو مشروعات القوى الموجودة في المعارضة، نقترح خمسة مشاريع سيناريوهات نقدمها بإيجاز فيما يلي:

-
السيناريو الأول: هو "السيناريو المرجعي" الذي يعبر عما قد تؤول إليه الأوضاع على امتداد الـ 9 سنوات القادمة، إذا ما استمر المنطق الحالي للحكام في التعامل مع المشكلات الرئيسية في البلدان العربية و ما يؤدي إليه من تفاهم هو الذي قاد أصلا إلى حالة الثورات العربية، وليس بالضرورة استمرار نفس الحكام أو نفس السياسات التفصيلية. إنه سيناريو "الربيع العربي".

-
السيناريو الثاني: يطرح رؤية القوى المجتمعية والسياسية التي ترى أن المستقبل الأفضل للبلدان العربية إنما يبدأ بقيام نظام حكم إسلامي، يترجم أحكام الكتاب والسنة إلى سياسات داخلية للتنمية وضوابط في التعامل مع الآخر، بما يحفظ للبلاد هويتها الإسلامية المتميزة ويضمن للمواطنين السعادة في الدارين. إنه سيناريو "الدولة الإسلامية".

-
السيناريو الثالث:  يطرح رؤية النخب المتغربة ذات التوجه الرأسمالي الليبرالي، التي ترى أن مستقبل البلدان العربية والسبيل لبقائها على خريطة العالم – وسط التنافس الدولي الحاد – يكمن في إتباع نظام رأسمالي أكثر رشداً وعقلانية وانتفاعاً بالعلم من الرأسمالية المشوهة القائمة حالياً, إنه  سيناريو "الرأسمالية الجديدة".

-
السيناريو الرابع: يطرح رؤية الجماعات و النخب ذات التوجه الاشتراكي، التي تعتقد أن الاشتراكية لم تنته بسقوط الاتحاد السوفيتي والكتلة الاشتراكية في شرق أوروبا، وأن الاشتراكية قابلة للنجاح إذا ما تمت الاستفادة من الدروس والعبر التي حفلت بها التجارب السابقة للتطبيق الاشتراكي في العالم كله وكذا تلك الجديدة مثل "التشافيزية". وهو ما يبرز ضرورة الجمع بين الاشتراكية والديمقراطية ورفض المقايضة بين الحقوق الاجتماعية والحريات السياسية. إنه سيناريو "الاشتراكية الجديدة".

-
السيناريو الخامس: وهو يعبر عن وجهة نظر مجموعة قوى مختلفة داخل المجتمعات العربية، ترى أن السبيل الأفضل للتقدم والازدهار هو تحقيق التوافق الوطني والتراضي على حل وسط، يوفق بين رغبات الأطراف المختلفة للعمل الوطني في كل بلد عربي. إنه سيناريو "الوفاق الوطني".

هذه هي السيناريوهات الخمسة التي نقترح أن تشكل مسودة "وثيقة  ترشيد الربيع العربي" بين السلطة والمعارضة بهدف وضع مشروع خارطة طريق للمصالحة بين الطرفين تكون بمثابة "جواز سفر" للعبور نحو الأمان و نحو الأمام، نطرحها هنا – من موقع الشعور بالمسؤولية القومية التاريخية بكل تجرد – للتأمل فيها و دراستها وتقييمها و المفاضلة في ما بينها موضوعيا من حيث الأهداف والمناهج والنتائج والآثار المترتبة عليها في منحنى زمني متوسط حدوده 2020.

كما أننا نلفت انتباه النخب في كل من الطرفين و في كل بلد عربي إلى أنه بالإمكان طرح منطلقات أخرى بديلة في اختيار السيناريوهات، حسب ما قد يتم عليه التراضي بين الطرفين. وبالطبع، فإن اختيارنا هذا هو مجرد مثال للتقريب ولا يغلق باب الاجتهاد أمام تجربة سيناريوهات أخرى مختلفة أو إضافة سيناريوهات جديدة إلى اللائحة الحالية. فلا شك أن تعدد السيناريوهات حول مستقبل الثورات العربية و تحولات الربيع العربي، بما تتسم به من تنوع في معايير اختيارها، لهو أمر مرغوب لإثراء فهمنا جميعا لهذه الظواهر المعقدة - التي تطرح نفسها اليوم بإلحاح على كل بلد عربي حكاما و محكمين-  وما تنطوي عليه تلك الاقتراحات و الأفكار من (1) نقاط قوة و(2) نقاط ضعف و(3) فرص و(4) مخاطر يجدر التعرف عليها قبل فوات الأوان.

7. خاتمة: حلم أم كابوس؟
 ليس من باب تثبيط الهمم و لا ذر الرماد في العيون أن نقول بأن الثورات في البلدان العربية هي بقدر ما تمثل حلما جميلا يصلح أن تتغنى به الجماهير و تعلق عليه الكثير من آمالها، فإنها كذلك  قد تكون كابوسا مرعبا، يجدر بالعرب أن يفكروا جديا في آثاره و تداعياته المختلفة قبل الإقدام عليه. و هو ما يلقي بظلال من الشك على عقلانية و جدوائية مشروع الثورة في البلاد العربية. كما يتوجب عليهم كذلك أن يدققوا حسابات الربح و الخسارة بالنسبة لتكاليف كل سيناريو محتمل قبل اتخاذ القرار من أجل حسن تقدير الأمور.

لقد دأبت الأدبيات الثورية لدى كل الأمم و الشعوب على اعتبار أن القيام بثورة ما هو دائما عمل بطولي من الناحية الإنسانية، نظرا لما ينطوي عليه من مجازفة و تضحية. و هو تقدير صحيح. لكن الثورة كذلك تعني مسؤولية أخلاقية كبيرة يعتد فيها بالتداعيات و النتائج و ليس فقط بالنوايا و الأحلام. و لعل الكثيرين يدركون الآن، أنه من بين  نماذج أو"كاتالوجات" الثورات العربية الجارية حاليا، تبقى الحالة التونسية الأكثر مرجعية و الأكثر وضوحا في الرؤية المستقبلية لمسارها. و مع أنها كانت الأكثر سلمية و الأقل دموية، إلا أن تصدر الإسلاميين للمشهد بعد الانتخابات و ما رافقه من تراجع لدور شباب الإنترنت و مجموعات المدونين الذين كانوا هم الأبطال الحقيقيين للثورة التونسية،  يطرح الكثير من التساؤلات حول المستقبل. أما الحالة المصرية فهي جد معقدة و حساسة بعد سقوط الريس و بقاء نظام الحكم متماسكا تقريبا. الإستفتاء على الدستور أحدث ضجة كبيرة مرت بسلام .. لكن أحداث ماسبيرو قرعت أبواب المجهول.. و الآن الانتخابات على الأبواب.. و نقاط الإستفهام لا تنتهي.. أما في ليبيا، فقد أخذت الثورات العربية مسارا مختلفا جذريا.. لم تعد سلمية .. سلمية كما في السابق.. العنف يولد العنف المضاد.. حمل الشعب السلاح .. و حرر نفسه مدينة مدينة.. و زنقة.. زنقة.. و بيتا بيتا.. أصبح التدخل العسكري الدولي سقفا جديدا للثورات العربية.. اختلت الموازين.. فارتفعت فاتورة التكلفة المجتمعية و الإستراتيجية للتغيير المدني عن طريق الثورة إلى حدود قياسية..

أما في البلدان التي اندلعت فيها الثورات ... لكنها لم  تصل بعد إلى مرحلة إسقاط رأس الدولة، فهي تعيش وضعية تراجيديا كارثية بالغة التعقيد و الحساسية كما في اليمن و البحرين و سوريا، حيث لا يوازي مأساوية استمرار شلال الدم النازف إلا تعقيد المواقف و الحسابات الجيوستراتيجية الإقليمة و الدولية إزاء مصير الحالة الثورية في هذه البلدان بالذات.  

في بلدان عربية أخرى هنالك مشاريع ثورات غير مكتملة.. بقيت حتى الآن على هامش الثورات العربية الجارية حاليا. و هكذا تعتبر الأردن و المغرب و الجزائر و موريتانيا، وربما آخرون..  بلدانا مستوردة أو مستهلكة للثورة أكثر من كونها ثائرة. و على كل حال، تظل كل البلدان العربية في حاجة ماسة إلى وقفة تأملية صادقة من  أجل تبني و تفعيل إصلاحات حقيقية للتحول الديمقراطي و تعزيز المشاركة السياسية الشعبية بغية إعادة بناء أيديولوجيا الدولة العربية على أسس جديدة و جدية تتركز حول قضايا: (أ) مصلحة،(ب) أمن، (ج) استقرار و(د) تنمية  و ازدهار البلدان العربية باعتبارها أولويات إستراتيجية لا خلاف عليها.


نواكشوط، دجمبر 2011

محمد السالك ولد إبراهيم،
باحث و خبير استشاري/
مؤسس المركز الموريتاني لأبحاث التنمية و المستقبل
medsaleck@gmail.com

ملحوظة:
المقال هو في الأصل ورقة بحثية قبلت في المؤتمر العاشر لمؤسسة الفكر العربي، المنعقد تحت شعار "ماذا بعد الربيع؟"  في دبي بفندق جميرا زعبيل سراي، من 5 إلى 7 ديسمبر 2011.







لائحة المصادر و المراجع:

-          تقرير الرصد العالمي، البنك الدولي- 2010،
-          Global Monitoring Report 2010,
-          تقرير البيئة العربية: تحديات المستقبل/ مصطفى كمال طُلبة و نجيب صعب (محرران)/ بيروت: المنتدى العربي للبيئة والتنمية 300 صفحة.
-          تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009 : تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية
-          تقرير مؤتمر الأمم المتحدة حول التجارة و التنمية (CNUCED) عن إفريقيا - 2008،
-   CHAVAGNEUX, C., « Les dernières heures du libéralisme. Mort d’une idéologie », Éditions Perrin, Paris, 2007.
-          التعاون الاقتصادي العربي بين القطرية والعولمة، د. إسماعيل صبري عبد الله، دار الفلاح، 1999؛
-          النظرية الغربية والتنمية العربية، د. نادية رمسيس، سلسلة كتب المستقبل العربي /6/، مركز  دراسات الوحدة العربية، بيروت 1984،
-          وقف النمو  - نادي روما، ، ترجمة عيسى عصفور، منشورات وزارة الثقافة دمشق 1997،
-          التنمية البشرية وبناء مجتمع المعرفة: قراءة في تجارب الدول العربية وإسرائيل والصين وماليزيا/عبد الحسن الحسيني/ بيروت: الدار العربية للعلوم ـ ناشرون/ 392 صفحة.
-          الأزمة المالية: أسبابها وتداعياتها وطرق حلها والحل المقترح للعرب/ فتحي عطية السيد مصطفى/ القاهرة [نشر خاص بالمؤلف] 546 صفحة؛
-          التنمية المستدامة: الإطار العام والتطبيقات، دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً/ نوزاد عبد الرحمن الهيتي/ أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية 203 صفحة؛
-          العقل العربي ومجتمع المعرفة: مظاهر الأزمة واقتراحات بالحلول/ نبيل علي/ الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب: جزئين (سلسلة عالم المعرفة 369ـ370)؛
-          التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2009/ جامعة الدول العربية: الأمانة العامة ـ القاهرة 390 صفحة؛
-          العرب والمرحلة الاقتصادية الجديدة/ هشام الخطيب وآخرون/ مراجعة وتقديم: محمد الحلايقة / عَمَان: مؤسسة عبد الحميد شومان؛ بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر 194 صفحة؛
-          أنظر أيضا: سلسلة المقالات التالية بالعربية و الفرنسية حول الموضوع- محمد السالك ولد إبراهيم:


المصادر و المراجع الأجنبية

-    The coming surge in food prices : Nomura’s Food Vulnerability Index (NFVI) and its sub-components,
-    Afrique Verte : Point sur la Situation Alimentaire n°116, décembre 2010 ;
-    SAHEL ET AFRIQUE DE L’OUEST : Perspective sur la sécurité alimentaire Octobre 2010 à Mars 2011 - Réseau de Systèmes d’Alerte Précoce contre la Famine, FEWS NET Washington - 2010 ;




[1]  دكتور في الفلسفة  والعلوم السياسية والاقتصاد، و نائب مدير معهد دراسات الشرق الأوسط و باحث رئيسي في المعهد الألماني للدراسات العالمية والإقليمية (German Institute of Global and Area Studies -GIGA) في مدينة هامبورغ بشمال ألمانيا.

mardi 15 novembre 2011

Méfiez-vous : Democracy at home !


Méfiez-vous ! Elle est enfin chez nous. La démocratie d’Aristote. Sa longue marche depuis Athènes en 507 avant J.C, jusqu’à l’avènement du Printemps arabe en Janvier 2011, n’a fait que réaffirmer son caractère inéluctablement universel. Cependant, il est regrettable que cette arrivée triomphale dans le Monde arabo-musulman, déchante certaines élites occidentales, au moment même où le mouvement Occupy Wall Street et les Indignés d’Europe continuent de faire des émules à travers le Monde entier, annonçant la nouvelle lutte des classes : Les 1 % contre les 99 %. Le tollé contre la montée des islamistes modérés en Tunisie, raisonnable ou exagéré, reste l’exemple type de ce déchantement.

En réalité, ce volte-face était encore il y a quelques mois, imprévisible, invraisemblable, voire impensable ! Après les longues décennies grises des oligarchies despotiques et les quelques éphémères démocraties de façade, le Monde arabo-musulman s’est réveillé enfin par le Printemps arabe.

La révolte des peuples de la région contre des régimes corrompus et liberticides marque un instant grave de l’histoire. Avec le Printemps arabe, ou Printemps arable pour certains, les symptômes cliniques de l’effondrement incontestable de l’ancien paradigme sont désormais établis.

Cette vaste partie du Monde, qui s’étend de Nouakchott à Jakarta, était quasi impénétrable à toute alternance démocratique au pouvoir par la voie régulière des urnes. Mais, il est évident que l’Arabellion a surpris tout le monde. L’occident, qui avait longtemps parié sur la stabilité de régimes despotiques comme meilleur rempart contre l’islamisme et le terrorisme, est entrain de perdre, tout simplement, son pari. L’alibi d’incompatibilité entre Islam et Démocratie n’était qu’un pur stratagème.

Si l’événement majeur du Printemps arabe devrait mettre fin au mythe d’exception vis-à-vis de la démocratie, mais pourquoi donc tout ce tollé contre la montée des islamistes modérés en Tunisie ?

Est-ce le risque de voir l’arbre islamiste cacher la petite forêt d’une démocratie providentielle qui pourrait fleurir sur l’autre rive de la méditerranée ? Est-ce que la propagation du syndrome islamiste dans les pays révoltés ou en cours de révolte, serait plus épouvantable que l’absence complète de toute démocratie ? Les alarmistes et les sceptiques ont-ils raison ? Ou leur défiance serait plutôt exagérée ?

La démocratie, qui est réputée être le pire des régimes politiques à l'exception de tous les autres, est-elle l’incarnation idéalisée d’une pensée immortelle conçue par d’anciens philosophes occidentaux ? Ou plutôt la fille involontaire des rapports de forces indécis de la géographie et de la politique ?

Apparemment, la logique d’instrumentalisation des idéaux aux fins politiciennes et la logique de deux poids deux mesures demeurent d’actualité. On s’alarme pour l’islamisme modéré en Tunisie et, on tolère l’islamisme Wahhabite en Arabie Saoudite, qui avait pourtant enfanté les Salafistes d’Al-Qaïda, ceux des Talibans et d’Aqmi! On se confine dans les crédulités du 11 septembre et on oublie que la confusion entre Islam et terrorisme n’a servi qu’à donner des bouffées d’oxygène supplémentaires aux despotes du monde arabo-musulman. Au bout du compte, ces régimes, qui étaient incapables ni d’opérer les changements nécessaires, ni de contenir les implosions internes et moins encore à faire face aux menaces extérieures, n’ont pas survécu à l’Arabellion. 

En réalité, la complexité séculaire de la problématique du pouvoir dans la littérature et la tradition politique arabo-musulmane, tout comme la persistance du phénomène despotique avait longtemps été interprétée comme le signe majeur d’un retard culturel caractéristique qui rendrait le monde arabo-musulman absolument inapte à la démocratie.

Par le passé, des facteurs endogènes déterminant le fonctionnement des sociétés arabo-musulmanes traditionnelles, ont favorisé la persistance des régimes despotiques et l'inertie des populations qui restaient souvent incapables de se révolter contre la dictature. Quelque part, dans l’imaginaire collectif arabo musulman, le despote était vu comme le représentant de Dieu sur la terre. A ce titre, il profite d’un pouvoir absolu pour régner. Depuis lors, cette perception n’a pas beaucoup changée.

A juste titre, le Printemps arabe annonce, une nouvelle révolution culturelle au niveau des modes opératoires de pensée et de comportement socioculturel au sein des sociétés arabo-musulmanes. Pour la première fois depuis des siècles, l’effet des transformations du Printemps arabe bouleverse la pertinence épistémologique des notions classiques de la sociologie politique, comme la "Al-assabiya" ou "esprit de clan" et le "khourouj" ou insurrection, élaborés au 14éme siècle par le philosophe Ibn Khaldoun, pour expliquer le fondement et la dynamique des luttes perpétuelles pour s'accaparer le pouvoir dans les sociétés  arabo-musulmanes.

Alors que ces aspects positifs importants sont passés sous silence, c’est plutôt le discours de la méfiance ancestrale qui est actuellement mit de l’avant par les politiques et les médias. Comme si tous les vents sont bons pour semer les grains de la discorde par l’instrumentalisation et la diabolisation de l’islam !

Ainsi, après le mythe de l’exception du Monde arabo-musulman, la vague de l’islamophobie et la confusion de l’Islam avec le terrorisme, vient aujourd’hui le tour pour dénoncer l’incompatibilité de l’islamisme avec la démocratie. La question qui se pose en réalité serait plutôt : Qu’est-ce que les islamistes modérés peuvent apporter d’original pour pacifier les rapports sociopolitiques, conjurer les démons de l’anarchie et promouvoir un développement socioéconomique équilibré et durable dans leurs pays, en cas d’élection transparente.

Dans la foulée, les alarmistes d’aujourd’hui semblent oublier que par le passé, une grande partie des élites politiques occidentales, n’a cessé d’encourager les régimes despotiques du monde arabo-musulman à verrouiller les moindres espaces de liberté et à poursuivre imperturbablement la cruauté envers leurs populations au grand mépris de la démocratie et des droits humains.

Sur le plan intérieur, le manquement regrettable des élites politiques et des intellectuels arabo-musulmans à leur devoir de veille et de contestation a finalement sonné le glas de la faillite des intelligentsias nationales. Face à l’abîme, ces élites ont été souvent compromises ou muselées. Après les années de gloire du nationalisme arabe, la protestation populaire avait revêtu l’habit de l'islamisme militant, qui profite aujourd’hui des largesses d’un Printemps arabe en pleine essor.

Bien évidemment, les acteurs du Printemps arabe ne sont pas souvent des islamistes, et n’appartiennent pas non plus aux autres mouvements d’opposition classique. Les vrais maîtres du jeu sont et, resterons encore pour longtemps, ces jeunes citoyens lambdas cyber-révolutionnaires, ces sorciers des NTIC et ces tenaces curateurs des medias sociaux comme facebook, twitter, et youtube. Ce sont ces jeunes activistes du Net qui ont inauguré intelligemment une nouvelle "Ère des masses numériques" à partir de la transposition du modèle des logiciels open source en informatique dans le domaine du changement social à base du virtuel. C’est ainsi que se développe et se propage actuellement les différentes versions béta du printemps arabe presque dans tous les pays du Monde. C’est la cascade des mouvements Altermondialistes, Printemps arabe, Indignés et Occupy Wall Street.

Les récentes parades de séduction lancées par les USA vis-à-vis des leaders des révolutions arabes compliquent davantage la tâche déjà lourde pour accompagner les profondes transformations en cours suscitées par ce profond changement qui s’opère dans les différents pays de la région.

Quelle crédibilité pourrait avoir des velléités démocratiques américaines aux yeux d’un Monde arabo-musulman exaspéré par leur connivence avec les régimes despotiques les plus iconoclastes ? C’est dire, combien les élites occidentales n’apprécient pas encore à quel degré le Monde arabo-musulman est profondément traumatisé par les effets dramatiques des interventions militaires américaines qui apportent à chaque fois, des lots de victimes parmi les populations indigènes en Irak, en Palestine, au Liban, en Afghanistan, au Yémen, en Libye et ailleurs ?

En démocratie, les pauvres sont rois, disait Aristote dans son livre "De la politique", parce qu’ils sont en plus grand nombre et la volonté du plus grand nombre a force de loi. C’est pourquoi, à un moment donné, la démocratie a été présentée dans le Monde arabo-musulman comme une conséquence logique du libéralisme économique.
Pourtant, ce postulat encore n’est pas toujours valide d’après l’expérience qui lui oppose un démenti formel. Le processus de privatisation entrepris dans la plupart des pays de la région, depuis des décennies n’a guère servi la promotion de la démocratie.

Les mesures drastiques d’ajustement structurel préconisées par les institutions de Bretton Woods ont conduit, dans beaucoup de pays arabo-musulmans, à la suppression de millions d’emplois et au déséquilibre des secteurs socio-économiques vitaux, précipitant ainsi la paupérisation des populations et l’effritement d'une classe moyenne qui était encore à l’état embryonnaire.

Durant de longues décennies, nombreux sont les despotes arabo-musulmans qui, souvent appuyés par leurs alliés occidentaux, ont tergiversé d’alibi en alibi, pour repousser la démocratie. Tantôt, ils se dérobaient en sacrifiant la démocratie au profit de velléités de croissance, tantôt en sacrifiant à la fois démocratie et croissance au profit de considérations de sécurité réelle ou fictive.

Ces despotes arabo-musulmans ont longtemps conservés le soutien indéfectible des puissances occidentales pour assurer leur maintien au pouvoir afin de s’assurer un accès privilégié aux ressources naturelles et aux autres avantages. Ces despotes ont ainsi réussi à asseoir le plus longtemps possible leur hégémonie et imposer leur dictature par tous les moyens de coercition : force publique, police, corruption collective et contrôle rigoureux des activités économiques de première importance. Cette sale besogne est accomplie à travers un système clientéliste mafieux aux ramifications internes et externes panachées et embrouillées.

Au bout du compte, les centaines de millions de citoyens se rendent à l’évidence. Les populations qui n’arrivent pas à jouir ni de la démocratie, ni de la prospérité et encore moins de la sécurité, se rebellent. De la frustration, du mécontentement et de la crise généralisée, naquis la révolte actuelle.

Il est regrettable que l’arrivée de la démocratie d’Aristote chez nous déchante certaines élites occidentales au moment où le mouvement anti-Wall Street et les Indignés d’Europe continuent de faire des émules à travers le Monde entier annonçant la nouvelle lutte des classes : Les 1 % contre les 99 %.

 

Entre sa vocation de missionnaire de la liberté et ses vieux réflexes de colonisateur, les balancements d’un Occident, profondément miné par l’influence des lobbies ésotériques, restent particulièrement révélateurs des enjeux actuels et futurs de tous les changements dans cette région. Le seul espoir raisonnable est que la rationalité des libres citoyens du Monde tend à la conciliation des rivalités plutôt qu’à l’aggravation des antagonismes réels ou fictifs. 

Mohamed Saleck OULD BRAHIM
Chercheur & curator

samedi 10 septembre 2011

تحرير الإعلام.. تحرير العقول أولا

أما و قد أصبح من الممكن الآن فتح قنوات تلفزيونية أو محطات إذاعية حرة، أو خاصة أو خصوصية، أو مستقلة.. حسب ما يناسب ضمير المتكلم من تلك التعبيرات الدارجة - بعد طول احتكار الدولة، جزاها الله خيرا، للفضاء السمعي البصري في موريتانيا منذ إنشائه بعيد الاستقلال- فقد عاودتني بعض الخواطر و التأملات و أنا أتابع هذه الأيام مجريات التنفيذ الميداني لهذا التطور  التواصلي النوعي الهام الذي تشهده البلاد حاليا.

و بجهد المقل، ارتأيت أن أتقاسم هذه الثرثرة حول الموضوع مع القراء تعميما للفائدة كما كان يزعم الكتاب القدامى حين تعوزهم الحيلة، رغم معرفتي بأن اهتمام الناس هذه الأيام إنما ينصب أكثر على تدبير المشاغل اليومية.. و ترصد أخبار "الكزرة"  و الترحيل.. أو تصيد جديد "رباخه" في محلاتها.. أو قضاء العطلة الصيفية بحثا عن الراحة و الاستجمام.. و ترقب أحوال الطقس و تقلبات المناخ.. بين ربيع الثورات العربية و خريف الثورات و الثيران الموريتانية، مع شيء يسير من الاهتمام بمستجدات التلفزة الوطنية مثل مسلسل التدشينات و إعادة التدشينات.. و الزيارات السياحية الوزارية و شبه الوزارية.. و متابعة أخبار "وادي الحوار المتصدع" الموعود بين السلطة و المعارضة.. و ما يذكر عن تفشي حمى انفلونزا الانتخابات المتعثرة و.. المعلقة إلى حين.. و ما لذلك كله من تداعيات مختلفة على حياة الناس في الحواضر و الأرياف. غير أن حرية الإعلام المسموع و المرئي ..تكتسي أهمية خاصة بالنسبة لموريتانيا قد لا تقل أهمية عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر بالنسبة للولايات المتحدة "بالفال الأحسن".. ولا يمكن أن تمر هذه المناسبة على "أهل الخيام" مرور الكرام..

فبعد مسيرة طويلة استمرت أكثر من عشر سنوات، ظل خلالها تحرير الإعلام السمعي البصري مجرد حلم يراود بعض النخب الموريتانية بحكم الوعي المتنامي لمتطلبات الحداثة و العصرنة في فترة ما قبل عصر العولمة، أصبح ذلك الحلم الجميل فكرة واضحة يبشر بها أصحابها منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي، ثم أضحى مطلبا ينادي به المطالبون باستكمال مشروع التحول الديمقراطي مطلع التسعينيات، إلى جانب  حزمة الإصلاحات السياسية (الدستور و الانتخابات التعددية، و حرية الصحافة المكتوبة و تشكيل الأحزاب، إلخ...)، ليتخذ مع مطلع الألفية الجديدة شكل مسودة مشروع تنتقل بهدوء بين بضعة أيادي حازمة و عدة دواليب حكومية معتمة، ثم ليتحول مؤخرا إلى مشروع قانون تمت المصادقة عليه منذ أكثر من سنة، لتنطلق أخيرا الإجراءات الإدارية الرسمية و العملية لتجسيده على أرض الواقع.

و لا شك أن هذا التطور التواصلي النوعي بالغ الأهمية في حقيقته كما في أبعاده و مراميه المختلفة، بل لعله قد يكون القرار الأهم في تاريخ موريتانيا المعاصرة لتكريس الحريات العامة و تحرير العقول و تسهيل تحقيق التنمية المستدامة و توفير العدل و الإنصاف. و لكن التطبيق العملي لهذا التطور الهام لا يخلو من رهانات وتحديات جسيمة.. فلا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا الجوانب السلبية بل الكارثية التي قد يؤدي إليها تسيير عملية تحرير الفضاء السمعي البصري بتلك العقلية القديمة غير المحررة أصلا.. و بأجندة سرية غير سمعية و لا بصرية.

و عموما.. يبقى أهل مكة أدرى بشعابها السمعية البصرية و بشعوبها الأرضية و الفضائية.. و هم سيعرفون بحسهم الفطري بأن لا داعي لتكرار تجربتين إعلاميتين فاشلين بامتياز هما قصة التلفزة الموريتانية - مع احترامي الشديد لصديقي المدير الجديد و.. دعواتي الصادقة له- و قصة الصحافة الموريتانية المكتوبة المستقلة منها و غير المستقلة، و التي يمكن تلخيصهما في الثالوث الفظيع: الرداءة.. الأحادية .. و "التبتيب"...

أما كاتب هذه الثرثرة.. فهو ليس إعلاميا محترفا.. ليتحدث عن خبرة نافعة.. و لا هو بهاو.. باحث عن متعة أو تسلية.. بل إن "تجربة" صاحبنا و رحلته التطفلية على حقل الصحافة جد متواضعة.. لم تتجاوز عتبة تحرير الصحيفة الجدارية لمدرسته الابتدائية في مدينة ازويرات، منتصف سبعينات القرن الماضي. أما بعد ذلك، فقد ابتعد بي قطار الحياة الجاري نحو الاهتمام أكثر بشؤون السياسة و الأدب و الفكر و الفلسفة و الإدارة و قضايا الدبلوماسية و القانون الدولي. و في مطلع التسعينيات، كانت لي تجربة أخرى عابرة في حقل "الصحافة القانونية" هذه المرة.. فقضيت بضع سنوات أشرف على تحرير "الجريدة الرسمية" باللغتين العربية و الفرنسية، عندما كانت إدارتها الناشئة ملحقة برئاسة الدولة- التي قررت آنذاك إصدار الجريدة الرسمية في انواكشوط بعد أن بقيت منذ الإستقلال تصدر في مدينة بوردو الفرنسية، إضافة إلى إصدارها لأول مرة بطبعة عربية إلى جانب نسختها الفرنسية المعهودة.

 بعد ذلك بسنوات عدة.. قدر لي- بمحض الصدفة- أن أعيش تجربة إعلامية تنظيرية غنية و فريدة من نوعها.. أستسمح القراء في استطراد جانب منها.. فليعذروني قليلا إذا أطلت عليهم كثيرا..

في نهاية التسعينيات، كنت ضمن مجموعة تفكيرية Groupe de réflexion تتألف من ستة طلاب من موريتانيا والصين و روسيا  و بنغلادش و مدغشكر و اليونان، يدرسون في السلك الطويل بالمعهد الدولي للإدارة العمومية بباريس - الذي يعرف الآن بالمدرسة الوطنية للإدارة. و قد طلب منا في إطار الدراسة أن نعد تقريرا حول موضوع "أي سياسة إعلامية خارجية مسموعة ومرئية أنسب لفرنسا ؟". و انتدب المعهد خبيرين إعلاميين فرنسيين معروفين جدا لتأطير المجموعة و تسهيل اتصالها مع المؤسسات الإعلامية المعنية، هما الميسيو "كريستيان تروبيه" مدير مجلةCroissance/ Le Monde en développement  و الميسيو "فرانسيس بال"، الأكاديمي المتخصص في مجال الإعلام المرئي و المسموع و عضو مجلس إدارة إذاعة فرنسا الدولية -  RFI و مؤلف عدة كتب حول قضايا الإعلام العمومي و تحديات تحرير الفضاء السمعي البصري في فرنسا.  

قامت المجموعة التفكيرية متعددة الجنسيات و التخصصات، بمساعدة الخبيرين المشرفين، بتشريح أهم المؤسسات الإعلامية الفرنسية العمومية آنذاك و هي: إذاعة فرنسا الدولية  RFIو قناتي TV5  و CFI ، من خلال زيارات ميدانية و الإطلاع على الوثائق، و النقاش مع المسؤولين في تلك المؤسسات و كذا في سلطة التنظيم التي تسمى في فرنسا "المجلس الأعلى للسمعيات البصرية CSA" و في مديرية الإعلام الخارجي بوزارة الخارجية الفرنسية التي تمارس سلطة الوصاية على تلك المؤسسات الإعلامية . و قد تواصل عمل المجموعة التفكيرية طيلة ثلاثة أشهر، قمنا خلالها بجمع و تحليل و نقد المعطيات الموجودة و اقتراح الحلول و البدائل الممكنة.. كل هذا الجهد أرادت الدولة الفرنسية أن يضطلع به أناس أجانب غير مختصين بالضرورة في مجال الإعلام، من أجل المساهمة في بلورة إستراتيجية إعلامية جديدة لفرنسا، تتناسب مع عالم ما بعد الحرب الباردة.. و تأخذ بعين الاعتبار متغيرات العولمة الكاسحة.. و تواكب التكنولوجيات الجديدة للبث الرقمي الأكثر تطورا.

شاركت مع زملائي الآخرين في إعداد التقرير و قدمت عدة اقتراحات ممكنة لتطوير الإعلام الخارجي الفرنسي، و تمت مناقشة تلك الأفكار التي نالت آنذاك اهتماما كبيرا و ملاحظات تشجيعية.. رغم تحفظ بعض كبار منظري الإعلام الفرنسي عليها.. بسبب "جرأتها الزائدة" في نظرهم. فقد اقترحت حلا كان يعتبره الفرنسيون آنذاك "كفرا" إعلاميا بواحا.. نظرا لتشبثهم الشديد بوطنيتهم و بلغتهم القومية.. كان اقتراحي.. يقتضي أن تنشئ و تمول الحكومة الفرنسية مؤسسات إعلامية مسموعة و مرئية تكون ناطقة بلغات أخرى غير الفرنسية، خاصة الإنجليزية و العربية و الإسبانية، و الروسية... من أجل تحقيق نجاح أكبر في تلميع صورة فرنسا و نشر قيمها الثقافية في أرجاء العالم، خاصة لدى شعوب أخرى قد لا تعرف اللغة الفرنسية أصلا.. و لا تكترث حتى بتعلمها.. فاثأر ذلك الاقتراح إعجاب محدثي في مختلف مؤسسات القطاع الإعلامي و تحفظهم الشديد في آن واحد..

وبما أن الأمور تقاس دوما حسب عواقبها.. فكم كانت  مفاجأتي سارة، عندما أخبرني زملاء فرنسيون بعد مرور حوالي عشر سنوات على تلك التجربة الإعلامية الطريفة.. أن الحكومة الفرنسية قررت أخيرا.. المضي قدما في طريق نزع حاجز اللغة الفرنسية أمام الإعلام الحكومي.. بل إنها استحدثت مؤسسات إعلامية جديدة مثل قناة France 24، التي أصبحت تبث باللغتين العربية و الإنجليزية بدوام كامل الآن. أما إذاعة فرنسا الدولية RFI فقد فتحت منذ فترة عدة أقسام بلغات أخرى غير الفرنسية.. بالإضافة إلى إدمجها الكامل لإذاعة "مونت كارلو" العالمية الناطقة بالعربية ..
و كما يقول المثل العربي الشهير لصاحبه حكيم بن عبد يغوث المنقري: "رب رمية من غير رام"..

 أما في بلادي.. التي تقف الآن على أعتاب رحلة الألف ميل لتحرير الإعلام السمعي البصري الموعود، فقد كنت من أوائل من بشروا و ناضلوا من أجل تلك الفكرة، كما هو موثق في عدة مقالات منشورة في صحف موريتانية تعود لمنتصف التسعينيات، و كذا في هذا المقال المنشور في صحيفة الشرق الأوسط اللندنية سنة 2003 ، و الذي ما زال رابطه محفوظا في ذاكرة الإنترنت..

على كل حال، الأفكار مهمة.. و القوانين مهمة.. و السياسات مهمة.. لكن.. يبقى الأهم هو التطبيق السليم.. و الصبر على النقد و التقييم الموضوعي.. و المتابعة.. و التطوير.. و الأهم الآن بالنسبة لموريتانيا هو إعادة الاعتبار لقيم التواصل والإعلام الحر كفضائل أخلاقية إنسانية و كضرورات حياتية لا غنى عنها من أجل نجاح التحول الديمقراطي و تحقيق التنمية المستدامة..

وهكذا.. لا بد من المبادأة بإصلاح قطاع الإعلام الرسمي المرئي والمسموع  و إعادة رسم وعصرنة الإستراتيجية الإعلامية للدولة الموريتانية بشكل يحدد الوظيفة التواصلية الجديدة لوسائل الإعلام العمومي في ظل سيادة الديمقراطية ودولة القانون. كما يتوجب إعادة تنظيم القطاع بما يتماشى مع وضع دولة ديمقراطية تعددية، ترجع السيادة فيها للشعب والولاء لمؤسسات الجمهورية ويطبق فيها القانون والنظام على الجميع بمساواة وعدالة. ويمر هذا الإصلاح حتما بإعادة  هيكلة وزارة الإعلام الملقبة في موريتانيا بوزارة "الإتصال" و ليس "التواصل"- و هي تسمية تشي بنواتها "الأحادية" الصلبة و بجوهرها المعتم - بما يضمن تقليم أظافر تلك الوزارة ثم إلغاءها في نهاية المطاف.. بعد أن يتم إصلاح و تفعيل السلطة العليا للصحافة و السمعيات البصرية كسلطة تنظيم حقيقة للإعلام.. لا مجرد مجمع بيروقراطي سياحي من فئة الخمس نجوم.
  
أما المؤسسات الإعلامية العمومية فيتوجب عليها من الآن فصاعدا أن تحدث "قطيعة ابستيمولوجية" مع تلك الخلفية السيكولوجية المبطنة للخطاب  الديماغوجي الرسمي المزمن. و قد تعود ذلك الإعلام - طيلة عشرات السنين و تحت كل الأنظمة المتعاقبة- على احتقار إنسانية المتلقي والاستخفاف بعقله و وجدانه باعتباره مجرد "مجال" محتكر لاتصال أحادي الاتجاه دوما، يسلط من أعلى إلى أسفل. و قد ظل ذلك الإعلام يظهر الحكومة كأنها نصف آلهة، صاحبة اليد العليا دائما، تعطي و تمن، تزجر و توبخ.. تحتفل و تنتشي.. بينما يظهر المواطن دوما في صور نمطية مقززة ذات إيحاءات بالغة السلبية. فالمواطن الموريتاني في وسائل الإعلام العمومي إما شاهد زور يلقن ما سيقوله، أو مهرج يطبل بكل غباء، أو "شحات" بائس يستدر العطف و المساعدة،  أو خصم مخالف في الرأي يستحق التوبيخ، أو ضال يطلب هداية، أو أعرابي لا يفقه شيئا، أو كسول لا يريد العمل و الإنتاج، أو خارج على القانون تنبغي معاقبته، أو مخبر فاشل لا يحسن الإبلاغ، أو إرهابي يتوجب التنكيل به. هذه باختصار بعض من تلك الصور النمطية السلبية التي يتوجب على الإعلام العمومي - من الآن فصاعدا- الإقلاع عنها و استبدالها بصور إيجابية تكرس المواطنة و تحترم الرأي و الرأي الآخر، و تخدم التنمية المستدامة.. بعيدا عن لعبة الاستخدام "السياسوي" المزدوج في التطبيل و التزمير و السب و القدح .. و تغليب التمصلح..و التزلف و النفاق و إتباع الأهواء و الأمزجة.

أما السلطة العليا للصحافة و السمعيات البصرية - مع احترامي الشديد لأخينا رئيسها.. ودعواتي الصادقة له- فلا بد من إرادة جمهورية حقيقة و جادة لتفعيلها و إعادة تأهيلها لتشب عن الطوق ..و تتجاوز مرحلة الديكور و المحاكاة لتصبح مستقلة تماما  و قادرة على ممارسة  كامل صلاحياتها التحكيمية في مجال تنظيم السمعيات البصرية كمؤسسة جمهورية سيادية كاملة السلطة.

أما المبادرات الإعلامية السمعية البصرية الخصوصية التي يفترض أن ترى النور قريبا.. فأتمنى لها كل التوفيق حتى قبل أن تولد.. لكنني أذكر أصحابها بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"‏‏‏.. كما أطالب أصحاب القرار في الثلاثي المتحكم (الدولة والسوق النخب) بتسهيل عملية تحرير العقول أولا.. قبل تحرير الإعلام، لكي يتسنى للقائمين على المؤسسات الإعلامية السمعية والبصرية الوليدة انتهاج أسلوب مهني في الطرح الموضوعي و المعالجة الجريئة و المتوازنة.. بعيدا عن كل الإغراءات و الضغوط و الممارسات الزبونية المخلة بشرف تعاطي مهنة الإعلام و التواصل المفيد.. و على الجميع كذلك السهر على ضمان احترام اختيارات ومواقف واستقلالية تلك القنوات و المحطات الجديدة عندما يبدأ قوس قزح الإعلامي الجديد يسطع بزهو في سماء موريتانيا الممكنة.

محمد السالك ولد ابراهيم
medsaleck@gmail.com
انواذيب -  10 اغسطس 2011

سيدي محمد ولد بوبكر: قراءة في طموح سياسي مثير؟

حتى وإن بَدَا متأخرًا ذلك الطموح السياسي الذي أبانَ عنه الوزير الأول الأسبق السيد سيدي محمد ولد بوبكر، من خلال الإعلان عن ترشحه للمنصب...